إقتصاد

مجلس النقد:مقومات النجاح والفشل(عماد عكوش)

بقلم د.عماد عكوش

يُعرّف مجلس النقد على أنّه:” مؤسسة نقدية تصدر أوراقاً نقدية وعملات معدنية مغطاة بالكامل بعملة ”احتياط“ أجنبية، ويمكنه تحويل من وإلى عملة الاحتياط الأجنبية بسعر ثابت وغب الطلب”.

أما عملة الاحتياط، فهي عملة أجنبية قابلة للتحويل ، أو سلعة أساسية (الذهب مثلاً) يتم اختيارها لاستقرارها المتوقع. ويحتفظ مجلس النقد باحتياطيات تساوي 100 بالمائة (أو أكثر بقليل) من أوراقه النقدية وعملاته المعدنية المتداولة ، على النحو المنصوص عليه في القانون”.

كما  “يحتفظ مجلس النقد النموذجي بسعر صرف ثابت على الدوام فيما يتعلق بالتحويل من عملة الاحتياط وإليها. ويكون سعر الصرف ثابتاً بشكل دائم، ولا يُغيَّر إّلا في أسوأ حالات الطوارئ إن اقتضت الحاجة”.

إذن، يُستنتج من هذا التعريف أنّ مجلس النقد هو مؤسسة قائمة مستقلة بحدّ ذاتها وظيفتها هي إصدار النقد الوطني ، ويجب أن يتم تغطية إصدار أي كمية من النقد الوطني باحتياطي من عملة أجنبية بنسبة 100 بالمئة (الدولار كحالة لبنان ) يجب أن تكون موجودة لدى هذه المؤسسة .

الشروط الأساسية لنجاح مجلس النقد :

    الميزان التجاري.

    أستقرار القطاع المصرفي .

    الدين العام .

    توازن الموازنات .

    الشفافية والحوكمة .

    ميزان المدفوعات .

    أحتياطي العملات الصعبة

حالة عملية : الأرجنتين 

في 2018 عانى اقتصاد الأرجنتين من أزمة عملة وركود تضخمي، حيث وصل معدل التضخم السنوي عند 47.6%، أما الناتج الإجمالي المحلي فانكمش بنحو 2.5% ومعدل البطالة والفقر ارتفعا في البلاد.

وحينما تولى ماوريسيو ماكري مهام الرئاسة في الأرجنتين في ديسمبر 2015 قال إن السياسات الاقتصادية ستجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتؤدي إلى زيادة مستدامة في الإنتاجية، ولكن أزمة العملة التي اندلعت منذ عام 2017 أكدت على فشل اتجاهه السياسي.

ونتيجة لتلك الأزمة فإن الأرجنتين اتجهت نحو صندوق النقد الدولي وحصلت على أكبر قرض في تاريخ الصندوق بقيمة 57 مليار دولار، كما وافقت على اتجاه جديد يعالج أوجه القصور في الاقتصاد الكلي.

ولكن شروط اتفاقية الصندوق ظلت تتغير مما جعل المستثمرين دائماً متوترين.

تم التسويق إلى ضرورة إنشاء “مجلس النقد” كعلاج سحري سريع وفعّال للخروج من تدهور سعر صرف العملة الوطنية وتحقيق الاستقرار النقدي، ومن ثم النهوض الاقتصادي ومعالجة الأزمة من كل جوانبها لكن هل كانت الأرجنتين تملك هذه المقومات ، سوف نحلل كل بند من هذه المقومات والشروط بشكل منفصل :

وجود فائض في الميزان التجاري بشكل متوسط :

في السنوات الخمس الماضية كان للأرجنتين ميزان تجاري متذبذب. فائض أقصى قدره 3.2 مليار دولار أمريكي في عام 2014 وحد أقصى للعجز في عام 2017 قدره 8.5 مليار دولار أمريكي. ومع ذلك ، بحلول نوفمبر 2018 ، كان لديها بالفعل فائض قدره مليار دولار أمريكي مرة أخرى.

وبسبب العجز الذي تم تقديمه في عام 2017 ، فقد بلغ متوسط العجز في السنوات الخمس الماضية 0.9 مليار دولار أمريكي ، وفي العامين الأخيرين 3.2 مليار دولار أمريكي.  زادت الصادرات 14.5٪ في نوفمبر على أساس سنوي ، بعد زيادة 1.4٪ في أكتوبر.

تراجعت الواردات بنسبة 29.2٪ سنويًا في نوفمبر ، وهو انخفاض أكثر حدة من الانكماش بنسبة 18.2٪ في أكتوبر. ويعزى الانكماش في تشرين الثاني (نوفمبر) إلى انخفاض واردات السلع الرأسمالية والاستهلاكية ، وكذلك السيارات.

السبب الأساسي لهذا التحسن في الميزان التجاري هو تعويم سعر الصرف وتراجع القيمة الشرائية للعملة الأرجنتينية مقابل الدولار الأميريكي مما عزز منافسة البضائع الأرجنتينية في الخارج .

أستقرار القطاع المصرفي :

أن عدم أستقرار القطاع المصرفي يعني أستمرار السحوبات من الودائع وهذا ماحصل في الأرجنتين مما انعكس على حجم السيولة بين أيدي المواطنين وعزز المضاربات على العملة المحلية ، مما رفع سعر العملة الأرجنتينية وولد مخاوف على الودائع ، إذ تراجع سعر صرف العملة الأرجنتينية في السوق السوداء إلى 130 بيزو مقابل الدولار في أغسطس/ آب الماضي 2020 ، وإلى 167 بيزو لاحقا” ، مقارنة مع السعر الرسمي البالغ 82 بيزو للدولار ، علما” ان السعر خلال العام 2014 كان في حدود 10 بيزو . وهذا يعكس العجلة المتسارعة لتدهور سعر العملة الوطنية ، في وقت لا يجد فيه البنك المركزي الدولارات اللازمة لدعم سعر الصرف. 

الدين العام :

الأرجنتين عجزت عن السداد، وتخلَّفت عن الوفاء بالتزاماتها تجاه ديونها السيادية 8 مرات منذ استقلالها، آخرها كان في ديسمبر (كانون الأول) 2001 عندما أعلن البرلمان الأرجنتيني عجز البلاد عن سداد الديون البالغة 93 مليار دولار.

خلال الفترة بين 2005 – 2015 عملت الحكومة على إجراء إعادة هيكلة لهذا الدين ودفع 30٪ من قيمة الديون، وافق نحو 93٪ من جملة الدائنين على هذه التسوية، بينما قضت محكمة أميركية في 2016 بإلزام الحكومة الأرجنتينية بسداد الدين كاملاً لـ7٪ الذين رفضوا قبول التسوية.

ويبلغ حجم الدين الأرجنتيني حوالي 324 مليار دولار، بما نسبته 90% من إجمالي ناتجها المحلي الإجمالي، بينها 65 مليار دولار للمستثمرين الأجانب.

يحمل الدين الحالي للأرجنتين متوسط معدل فائدة يبلغ 7 في المائة، وهو أعلى بما يقرب من سبع نقاط مئوية من الفائدة الصفرية التي دفعتها ألمانيا على سنداتها الحكومية لمدة 30 عاما، وما يقرب من ست نقاط عن فائدة 1.2 في المائة التي دفعتها الخزانة الأمريكية. ولاحظت الأرجنتين بحق أن معدل فائدة بقيمة 7 في المائة سيؤدي بالضرورة إلى التخلف عن السداد. وقد وافق صندوق النقد الدولي على أنه مرتفع على نحو غير مستدام. فبالكاد هناك حكومات – بما فيها حكومة الولايات المتحدة – يمكنها أن تتحمل معدل فائدة بقيمة 7 في المائة في هذه البيئة الاقتصادية.

هذا الكم من الدين ومن معدل الفائدة يحمل الأرجنتين خدمة دين عام تصل قيمته الى 22.68 مليار دولار سنويا” وهذا سيؤدي حتما” الى خروج ما لا يقل عن 25 بالمئة منها الى الخارج وبالتالي التأثير على ميزان المدفوعات بشكل سلبي ، وسيزيد من العجز في الموازنة السنوية .

توازن الموازنات :

يتوقع الاقتصاديون في “بنك أوف أمريكا” أن تتضمن اتفاقية صندوق النقد الدولي هدفا أوليا لخفض العجز المالي للأرجنتين حيث تهدف الأرجنتين إلي تخفيض العجز المالي إلى 4.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي خلال 2020 وقد بلغ العجز في الأرقام وبشكل وسطي خلال الأعوام السابقة أكثر من 10 مليار دولار سنويا” ، وقد حاولت الحكومات المتعاقبة خفض كلفة القطاع العام لتخفيض هذا العجز لكن لم تنجح نظرا” الى الفساد الكبير المستشري في البلاد .  

ويبلغ حجم الناتج القومي الأرجنتيني حوالي 315 مليار دولار مما يعني أن حجم العجز في الموازنة يبلغ حوالي 7 بالمئة. وسجل الاقتصاد الأرجنتيني انكماشا لثلاث سنوات متتالية، فيما يتوقع أن يصل معدل التضخم إلى 50٪ بنهاية العام الجاري 2021.

أن العجز الدائم في الموازنات سيؤدي حتما” الى مزيد من ضخ العملة المحلية أو الأستدانة من السوق لتغطية هذا العجز وبالتالي ألى مزيد من التضخم ومن أنخفاض القيمة الشرائية للعملة المحلية وهذا لا يمكن معالجته عبر مجلس النقد .

الشفافية والحوكمة :

تاريخيا، كانت البلاد في وقت من الأوقات، واحدة من أغنى الدول في العالم حتى أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي، بسبب مواردها الزراعية والمعدنية الكبيرة وشعبها المتعلم. لكن أيضا لديها تاريخ طويل من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي. فقد شهدت ستة انقلابات عسكرية دموية بين عامي 1930 و1976، كان أقواها الذي قاده الديكتاتور خورخي فيديلا.

استمرت الديكتاتورية العسكرية حتى عام 1983 حيث تمت العودة إلى الديمقراطية مع انتخاب راؤول ألفونسين، لتبدأ البلاد السير في الطريق الصحيح، لكن كمية الديون وفوائدها كانت تكبل الدولة؛ فكلما تقدمت خطوة إلا وتراجعت فيها بسبب أقساط الديون وفوائدها. لكن إجمالا كان الاقتصاد يسير للأمام، وكانت الفترة الذهبية مع الرئيس كارلوس منعم (1989 – 1999)، حيث انخفضت معدلات البطالة، وتراجعت نسب الفقر من 38 في المائة إلى 13 في المائة.

ثلاث سنوات بعد نهاية حكمه، دخلت البلاد في أزمة اقتصادية حادة في عام 2001، بعد تخطى المديونية الخارجية لحاجز 132 مليار دولار. لتصبح هذه الديون الشغل الشاغل لواضعي السياسات الاقتصادية، بسبب الديون المتراكمة التي أدت إلى عدم استقرار سياسي.

يكفي دليلا على مدى قوة هذه الأزمة أن نشير إلى تعاقب أربعة رؤساء البلاد خلال أقل من سنة ، دون أن يكون بمقدور أي منهم إزاحة شبح الإفلاس عن الدولة. بعدما وجدت نفسها غير قادرة على الوفاء بديونها، أو على الأقل الحصول على أموال من جهات خارجية، لدفع ثمن ما تستورده من البضائع والسلع.

يبقى الدرس المستفاد من تتبع مسار دولة الأرجنتين هو أن النظام الاقتصادي قادر على تدارك وإصلاح أخطائه ولو بعد حين، على غرار ما وقع في عديد من الدول. شريطة أن يتعزز بعنصري الثقة والمصداقية السياسية، وهو ما افتقدته الأرجنتين طيلة العقود الماضية، ما جعل البلاد رهينة شبح الإفلاس. 

أذا” عامل الشفافية والثقة هو الأساس في أي عملية أصلاحية ودون وجود هاذين العاملين لا يمكن تحقيق الأصلاح وبالتالي فأن أي خطة أقتصادية لن تؤتي ثمارها .

ميزان المدفوعات :

إن ميزان المدفوعات فى الأرجنتين يعكس جوانب إيجابية وسلبية معًا، فانخفاض سعر الصرف الحقيقى الفعال أدى إلى استعادة توازن الحساب الجارى، عبر خفض الاستيراد فى العام 2018 وهو اتجاه أستمر خلال الأعوام اللاحقة .

وساهم دعم صندوق النقد الدولى فى زيادة إجمالى الاحتياطيات الدولية، مما أدى إلى تحسن كبير فى احتياطيات الأرجنتين المؤقتة لتمويل عجز الحساب الجارى، وإهلاك الديون الخارجية.

أن أستمرار العجز في ميزان المدفوعات يعني الحاجة الدائمة الى العملة الصعبة لأعادة التوازن للسوق النقدي ولتثبيت أسعار الصرف مما سيؤثر بطبيعة الحال على أحد أمرين أو أرتفاع الدين العام وبالتالي خدمة الدين العام ، أو التأثير على سعر صرف العملة المحلية كون مجلس النقد يفترض ربط حجم كتلة العملة المحلية بحجم أحتياطي العملات الصعبة الموجودة لدى البنك المركزي .

أحتياطي العملات الصعبة :

تواجه الشركات الأرجنتينية صعوبة في الحصول على الدولارات اللازمة لتسديد فواتير الواردات الضرورية للصناعات ، وعادة ما يلجأ الموردون للسوق السوداء لشراء الدولارات ، وهو ما قاد تلقائياً إلى تدهور البيزو ورفع كلفة المنتج. 

ويتخوف أصحاب الحسابات الدولارية بالبنوك الأرجنتينية من صدور قرار حكومي بتحويل دولاراتهم إلى العملة المحلية وسط الضائقة التي تعاني منها البلاد. وهو ما سيعني أنهم سيتكبدون خسائر باهظة ربما تجعلهم يخسرون أكثر من نصف ثروتهم في حال حدوث ذلك، بحساب الفارق الحالي بين السعر الرسمي للبيزو وسعر السوق السوداء. 

على صعيد مستقبل التعامل مع أزمة البلاد المالية قالت صحيفة “بوينس آيرس” الصادرة باللغة الإنكليزية ، إن صندوق النقد الدولي سيبدأ محادثات رسمية مع حكومة الرئيس ألبرتو فرنانديز، لوضع حزمة مالية جديدة لإنقاذ البلاد من براثن الإفلاس.  ويتوقع الصندوق ، انكماش الاقتصاد الأرجنتيني بنسبة 11.8% خلال العام الجاري. 

وكان قد بلغ الأحتياطي في اب  2019 حوالي 45 مليار دولار وبدأ بالتراجع ألى أن وصل ألى حوالي 6 مليار دولار منتصف اب 2020 واستمر التراجع .

أن مجرد التفكير بتحويل الحسابات بالعملات الأجنبية الى العملة المحلية يضرب الهدف الأساسي من عمل مجلس النقد لأن حجم الكتلة بالعملة المحلية ستكون أكبر بكثير من حجم أحتياطي العملات الصعبة وبالتالي سيؤدي ذلك الى مزيد من الأنخفاض في قيمة العملة المحلية .

خلاصة :

أن معظم النقاط التي أوردناها ضمن الحالة الأرجنتينية تشملها الحالة اللبنانية ، ويضاف أليها أزمة النظام السياسي الذي نعاني منه والذي يؤدي في كثير من الأحيان ألى التأخير في اتخاذ القرارات المناسبة وهذا ما حصل للأسف مع أقرار قانون الكابيتال كونترول وهذا ما حصل مع المفاوضات مع صندوق النقد الدولي والتي ألى  الأن فاشلة بسبب التناقض السياسي في النظرة الى الحل ، والأسئلة الطبيعية هي :

    هل لبنان قادر على أحداث توازن في الميزان التجاري في المدى المنظور ؟

 

    هل لبنان قادر على أعادة الثقة بالقطاع المصرفي في المدى المنظور ؟

 

    هل لبنان قادر على تسديد الدين العام بالعملة الأجنبية دون التأثير على ميزان المدفوعات وجعله سلبي ؟

 

    هل لبنان قادر على أعتماد وأقرار موازنات دون وجود عجز كبير يتجاوز نسبة نمو الناتج القومي؟

 

    هل لبنان يمكن أن يعتمد الشفافية والحوكمة السليمة في كل وزاراته ومؤسساته العامة وهل هو قادر على أحداث أستقرار في الواقع السياسي بحبث يمنع الفراغات الدستورية في المستقبل ؟

 

    هل لبنان قادر على عدم أحداث عجز في ميزان المدفوعات في الفترة المقبلة ؟

 

    هل لبنان قادر على الحفاظ اليوم على أحتياطي العملات الصعبة الموجودة لديه ؟

 

كل هذه الأسئلة سهلة الأجابة عليها في لبنان ، الجميع يعلم أن لبنان لا يمكن أن يؤمن كل هذه العوامل حاليا” لذلك كيف يؤمل أن يتم تثبيت سعر الصرف ، ولماذا نترك خاصية تحريك سعر الصرف حاليا” وعدم الأستفادة منها لمعالجة الخلل في الميزان التجاري الكبير والذي ينعكس بشكل أساسي على ميزان المدفوعات ويؤدي الى تناقص أحتياطي العملات الصعبة بشكل مستمر .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى