رأي

من اتفاق القاهرة إلى اتفاق الإطار : عالم تملؤه الذئاب

 

بقلم د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

شهد النصف الثاني من القرن الماضي بروز مجموعة من علماء الدين الشيعة الذين امتازوا بسعة العلم، وقوة الفكر، والمعرفة الواسعة بقضايا المجتمع، والمتابعة اليومية للشؤون السياسية في لبنان والعالم العربي، والحضور القوي بين الناس ومعرفة همومهم ومشاكلهم والعمل على حلها أو التخفيف منها قدر المستطاع.

 واللافت أن كلا منهم قد طرح رؤيته الفكرية والسياسية لما يعانيه المجتمع اللبناني كل حسب منهجه العلمي، مع أن مستندهم هو الفكر الإمامي الاثني عشري من الدين الإسلامي. فإدارة شؤون الناس والدولة تميزت عند كل واحد منهم عن الآخر. ولعل أبرز هؤلاء هم الإمام السيد موسى الصدر، والإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين، والعلامة السيد محمد حسين فضل الله، والشهيد السيد حسن نصر الله. وقد قيل الكثير عن اختلافاتهم الفكرية في قضايا السياسة والدولة، لكن الجامع بينهم كانت نظرتهم الموحدة تجاه الكيان الصهيوني الغاصب لأرض فلسطين، والمعتدي الدائم على جنوب لبنان والطامع في احتلاله.

تقترب ذكرى اختطاف سماحة الإمام السيد موسى الصدر التي حصلت في الحادي والثلاثين من شهر آب من العام ألف وتسعمائة وثمانية وسبعين – والذي ما زال مصيره مجهولاً حتى اليوم – من عامها الثامن والأربعين. وفي كل عام على غيابه تزداد الحاجة إلى العودة إلى فكره وكلماته لنستلهم منها خطواتنا نحو المستقبل.

لا يمكن الإحاطة بفكر الإمام الصدر ولو بعشرات المقالات، نظراً لموسوعيته على مختلف الصعد الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية والتربوية والفكرية. لكن كما يقول المثل: “ما لا يدرك كله، لا يُترك جُلّه”. لكن لو ذكرنا أهم أفكاره لوجدنا أن همه الأول كان حفظ الجنوب من الأطماع والاعتداءات الصهيونية، وثانيها الحفاظ على العيش المشترك بين اللبنانيين، وهو الذي اعتبر أن هذا العيش المشترك هو ثروة لبنان التي يجب التمسك بها. وثالثها تفريقه بين الطائفية والطوائف، حيث اعتبر أن الطوائف هي نعمة على اللبنانيين لما تمثله من تنوع ديني وفكري وثقافي يغني المجتمع اللبناني ويجعله متميزاً في محيطه العربي، بينما الطائفية هي مرض لبنان الذي يقوده نحو الانعزال والتقوقع والفساد والظلم. ورابعها تأكيده على أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه ويجب الحفاظ عليه.

لا يمر يوم على الجنوب إلا وتتعرض قرية مجدل زون لقصف بالمدفعية أو الطائرات أو تفجير البيوت أو إحراقها. وهذه سمة العدو الصهيوني. في العام ألف وتسعمائة وخمس وسبعين وفي السادس والعشرين من شهر آذار، زار الإمام الصدر بلدة مجدل زون وألقى فيها خطاباً مهماً، وذكر عبارات رسخت في أذهان اللبنانيين حتى يومنا هذا، حيث أطلق مقولته الشهيرة التي تستشرف مستقبل الجنوب فقال فيها: “ستمر علينا محن، ونعيش في عالم تملؤه الذئاب، ونحن في حاجة إلى بطولة ودماء حتى نحمي أرضنا الطاهرة”. علماً أنه بدأ كلمته بالقول: “الحمد لله أن لا دولة هنا حتى نحكي عليها، ونحن لا نحكي عن الغائب”.

 اليوم مضى على هذه الكلمة ما يقارب إحدى وخمسين سنة وما زالت الدولة غائبة عن مجدل زون وأخواتها، وما زالت لا تعترف بأن هذه البيوت التي تدمر هي بيوت لبنانيين، وأن الذين يقتلون ويجرحون يومياً هم أبناء هذا الوطن. غابت الدولة عن الجنوب منذ أنشئت، وكأن هذا الجزء منها ألصق بها رغماً عنها، أو أنها حملت به من زنا وتريد أن تتخلص منه بأي طريقة ممكنة، فتركته عرضة للاعتداءات الصهيونية لعشرات السنين، ووضعته تحت وصاية منظمة التحرير الفلسطينية منذ العام ألف وتسعمائة وثمانية وستين عندما وقع رئيس الجمهورية شارل الحلو وقائد الجيش إميل البستاني اتفاق القاهرة الذي سمح للفلسطينيين باستخدام الجنوب لتحرير أرضهم. ثم تركته للحرمان، فقطعت عنه كل إنماء ومساعدة. جرى ذلك عبر سنوات من الإهمال وعدم الاهتمام.

وما أشبه اليوم بالأمس.. فهذه الأيام وقع لبنان الرسمي اتفاق الإطار مع العدو الصهيوني الذي أباح من خلاله للعدو الصهيوني الاستمرار في احتلاله لجزء من الجنوب، وتدمير بيوته، وقتل أطفاله ونسائه، وتصعيد اعتداءاته، ومنع مقاضاته – على الأقل هذا ما يقوله قادة العدو الصهيوني عندما يستندون في كل إجرامهم ووحشيتهم على اتفاق الإطار – وهم في كل بياناتهم يؤكدون عدم انسحابهم ومواصلة عدوانهم وأن ذلك هو جزء هذا الإطار المتفق عليه مع لبنان.

هذا هو حظ جنوب لبنان العاثر. تنساه الدولة لسنوات طويلة، وعندما تتذكره توقّع اتفاقات التنازل عنه تارة لمنظمة التحرير الفلسطينية وطوراً للعدو الصهيوني، أو تسعى كل جهدها لسلبه أوراق قوته، وفي مقدمتها سلاحه الذي ما اقتناه إلا للدفاع عن أرضه وعرضه.

لم يبق للجنوبيين إلا الاعتماد على أنفسهم للحفاظ على وجودهم، وتذكر قول السيد موسى الصدر: “ستمر علينا محن، وسنعيش في عالم تملؤه الذئاب”. وها هو الجنوب يعيش المحن المتتالية، وها هي الذئاب قد أحاطت بالجنوب من كل جانب، كل يريد قضم قطعته منه. ونذكر قوله أيضاً: “نحن بحاجة إلى بطولة ودماء لنحمي أرضنا الطاهرة”. وها هم يا سماحة الإمام الصدر أبناء الجنوب يسطرون أعظم البطولات كل يوم، ودماء أطفالهم ونسائهم وأبطالهم المقاومين على العهد معك، لحماية أرضهم الطاهرة من كل نجس ورجس وتآمر وخيانة.

 

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى