منوعات

مخاطرانقطاع أدوية القلب والشرايين في لبنان (1)

 

د.طلال حمود
شهد لبنان في السنة الأخيرة ازمة إقتصادية-مالية- نقدية خانقة كانت نتائجها وخيمة تقريباً على كل الطبقات والشرائح الإجتماعية. فقد تدهور سعر صرف الليرة على الدولار بشكلٍ  رهيب واقفلت الكثير من المؤسّسات التجارية والصناعية والسياحية والتربوية، وتعثّر قطاع الطبابة والإستشفاء بشكلٍ كبير،أولاً نتيجة إرتفاع اسعار كل المُستلزمات الطبيّة المُستوردة من الخارج بالعملة الصعبة، وثانياً بسبب عدم دفع الدولة ومعظم المؤسسات الضامنة للمستحقّات المتوجّبة عليها للمستشفيات، ما اوقع تلك المؤسسات في عجز كبير وفي نقص في السيولة لدفع رواتب الموظفين الإداريين والطواقم التمريضية وغيرها من التكاليف التشغيلية.
وقد جاءت "جائحة كورونا" التي تستمر فصولها بعنف منذ بداية السنة وحتى اليوم  لتُكمل من تدهور الحالة الإقتصادية والمعيشية الصعبة اصلاً ،وسبّبت خسائر هائلة في الأرواح وفي الإقتصاد في لبنان وفي معظم دول العالم حتى الدول ذات الإقتصادات الهائلة القدرات مثل الولايات المتحدة ومعظم دول اوروبا وغيرها من دول العالم المتقدّم.
وفي لبنان لم يسلم قطاع الدواء المُلحق حتماً بالملف الشامل لقطاع الطبابة والإستشفاء من التداعيات الخطيرة لتلك الازمات المُتتالية. وقد اضطر مصرف لبنان الى إصدار تعاميم تهدف لتنظيم إستيراد الدواء والمُسلتزمات الطبية بطريقة تدعم هذا الإستيراد وتمنع من ارتفاع اسعار الدواء بشكلٍ عشوائي كما حصل مع معظم السلع الإستهلاكية الأخرى. لكننا شهدنا منذ حوالي شهرين تقريباً شِحاً كبيراً في مخزون الدولار في مصرف لبنان ما دعا بعض الأوساط فيه وغيرهم من المسؤولين في السلطة الى تسريب اخبار عن "إمكان رفع الدعم عن السلع الأساسية" واهمها المحروقات والدواء والطحين والتي تُشكّل اهم المقوّمات الأساسية لإستمرار الحياة لشريحة واسعة من اللبنانيين إن لم نقل جميعهم وبدرجات مُتفاوتة.
وقد احدثت الأخبار عن إمكانية رفع الدعم عن الدواء حالة من الهلع والخوف والتوتر عن معظم اللبنانيين وتسبّبت في هجمة كبيرة على الصيدليات لتكديس كميّات كبيرة من الأدوية المُزمنة خوفاً من ان تنقطع من السوق نتيجة إرتفاع اسعارها وعدم إمكانية إستيرادها من الخارج في المستقبل القريب. ولجأ بعض الصيادلة وبعض اصحاب المستودعات "الجشعين" الى تكديس كميات كبيرة من بعض الأدوية بهدف بيعها بأسعار مُرتفعة بعد رفع الدعم. كذلك اشتغلت "مافيات تهريب الدواء" على كل الخطوط المُمكنة لكسب المال بكل الطرق المُلتوية ولبيع الدواء اللبناني المدعوم من مصرف لبنان والذي اصبحت كلفته زهيدة جداً مقارنة مع كلفته في معظم الدول المجاورة. وهذا ما ادّى الى "حركة تهريب ناشطة" بإتجاه دول مثل العراق ومصر وليبيا لأدوية باهظة الثمن في لبنان وخاصة الادوية الأساسية المستوردة والتي لا يوجد منها ادوية رديفة او جُنيسيّة (جنريك) والتي اصبحت تجارتها تدّر على المُهرّبين ارباحا طائلة لأن كلفتها في لبنان اصبحت زهيدة جداً مقارنة مع اسعارها في تلك الدول.
كل العوامل التي ذكرناها سابقاً خاصة عدم قدرة الشركات المستوردة للدواء وللمستلزمات الطبية على فتح إعتمادات جديدة للإستيراد من الخارج بسبب  إضطرارها للإنتظار لوقت طويل لكي تأتي الموافقات الإستنسابية من حاكم مصرف لبنان ولكي تقدر في النهاية على دفع المبالغ المُتوجّبة عليها في الخارج.
هذه المقالة تحاول ان تضيء بعض الشيء على اهمّ  مخاطر إنقطاع بعض الأدوية الأساسية المُستعملة في علاج امراض القلب والشرايين وسوف نقسّمها الى جزئين: في الجزء الأول سنُعرّف القارئ الكريم  على أهمّ انواع امراض القلب والشرايين واسبابها وسوف نتناول بشكلٍ مُختصر نتائج هذا الإنقطاع او التوقّف المفاجئ عن تناول بعض انواع هذه الأدوية على مرضى القلب والشرايبن بشكلٍ عام. وسنُخصّص الجزء الثاني للغوص اكثر في مخاطر إنقطاع هذه الأدوية وبشكلٍ تفصيلي عند كل نوع من انواع امراض القلب والشرايين. وسنختم بأهم التوصيات والقواعد التي من شأنها ان تحفط صحة المواطن وامنه الدوائي وما هي اهم الطرق والأساليب للوصول لذلك.

١-انواع  أمراض القلب والشرايين المُزمنة:
كلنا نعرف أنّ أمراض القلب والشرايين المُزمنة تنقسم إلى عدّة أقسام فمنها:
أ‌- أولاً أمراض الشرايين التاجية للقلب والتي تُعرف بمرض تَصلُّب الشرايين التاجية للقلب، و هي ناتجة عن ترسّبات دهنية وكلسية تترسّب تدريجياً في داخل جدار  الشرايين التاجية للقلب وغيرها من الشرايين وتتسبّب بحصول أعراض مُتنوّعة منها الخناق الصدري المُستقرّ  والخناق الصدري غير المُستقرّ عند وجود إنسدادات غير كاملة في الشرايين التاجية للقلب، او الذبحات القلبية أو ما يُعرف بإحتشاء عضلة القلب عند حصول إنسداد كامل في احد الشرايين التاجية للقلب.
وتُشكّل هذه الأمراض ما يُعادل ٧٠ بالمئة من أمراض القلب والشرايين، أي أنها تُعتبر السبب الأول والرئيسي لدخول المرضى إلى المستشفيات، والسبب الأول والأساسي لوصف هذا المريض او ذاك بأنه مريض قلب مُزمن. وهنا يجب ان نعلم ان عوامل خطورة هذه الأمراض  معروفة جداً، وهي تتمثّل بالتدخين أولاً و الذي يتسبّب بحوالي ٣٥ بالمئة من هذه الإصابات. كذلك مرض إرتفاع الضغط الشرياني والإصابة بمرض السُكّري وإرتفاع مستوى الدهنيات في الدم بمختلف انواعها. 
وكذلك البدانة و التعرُّض للتوتر والقلق والإكتئاب الدائم وقلة الحركة، أي عدم القيام بالتمارين الرياضية بشكلٍ  روتيني لثلاثة مرّات او اكثر اسبوعياً ولمدّة لا تقلّ عن٣٠ الى  ٤٥ دقيقة في كل مرّة. وهناك بعض العوامل الإجتماعية والثقافية والمعيشية حيث أن أمراض الشرايين التاجية للقلب تزداد بشكلٍ كبير عند المرضى الذين يكون مستواهم الثقافي والإجتماعي متدنٍ لأسباب كنا قد شرحناها في مقالات سابقة.

ب- ثانيا أمراض عضلة القلب، وهي النوع الثاني الأكثر رواجاً لأمراض القلب. وهي  تأخذ عدّة أشكال أهمّها مرض "تضخّم عضلة القلب التوسعي" (Dilated cardiomyopthy), حيث تتوسّع عضلة القلب بشكلٍ كبير و تتمدّد و تنخفض قوة انقباضها بشكلٍ كبير . ممّا يؤدّي إلى حصول قصور في عضلة القلب أي كسل وضعف في هذه العضلة ما يؤدّي إلى حصول حالات إحتقان رئوي حاد أو مزمن مع ما قد يُصاحب ذلك من أعراض معروفة.و قد تأخذ أمراض عضلة القلب أشكالا أخرى بحيث تتضخّم هذه العضلة بشكلٍ آخر، بحيث أن سماكتها تزداد بسبب أمراض مُتعددة. وهنا نتكلّم عن امراض العضلة السميكة (Hypertrophic cardiomyopathy)  من أهمها مرض ارتفاع الضغط الشرياني او وجود انسداد او تهريب في الصمام الأبهر للقلب أو بسبب أمراض أخرى نادرة تتسبّب في ترسُّب بعض البروتينات أو بعض المواد الأخرى في داخل العضلة .وهنا نتكلّم عن امراض العضلة المحدودة الإنقباض بسبب هذه المواد ( Restrictive cardiomypathy). وهذا ما يؤدّي أيضاً في كلتا الحالتين  في نهاية الأمر إلى تدهور قوّة إنقباض هذه العضلة ويؤدّي إلى الإصابة بقصور عضلة القلب.

ج-ثالثا أمراض صمّامات القلب، و نحن نعرف أن هناك أربعة صمّامات في القلب، إثنان منهما هما صمّامان أساسيان، الصمام التاجي والصمام الأبهر للقلب، وهما في القلب الأيسر الذي يلعب دور المضخّة القلبية. وقد يُصاب هذان الصمّامان بمشاكل  تؤدّي إلى حصول إنسداد أو تهريب أو إنسدال مع خلل في عمل هذا الصمّام، ما يؤدّي إلى حصول تضخّم و توسّع في عضلة القلب وإلى حصول أعراض خطيرة منها قصور عضلة القلب.  ومنها أيضا إمكانية حصول إضطرابات خطيرة في كهرباء القلب وحالات غياب عن الوعي او موت مفاجئ. ولحسن الحظ فإنّ هذه الأمراض التي  تصيب الصمّامات آخذة في الإندحار والإنخفاض بسبب إنحصار حالات الإصابة بأمراض الروماتيزم والحمى الرئوية والتي كانت تصيب منذ سنوات أعدادا كبيرة من الأشخاص خاصة في الدول النامية نتيجة الإلتهابات المُتكررة في الحنجرة والبلعوم واللوزتين.

د-رابعاً أمراض كهرباء القلب وهي مُتنوعة جداً وناتجة عن خلل مُمكن في عمل الشبكة الكهربائية الطبيعية الموجودة في داخل القلب،والتي تلعب دور المُولّد الكهربائي الذي يُرسل ذبذبات كهربائية تسير في شبكة كهربائية مُعقّدة موجودة في الحاجز الذي يفصل بين الأذينين والبطينين ،ولها إمتدادات في داخل البطين الأيسر و البطين الأيمن. وهي شبكة قد تُصاب إما بخلل يؤدّي إلى تباطؤ في ضربات القلب ما قد يتطوّر إلى حاجة المريض إلى تركيب جهاز كهربائي اصطناعي يسمّى  "بطارية للقلب" ، وهذه الحالات هي اكثر شيوعاً عند المتقدّمين في السنّ.
أو قد تُصاب في المقابل في حالات أخرى أكثر شيوعاً بإضطرابات تتسبّب في زيادة ضربات القلب بشكلٍ خطير وبعدّة أشكال على مستوى البطين وعلى مستوى الحاجز بين البطينين والأذينين، او على مستوى الأذين الأيسر والأيمن. وهي الأمراض الأكثر رواجاً وتُصيب أكثر الفئات الشبابية والأعمار المتوسّطة ما عدا حالة الجفان الإذيني التي تُصيب اكثر المتقدّمين في السن. وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ الإضطرابات الكهربائية التي تُصيب البطين هي من أخطر الإضطرابات، و قد تؤدّي إلى حالات غياب مفاجئ عن الوعي وإلى حالات وفاة مفاجئة في بعض الأحيان وعلاجها صعب في مُعظم الأوقات ،و قد يتطلّب أحياناً زرع صادم كهربائي داخلي له كلفة عالية جداً في البلاد النامية ،وهو على شكل جهاز صغير يزرع تحت الجلد في المنطقة الموجودة في منطقة الكتف وتحت عظمة الترقوة.  ويُوصِل هذا الجهاز الشحنات الكهربائية التي تصدم داخلياً البطين بواسطة سلك معدني دقيق يوجد في قمة البطين الأيمن. وهو يتحسّس الذبذبات الكهربائية الصادرة من البطين ،ويقوم بإجراء صدمة كهربائية في حال كشف الحاسوب الدقيق الموجود في الجهاز ،إضطرابات خطيرة في كهرباء القلب.

ه-خامسا أمراض ارتفاع الضغط الشرياني وأمراض إلتهابات غشاء القلب وغيرها من الأمراض القلبية النادرة والتي لها علاجاتها الخاصة والتي لن ندخل في تفاصيلها، ولكننا فقط نُشير هنا إلى أن مرض إرتفاع الضغط الشرياني هو مرض يُصيب حوالي ٢٠ إلى ٣٠  بالمئة من المواطنين اللبنانيين. وترتفع نسبته بشكلٍ كبير عند المرضى المُتقدّمين بالسنّ أو عند المرضى المُصابين بمرض السكري أو بالبدانة.
أسباب مرض ارتفاع الضغط الشرياني مجهولة في حوالي ٩٠ الى ٩٥  بالمئة من الحالات، ما يجعل البحث عن أسباب هذا المرض عملية غير ذات فائدة مُهمّة ،وفي بعض الحالات قد نجد أسبابا هرمونية متنوّعة أو اسبابا شريانية مثل الإنسدادات في الشرايين الكلويّة والتي قد تؤدّي إلى إرتفاع الضغط الشرياني،
وتتسبّب بالتالي بأعراض خطيرة ناتجة عن الإرتفاع المُزمن في الضغط الشرياني الذي يؤدّي إلى تضخّم في عضلة القلب كما ذكرنا سابقاً ،وفي زيادة سماكتها وإلى اضطرابات في كهرباء القلب، وإلى الإصابة بقصور في عضلة القلب على المدى البعيد لأن تضخّم عضلة القلب التي تعمل بشكلٍ مُزمن تحت ضغطٍ كبير يؤدّي في النهاية إلى الإصابة بضعف أو فشل هذه  العضلة.

٢-المخاطر الناتجة عن إيقاف بعض أنواع الأدوية:
كلنا نعرف أن الحالة الصحية لمرضى القلب والشرايين والضغط والسكري وارتفاع الدهنيات وغيرها من الأمراض المُزمنة قائمة على حالة توازن ناتجة عن إستعمال عدد كبير من الأدوية ومن أهمها الأدوية التي تُخفّض الضغط الشرياني أو تلك التي تُخفّض من ضربات القلب أو تُوسّع الشرايين ،وكلها ادوية تُريح عضلة القلب وتُساعدها في إستعادة عملها نسبياً ،وتُساعد ايضاً في منع الأعراض والحوادث القلبية عند المرضى المُصابين بتصلّب في الشرايين التاجية للقلب. كذلك هنالك دور كبير للأدوية التي تُخفّف حالة تخثّر الدم وتجلّطه ،وهي ادوية اسياسية يجب على معظم او كل مرضى القلب تناول نوع منها بحسب الحالة المرضية التي يعانون منها.كذلك الأمر بالنسبة للأدوية التي تُخفّض من مستوى الدهنيات والسُكّر في الدم.
ولذلك فإن إيقاف أي دواء من هذه الأدوية سوف تترتّب عليه مخاطر كثيرة ،خاصة بالنسبة للمرضى الذين يعانون من "حالة صحية غير مُستقرة" أو حتى من حالة "صحية قلبية شبه مُستقرة"، بحيث أن إيقاف أي دواء يُعدّل الضغط الشرياني أو يُخفف من ضربات القلب يؤدي مثلاً إلى ارتفاع مفاجئ و خطير جداً في الضغط الشرياني ،وإلى تسريع في ضربات القلب وإلى حصول جلطات دماغية أو ذبحات قلبية وما إلى ذلك من حوادث ناتجة عن مرض تَصلُّب الشرايين، لأن هذا المرض هو مرض شامل ومنتشر في كل الأوعية الدموية الموجودة في الجسم.كذلك الأمر بالنسبة للأدوية التي تمنع أو تُخفّف من حالة تخثّر الدم مثل الأسبيرين والكلوبيدغرل وغيرها من الأدوية، لأن إيقاف هذه الأدوية يؤدّي إلى زيادة مُفاجئة وسريعة في حالة  تخثّر الدم وتجلّطه ما يؤدّي إلى حدوث ذبحة قلبية أو إلى تدهور حالة المريض الصحية وإدخاله العناية الفائقة بسبب خُناق صدري غير مستقر او ذبحة قلبية في الحالات الأكثر خطورة.
هذه الحالة تنطبق أكثر على الأدوية المرتفعة الثمن نسبياً من فصيلة مُضادات بعض الانزيمات الأساسية والمهمة في عملية تنظيم واستقرار الضغط الشرياني وإمتصاص الأملاح والسوائل في الكلى  مثل ACE inhibitos 
وفصيلة Angiotensin inhibitors
وهي أدوية نستعملها كثيرا في علاج ارتفاع الضغط الشرياني وعلاج قصور عضلة القلب بحيث انها تُعتبر الحجر او الركن الأساسي في علاج هكذا امراض. ولذلك فإن إيقاف هذا النوع من الأدوية يؤدّي بسرعة فائقة لا تتعدّى بضعة ايام إلى تدهور حالة هؤلاء المرضى ولإدخالهم إلى المستشفيات ولحصول اعراض وازمات قلبية سوف نفصّلها بشكل دقيق في القسم الثالث من هذه المقالة.
* طبيب قلب وشرايين – مُنسّق ملتقى حوار وعطاء بلا حدود


 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى