إقتصادرأيمصارف

مرتكزات واقتراحات: مشروع انقاذ مالي ومصرفي(علي يوسف)

كتب علي يوسف

        قد يكون من الواجب اقتراح  مشروع لمعالجة الأزمة المالية والمصرفية في لبنان على رغم أن الوضع العام وحالة الفوضى وانعدام السلطة وفقدان المعايير وانحلال التكتلات المجتمعية سياسية او غير حكومية والانشغال العام بالمشكلات الحياتية، كل ذلك يجعل من الكلام الجدي وكأنه صرخة في واد..

        وقبل البدء بالاقتراح لا بد من التوقف عند عدد من النقاط الهامة التي يفترض أن تكون مستقبلاً موضع محاسبة سياسية وقانونية في حال أُعيد التوازن التكويني لهذا البلد دستورياً وسياسياً وقانونياً ومؤسسات.

        أهم هذه النقاط:

  • تراجع السلطة عن مسؤولياتها تجاه الأزمة المالية وترك الموضوع الى مصرف لبنان وإلى جمعية المصارف الذين خرقوا كل القوانين وعبثوا بأموال الناس ومدخراتهم دون حسيب او رقيب.

  • عدم إقدام السلطة بمعناها الواسع إن لم نقل على استباق الأزمة على الأقل التحرك فور بدئها الى وضع القوانين والمراسيم التي تنظم العمل  خلال الأزمة ووفق تصور لتجاوزها.. ويجب الإشارة الى أن هناك فارقا كبيرا بين أن يأتي “الهيركات” قانونياً ومفروضاً من قبل السلطة ،وبين ان يكون تعبيراً عن عجز المصارف على تلبية طلبات المودعين. فتتحول المصارف الى صندوق لسحب الأموال فقط بدل أن يعاد صياغة دور لها في  الخروج من الأزمة بات شبه مستحيل نتيجة انعدام الثقة بعد ظهور عجزها.

  • حلول مصرف لبنان مكان السلطة بكاملها ،مجلس نواب وحكومة ووزارات ومؤسسات وحتى قوى سياسية أساسية. وتصرف حاكم مصرف لبنان وكأنه حاكم للبلد كله وأقوى من الدستور والقوانين، فيحدد السياسات المالية والسياسات الاقتصادية والاجتماعية ويمعن في استكمال مهمته الموكلة إليه في افقار الشعب اللبناني وتجويعه مما يؤدي الى نشر الفوضى..!!

  • تحول جمعية المصارف واصحاب المصارف الى سلطة تنفيذية وسلطة قانونية قادرة على فرض الانظمة التي تراها مناسبة في ما يتعلق بأموال المودعين، وكذلك استكمالاً للمهمة الموكلة إليها بافقار الشعب اللبناني وصولاً الى الفوضى المطلوبة..!!

  • ظهور العجز البنيوي لما يسمى حكومة التكنوقراط التي لا تصمد أمام الهزات بغض النظر عن “النوايا الطيبة” ومسارعة وزراء في الحكومة ورئيسها الى الاستقالة بعد انفجار مرفأ بيروت. وكان يمكن قبول ذلك لو اقتصر الأمر على الاستقالة إلاّ أن هذه الإستقالة تحولت الى انسحاب من أي مسؤولية.

  • سقوط السلطة ومكوناتها الواسعة وليس الحكومة فقط سقوطاً مفجعاً أشار بوضوح الى عجزها التكويني فهي على الرغم من عدم رضاها المعلن عن دور حاكم مصرف لبنان فهي لم تستطيع لا محاسبته ولا تحديد مسؤولياته في هذه الأزمة بل وعجزت حتى عن وضع حد لحلوله مكان السلطة فكيف يكف يده واستبداله ؟؟؟!!

ولعل السبب الأساسي في ذلك هو أن بعض القوى السياسية مرتهنة وتساهم في الوصول الى الفوضى ،وهي حاولت وعبر تراشق الاتهامات والمسؤوليات ترك الأمور لغيرها كمسؤولية ومعالجات ظناً منها أن هذا يعفيها من المسؤولية ، واعتقاداً أن العجز العام في البلد وعلى المستويات كافة سيعيد  انعاش وجودها وسلطتها كونها قوى منظمة. كما أن الأزمة التكوينية لما يسمى المعارضة هي أقوى من ازمة السلطة كون هذه المعارضة بمعظمها مرتهنة ومفتته ولا تملك مشروعاً للحلول بل مشاريع للنق والفوضى وتكرار الاتهامات وتحميل المسؤوليات على طريقة “كلن يعين كلن” ومن دون أي كلمة عن البدائل ولا عن المشاريع  البديلة. صحيح أن الشعب ينتخب وصحيح أنه صاحب السلطة ولكن يجب أن لا ننسى أن هذا الشعب هو من انتخب هذه السلطة لاعتبارات تكوينية طائفية ومذهبية ما تزال قائمة وهو بالتالي تعود على انتخاب ممثلين ولكن لم يتعود على انتخاب قوى تحمل مشاريع محددة أثبتت جدواها إن على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي.

المشكلة بنيوية

انطلاقاً من كل ذلك وبما أن المشكلة هي مشكلة بنيوية، مشكلة وجود قوى سياسية متناقضة في المشاريع السياسية للبنان:

  • قوى تعتبر اسرائيل عدواً حقيقياً غاصباً لفلسطين ولبعض الأراضي اللبنانية والعربية وهي تريد المواجهة حتى الخلاص من المشروع الصهيوني السرطاني في المنطقة المدعوم من الغرب والذي أدى ويعمل الى تفتيت المنطقة وعدم استقرارها وعدم تحقيق التنمية والنمو لشعوبها. وهذه القوى تجد نفسها طبيعياً جزء من المحور الذي أتفق على تسميته محور الممانعة مع ما يعني ذلك من ارتباط سياسي واقتصادي.

  • وقوى خاضعة للغرب وهي وإن كانت تعتبر شكلاً أن اسرائيل عدواً إلاّ أنها تخضع وتؤيد كل السياسات الغربية التي تعمل لحماية اسرائيل ولمصلحة اسرائيل على حساب كل الدول العربية وشعوبها. من مشاريع ايجاد البدائل للدولة الفلسطينية الى مشاريع الارهاب وضرب الدول المركزية. وهذه القوى لم تجد حرجاً في تبني كل الطروحات التي تهدف الى ضرب المقاومة في لبنان سياسياً وحتى أمنياً أو عسكرياً إذا أمكن. ويتجنب الجميع أو على الأقل الاغلبية ولأعتبارات “وطنية” الحديث عن دور قوى لبنانية في تشجيع الحصار على لبنان بهدف انتفاض البيئة الحاضنة للمقاومة على المقاومة. وكذلك انتفاض معظم الشعب  اللبناني عليها عبر  تحميلها مسؤولية ما حصل من ازمات ناتجة عن الحصار الذي يحصل بسببها.

وغاب عن بال هؤلاء أن الانتماء الايديولوجي والسياسي لبيئة المقاومة أقوى من الانتماءات الهشة لبيئة القوى الأخرى ،وبالتالي فإن استفحال الأزمة سيصيب كل اللبنانيين، وقد يسمح ذلك للمقاومة ان تكون البديل للمعالجة فتتحّول الى منقذ للبنان بدل ان تكون سبب الأزمة. ولعل قافلة سفن المحروقات التي ستصل قريباً هي البداية في هذا الاتجاه.

لقد بات من الضروري وإزاء هذا الوضع أن تقوم القوى السياسية اللبنانية بغض النظر عن تكويناتها الطائفية والسياسية بمراجعة شاملة وحقيقية لسياساتها المرحلية والاستراتيجية، لأن استمرارها في سياساتها الحالية لا يوصلها إلاّ الى الانتحار المجاني.. وهنا يمكن أن يصبح مجدياً اقتراح أفكار لمشروع انقاذ مالي.

أفكار لمشروع انقاذ مالي

        إن افكار المشروع التي سنقترحها لن يكون لها معنى من دون وجود حكومة قوية وتوافق وطني على انقاذ ينطلق من المصلحة اللبنانية ،والتي اذا اخذت كمبدأ نستطيع وقف أو تخفيف مفاعيل الحصار إن لم نقل وضع حد له.

        ولعل المفاعيل الأولية ل “البواخر الايرانية” أكبر دليل على ما نقول … علماً أن عدم حصول التوافق الوطني على انقاذ حقيقي واستمرار السياسات المتبعة القائمة على القروض من دون رؤية مالية واقتصادية كالبطاقة التمويلية مثلاً وطلب  المساعدات، ستؤدي الى مراوحة الأزمة وتبقي الشعب اللبناني رهينة عصا العقوبات والحصار ومحاولات الإخضاع السياسي. وسنصل حتماً عندها الى انفجار كبير وتعديل ساخن لموازين القوى كخيار لا بد منه .

        وترتكز أفكار مشروع الانقاذ المالي على أن :

  • تستعيد السلطة بمعناها الواسع دائماً وليس الحكومة فقط دورها كواضع للسياسات المالية والاقتصادية والاجتماعية وفق مسؤولياتها المختلفة.

  • اتخاذ اجراءات سريعة تدل على جديتها وتصحيح نهجها ووضع حد لخروج مصرف لبنان وحاكمه وجمعية المصارف وأصحاب المصارف على القوانين ووضعهم أمام مسؤولياتهم وتأكيد سياسة المحاسبة.

ج- اعتبار أموال المودعين ومدخراتهم ومصيرها من مسؤولية الدولة اللبنانية وليس من مسؤولية حاكم مصرف لبنان والمصارف، خصوصاً وأن جزءاً أساسياً من القروض المستحقة على الدولة لمصرف لبنان وللمصارف هي  من أموال المودعين التي أعطيت بسخاء بهدف الوصول الى الأزمة التفجيرية الراهنة التي حصد الوطن والشعب نتائجها الكارثية، باستثناء أصحاب المصارف الذين لعبوا دور الوسيط وحصلوا على عمولاتهم أرباحاً تنعّموا بها في لبنان وخارجه.

        انطلاقاً من ذلك نتقدم بأفكار مشروع الانقاذ المالي الذي تحتاج بعض نقاطه الى تحديدات رقمية  تستند إلى معلومات رقمية واضحة وصحيحة..

  • فور تشكيل الحكومة ونيلها الثقة تضع مشروع قانون معجل مكرر ترفعه الى مجلس النواب يتضمن:

أ – اقرار من الدولة اللبنانية بضمان كامل الودائع المصرفية بقيمها الحقيقية وعلى أن تسدد وفق جدولة محددة مع فوائد محدودة لنسب الودائع التي سيؤجل دفعها الى ما بعد السنتين.

ب –  اعتبار الودائع التي تقل قيمتها عن 36 ألف دولار اميركي أو ما يعادلها بالليرة محررة فوراً ،على ان تسدد على مدار السنة بمعدل 3 آلاف دولار شهرياً واعتباراً من أول  العام المقبل 2022.

ج –  تحرير 48 ألف دولار من قيمة الودائع للسنة الثانية تقسم شهرياً او فصلياً.

د –  تحرير 60 ألف دولار أميركي من قيمة الوديعة للسنة الثالثة تقسم شهرياً أو فصلياً، ثم حتى 200 ألف دولار للسنة الرابعة.

هـ –  تحويل الودائع التي تفوق ال 200 الف دولار الى سندات مؤجلة الدفع بكفالة الدولة الى ما بين 5 سنوات و 10 سنوات مع فائدة محدودة. ووفق جدولة يتم دراستها رقمياً وفق معايير محددة تتعلق بوضعية الوديعة ووضعية المودع على ان يتم وضع هذه المعايير من قبل لجنة فنية خاصة، وبمشاركة إحدى المؤسسات الدولية الموثوقة والمختصة وعلى أن يتم ذلك خلال شهرين كحد أقصى تأكيداً لجدية الدولة.

و –  يمكن استخدام هذه السندات في عمليات الشراء والبيع في السوق بما يشبه التداول بالشيكات بحيث تدخل في الدورة  الاقتصادية مع الاحتفاظ بآجال تسييلها بحيث لا تشكل ضغطاً مباشراً للتسييل.

ز –  توزع هذه السندات وفقاً للودائع من قبل المصارف وبكفالة الدولة ،على أن تلتزم المصارف بتسييلها في مواعيدها مع جدولة تسديد الدولة اللبنانية ديونها لهذه المصارف وإقدام المصارف على تعويض خسائرها عبر زيادة رساميلها وتحسين إداراتها وتوظيفاتها برقابة لجنة الرقابة على المصارف.

  • إن مثل هذا القانون يخفف الضغوط المالية المباشرة على الدولة اللبنانية وعلى مصرف لبنان وعلى المصارف.

  • في ضوء ذلك وبموازاة التحقيق الجنائي الذي يتم الآن في مصرف لبنان تكلف، ومن ضمن نص القانون المقترح، شركات التدقيق المحاسبي المعتمدة من كل مصرف بدراسة الوضع المالي والإداري لكل مصرف وتحديد الخسائر الفعلية والمقترحات الفضلى لتعويض هذه الخسائر والوسائل والمهل اللازمة لذلك ،بما يتوافق وبرمجة استحقاق السندات على أن ترفع هذه التقارير الى لجنة الرقابة على المصارف لتدقيقها وفرض الالتزام بها من قبل أصحاب المصارف وإداراتها.

  • تقوم لجنة الرقابة على المصارف وفي ضوء تقارير شركات التدقيق باقتراح عمليات دمج المصارف المتعثرة بالمصارف القادرة على استعادة عافيتها ووفق خطة تفرض على أصحاب المصارف تحت طائلة تغيير ملكياتها أو تعزيز المالكين بمساهمين مليئين جدد ومن دون تحميل مصرف لبنان مسؤولية دعم عمليات الدمج لمنع الهدر الذي حصل سابقاً تنفيذاً لمصالح فئوية.

  • تحدد مهلة دراسة أوضاع المصارف ووضع الحلول ب 6 أشهر كحد أقصى وتحدد مهلة تصحيح الأوضاع بمهلة 6 أشهر أيضاً بحيث نصل الى وضع مصرفي متعاف خلال سنة.

الرؤية الاقتصادية

        ان هذا المشروع للانقاذ المالي يؤدي الى تخفيف الضغط المالي واستعادة الثقة بالأدوات المالية والاستثمارية في لبنان.

        إلاّ أن تحقيق النهوض الاقتصادي والاجتماعي يتطلب بموازاة مشروع الانقاذ المالي وضع مشروع انقاذ اقتصادي اجتماعي يأخذ بعين الاعتبار الواقع الراهن وموازين القوى وآفاق التطورات على المستويين العالمي والاقليمي ، وبما يعطي للبنان دوراً فاعلاً اقليمياً تنطلق من مميزاته التفاضلية المرتكزة الى ثروته النفطية المرتقبة وثروته البشرية وكونه رأس حربة في اسقاط مشاريع الاغتصاب والاحتلال والتفتيت والارهاب والدويلات الطائفية الخ…

        وتحقيق مشروع الانقاذ الاقتصادي ضروري لضمان قدرة الدولة على برمجة تسديد ديونها بما يمكن المصارف أيضاً من الإلتزام بتسديد السندات وفق الجدولة الموضوعة.

        وحول مشروع الانقاذ الاقتصادي مرتكزاته ووسائله وتوجهاته سيكون للحديث صلة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى