رأي

معنى أن يفرح مدير مدرسة.. من يحمل حقّ الأطفال في العلم؟ (علوية هاشم فياض)

 

 

كتبت علوية هاشم فياض – الحوارنيوز

 

من مدرسة أرزي الرسمية، نداءٌ إلى كلّ من يؤمن بأنّ بناء الإنسان يبدأ من المدرسة.

 

دخلنا مدرسة أرزي الرسمية، بمبادرة من مؤسسة سعيد وسعدى فخري الإنمائية، نحمل فرحاً صغيراً لأننا استطعنا أن نلبّي بعضاً من الحاجات الأساسية، ولا سيّما في صفوف الروضات.

 

لكنّنا خرجنا ونحن نحمل سؤالاً أكبر من المبادرة نفسها: كيف نضمن ألّا يُحرم طفل من حقّه في أن يتعلّم في بيئة تليق بطفولته، وتفتح أمامه نوافذ المستقبل بدل أن تضيق به؟

 

لطالما شبّهتُ صفوف الروضات بالشاشات الأولى التي يرى الطفل من خلالها العالم. وما يظهر على هذه الشاشات لا ينبغي أن يكون عابرًا أو باهتًا؛ بل تجربةً مدهشة، وبيئةً آمنة، ومساحةً تليق بفضوله، وتغذّي خياله، وتمنحه حقّه في اللعب والاكتشاف والتعلّم.

 

فالطفولة ليست مرحلةً زمنيةً ننتظر انقضاءها كي يبدأ المستقبل؛ إنّها المرحلة التي تتشكّل فيها ملامح ذلك المستقبل، وتُعجن فيها القناعات الأولى، وتُزرع فيها البذور التي قد تصبح غداً سلوكاً وموقفاً وخياراً. وما يتعلّمه الطفل اليوم عن قيمة نفسه وحقوقه وكرامته، ينعكس غدًا في نظرته إلى العالم وفي موقعه منه.

 

في لقائنا مع مدير المدرسة، الأستاذ حسين متيرك، اطّلعنا على جوانب من الصعوبات التي تواجه هذا الصرح التربوي. وكان من المؤلم أن نرى حجم الحاجات التي تنتظر المعالجة: حمّامات تحتاج إلى صيانة، وصفوف تحتاج إلى مقوّمات الحياة التربوية، ومنهج يحتاج إلى تنسيق، وأطفال في مرحلة الروضات لا تتوافر لهم المساحات والتجهيزات الكافية للعب والحركة، فضلاً عن التحدّيات التي تطال الكادر التعليمي، ومنها ما نُقل إلينا عن متعاقدين لم تتقاضوا مستحقّاتهم لأكثر من سنة.

 

لسنا هنا لنُعمّم، ولا لنُصدر أحكاماً على قطاع بأكمله؛ فما شاهدناه وسمعناه يدعونا، قبل أيّ شيء، إلى الإصغاء والتحقّق والعمل. لكنّنا نؤمن بأنّ أيّ مدرسة تصل إلى مرحلة تُوصَف فيها أحوالها بالتعثّر تستحقّ أن نتوقّف عند واقعها، لا لنضيف إلى أوجاعها وصفاً جديداً، بل لنبحث عن طريقٍ يخرج بها من دائرة الحاجة.

 

فأيّ معنى للثّقة نزرعه في طفل، إذا كان محيطه عاجزاً عن صون أبسط حقوقه؟ وأيّ رسالة تربوية تكتمل إذا كان المعلّم نفسه ينتظر حقّه؟

 

التعليم ليس كتاباً يُفتح، ودرساً يُشرح، وامتحاناً يُجتاز فحسب. التعليم تربيةٌ على الثقة والاحترام والإنصاف، وهو رسالة لا تستقيم إذا طُلب من المعلّم أن يمنح الأمل فيما تُثقله الهموم، أو من الطفل أن يحلم فيما تفتقر بيئته إلى أبسط مقوّمات التعلّم.

 

ومع ذلك، ثمّة ما يستحقّ أن نتوقّف عنده بإعجاب وامتنان.

 

ثمّة أناس يحاولون، بما تيسّر لهم، أن يُبقوا لهذا الصرح نفساً، وأن يحولوا دون أن تخفت رسالته. وكان الأستاذ حسين متيرك، في حديثه عن مدرسته، صورةً لمدير يحمل همّ المكان وأطفاله، ويحاول أن يوازن بين ما ينبغي توفيره وما تسمح به الإمكانات، وبين حاجات يعرفها وعجزٍ لا يملك وحده أن يتجاوزه.

 

وحين بكى هذا المدير، لم تكن دموعه تفصيلاً عابراً في لقاء؛ كانت لحظةً كشفت لنا مقدار ما قد يحمله الإنسان من وجع حين يشعر بمسؤوليته عن مستقبل أطفال، فيما تضيق الوسائل بين يديه.

 

كم نحتاج إلى أن نحمل مدارسنا في قلوبنا، لا أن نترك مديريها ومعلّميها وحدهم في مواجهة ما يفوق قدرتهم!

 

من هنا، لا نكتب لنفتح باباً للعمل.

 

إلى الجهات المعنية بالشأن التربوي، وإلى المؤسسات الأهلية والبلديات والجمعيات، وإلى أصحاب المبادرات والقدرات والخبرات، وإلى كلّ فرد يستطيع أن يقدّم شيئاً: إنّ مدرسة أرزي الرسمية تستحقّ أن تكون موضع اهتمامنا جميعاً. وما تحتاج إليه ليس تعاطفاً ينتهي بانتهاء الزّيارة، بل متابعةً جدّية، وتنسيقاً للمساعدات، وخطواتٍ واضحة تعالج الأولويات، وتحفظ كرامة المدرسة وأهلها.

 

قد تكون مساهمةٌ في صيانة مرفق صحيّ، أو تجهيز صفّ، أو توفير ألعاب حركية آمنة، أو دعم الوسائل التعليمية، أو المساعدة في تأمين احتياجات أساسية. وقد تكون مساهمتكم خبرةً فنية، أو جهدًا تطوّعيًا، أو مبادرةً تجمع القادرين على إحداث فرق.

 

ليست قيمة العطاء في حجمه وحده، بل في أثره، وفي استمراره، وفي قدرته على الوصول إلى حيث تكون الحاجة أشدّ.

 

نحن لا نريد لأطفالنا أن يتعلّموا في بيئةٍ تُذكّرهم بما ينقصهم، بل في بيئةٍ تفتح أعينهم على ما يستطيعون أن يصبحوه. ولا نريد لمدارس الجنوب أن تبقى في دائرة الحديث عن حاجاتها، بل أن تكون في صلب الجهود التي تصون حقّ أبنائها في المعرفة والنموّ والكرامة.

 

فالمدرسة الأولى التي تبني المستقبل ليست جدراناً وسقفاً فقط؛ إنّها اليد التي تمتدّ إلى الطفل، والعقل الذي يفتح أمامه الطريق، والقلب الذي يقول له إنّ مكانك في هذا العالم محفوظ، وإنّ أحلامك تستحقّ أن تجد من يرعاها.

 

أطفالٌ يكبرون في الحبّ والإنصاف، لا في الإهمال والحرمان، هم أقدر على أن يصبحوا غداً صوتاً في وجه الظلم، وفعلاً في سبيل العدل، وشهوداً على أنّ المحبّة ليست شعوراً فحسب، بل مسؤولية تُمارَس.

 

فلنكن جميع جزءاً من هذه المسؤولية.

 

لأنّ ترك مدرسةٍ تواجه حاجاتها وحدها ليس قدراً ينبغي التسليم به، ولأنّ العلم في الجنوب ليس ترفاً مؤجّلا، بل حقّ لا يجوز أن يتراجع أمام قلّة الإمكانات.

 

ما كان لله ينمو؛ وما نزرعه اليوم في عقول الأطفال وقلوبهم، قد يصبح غداً شجرةً يستظلّ بها وطنٌ بأكمله.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى