رأي

ما قبل الحرب على إيران ليس كما بعدها: انكسار الوهم وسقوط الدور الصهيوني (أحمد حوماني)

 

بقلم د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

 

قيل له: “يا فرعون مين فرعنك؟ قال: ما لقيتش حد يردني”..

 يُضرب هذا المثل للأشخاص الذين يتمادون في الطغيان والغرور ويُشير إلى أن سكوت المجتمع والخوف من رد فعلهم هو ما يشجعهم على زيادة طغيانهم.

 في المقلب الآخر نسمع قصة ذلك الشرير الأزعر الذي كان يتحكم بالحي، ويعيث فيه فسادًا إلى أن تعرض لضربة قوية من شخص عادي أمام الناس أدت إلى سقوط هيبته وانكساره أمامهم. هكذا هو الحال مع الدول أيضًا، فبعض الدول كالكيان الصهيوني وأمريكا تفرعنت و”تزعرنت” ليس لقوّتها التي لا تُقهر، ولكن لعدم وجود من يتصدى لها ويوقفها عند حدها.

 

ليس مثال أمريكا ببعيد، فقبل فترة هدّد وتوعد ترامب أنصار الله في اليمن، وحشد الأساطيل الأمريكية وشن هجمات عديدة عليهم، لكن المفاجأة أن أنصار الله لم تستسلم، بل تصدت لحاملات طائراته وبوارجه على مدى أسابيع، وأصابت إحداها إصابة خطيرة، وتناقلت وسائل الاعلام أن إحدى حاملات الطائرات قد نفدت ذخيرتها فأصبحت هدفًا سهلًا لليمنيين، وقتها أعلن ترامب انتهاء المهمة، وسحب سفنه وبوارجه من البحر الأحمر. في تلك اللحظة بدا أن ضربة اليمن له قد أفقدته هيبته فانسحب ذليلًا أمام كاميرات العالم أجمع. لم تكن تلك الضربة قاضية، ولم تُغرق سفن أمريكا، لكنها أثارت الحديث حول محدودية القوة الأمريكية في البحر، وهذا ما فهمته وتعلمته إيران وشاهدته الصين وصفقت له روسيا.

 

خلال عشرات السنين بنى الكيان الصهيوني صورة ردعه العسكري على تداعيات حروبه مع الدول العربية، لكن بعد تجربته في لبنان على مدار ثمانية عشر عامًا، أثبتت التجربة أن صورة الجيش الذي لا يُقهر قد تهشمت، وهو ما حصل أيضًا في العام 2006، لكنه استطاع الحفاظ على صورته القوية أمام الدول العربية بالنظر إلى الدعم السياسي والعسكري الذي يتلقاه من أمريكا وبعض الدول الأوروبية، فلم يتأثر دوره الذي من أجله زُرع في قلب العالم العربي، وهو لعب دور الشرطي القوي الضابط لإيقاع الأحداث في هذه المنطقة، علمًا أن جزءًا من صورته بناها على قوة طائراته في التدمير والقتل في لبنان وغزة، ومنذ حرب العام ١٩٧٣ لم يخض الكيان الصهيوني حربًا ضد دولة قوية تستند إلى تاريخ وحضارة وصلابة شعب وعزيمة قيادة.

 

قبل الحرب الأخيرة على إيران كان قادة العدو الصهيوني يتباهون أمام العالم بقوتهم العسكرية، وبيدهم التي تطال أي مكان في غرب آسيا، بل إن نتنياهو تحدث عن تغيير الشرق الأوسط على حد تعبيره، فيما وزراؤه المجرمون المتطرفون تحدثوا عن الإمبراطورية اليهودية التوسعية التي حدودها ما بين النيل والفرات متناسين أن من شروط قيام الإمبراطوريات هو التاريخ والحضارة والتعداد البشري الكبير إضافة إلى عامل الجغرافيا.

 

قمة الاستعلاء كانت في الحرب على إيران حيث امتدّت اليد الصهيونية الأمريكية في محاولة لإسقاط النظام، وقد انتهت حرب حزيران من دون تحقيق هذا الهدف بالرغم من آلاف الصواريخ التي طالت معظم أنحاء إيران، بل على العكس استطاعت إيران توجيه ضربات قاسية للكيان الصهيوني الذي سارع مع أمريكا إلى طلب وقف الحرب، لكن بعد ثمانية أشهر من الإعداد والتحضير، تم شن الحرب الثانية التي استمرّت لأربعين يومًا متواصلة، أظهرت عجز الأمريكيين والصهاينة عن هزيمة إيران.

ومن الدروس المستفادة من حرب حزيران، وحرب اليمن مع الأمريكيين، لجأ الإيرانيون إلى تحييد وابعاد البحرية الأمريكية عن شواطئهم عبر توجيه ضربات قاسية لها، كما استهدفوا كل القواعد الأمريكية في الخليج، وعمق الكيان الصهيوني وأطرافه من الشمال إلى الجنوب. مرة أخرى أثبتت إيران فشلهم العسكري وأن كل قوتهم الجوية والبحرية والدفاع الجوي لم تحمِ الكيان ولا القواعد الأمريكية من الاستهداف المباشر، وعمدت إيران إلى خنق العالم بإغلاق مضيق هرمز وفرض سيطرتها عليه.

 

قدمت إيران نظرية جديدة في الحروب لا تعتمد على الكثافة النارية، أو سلاح الجو التقليدي، وهي نظرية تقوم على توجيه ضربات محددة إلى الأهداف الاستراتيجية، وشل حركة العدو العسكرية والمدنية، واستخدام نقاط القوة لديها كمضيق هرمز، وكل ذلك عبر استخدام طائرات مسيرة منخفضة التكلفة، أو صواريخ بعيدة المدى تدبّ الرعب في قلوب الأعداء.

 

لقد كسرت إيران في هذه الحرب الوهم الذي صنعته أمريكا حولها، وحول العدو الصهيوني على مدى أكثر من أربعين عامًا، هذا الوهم القائم على قوة إسرائيل التي لا تُهزم، وعلى تفوقها العسكري الكبير على كل دول منطقة غرب آسيا، ورسّخت ذلك في اللاوعي العربي والإسلامي كافة، فبَدَوْا كنعاج أمام ذئب لا يرحم، لكن هذه الحرب غيّرت مفهوم الانتصار في المعركة، وأثبتت أن للقوة العسكرية حدودًا، وأن “طالوت” يمكن له أن ينتصر على “جالوت” بالصبر والعزيمة واستثمار نقاط القوة لديه، لذا يمكن القول إن ما بعد هذه الحرب ليس كما قبلها.

 

لن تنظر الدول العربية والإسلامية بعد اليوم إلى الكيان الصهيوني نظرة الخائف المرتعب، ولا نظرة المترجي لحمايتها، وهو أعجز عن حماية نفسه، لذا سنجد دولًا مثل تركيا ومصر قد بدأت تتلمس طريقها نحو بناء منظومات عسكرية وأمنية تستطيع من خلالها رفض هيمنة أمريكا والوقوف بوجه الأطماع الصهيونية في المنطقة.

 

من يُراقب التصريحات المصرية والتركية يجد تغييرًا جوهريًا في مقاربتها لسياسات العدو الصهيوني، ويجد أن القادة الصهاينة ينظرون بعين الريبة للتحركات العسكرية لكلا البلدين. فنتنياهو أكد أن الكيان لن يقبل بتعاظم قوة الجيش المصري، فيما رأى عضو الكنيست الصهيوني هاليفي أن الجيش المصري يستمر في إنشاء بنى تحتية في سيناء، ويُقيم مناورات عسكرية قرب الحدود، وهو ما اعتبره مخالفًا لاتفاق السلام معهم، فهل فعلًا بدأ المصريون يتخلصون من وهم القوة والعظمة الصهيونية؟.. كذلك تركيا التي تبني منظومات من الصواريخ والمسيرات عالية الجودة التي تشهد تطورًا مهمًا وكبيرًا حتى أصبحت ترسانتها تضم عشرات الآلاف من هذه الطائرات التي تعتبر من الطراز الأول في العالم، كما تسعى بعد شرائها منظومات أس 400 الروسية إلى شراء طائرات إف 35 الأمريكية، بما يجعلها القوة العسكرية الأولى في منطقة غرب آسيا.

 

تبدو مصر أنها تستعد لما هو قادم إذا ما تغيرت موازين القوى في المنطقة، وقد يكون ذلك تمهيدًا لعودة مصر إلى دورها الريادي في العالم العربي الذي أُقصيت عنه بعد اتفاق السلام مع العدو الصهيوني، فيما تركيا تحاول أن تُظهر أمام أوروبا أنه يُمكن الاعتماد عليها بعد ضعف الدور الصهيوني في المنطقة، وهي بذلك تُريد سحب البساط من تحت الكيان الصهيوني، وإثبات أن دوره الذي أنشئ من أجله قد انتهى، ولم يعد هناك من حاجة إليه، وأنها أي تركيا بعمقها التاريخيّ والحضاري يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في منطقة غرب آسيا والبحر المتوسط من دون تحميل أمريكا والغرب تلك الأعباء العسكرية والمالية التي يستنزفها الكيان الصهيوني منهم.

 

تبقى العين على دور سوريا وهي قلب هذا العالم العربي، وهي مصدر قوته إذا كانت قوية، ونقطة الضعف فيه إذا ضعفت، فهل ستبقى على الحالة التي أوصلها لها العدو الصهيوني؟ أم أن ما بعد الحرب على إيران سيبعث فيها روح القوة والعزيمة؟ وما هو دور تركيا وإيران ومصر في ذلك؟.. تمتلك مصر وتركيا إضافة إلى القوة العسكرية التاريخ، والحضارة، والقوة الديمغرافية، والموقع الجغرافي المتميز كما إيران، فمصر بيدها مفتاح قناة السويس رئة العالم التي يتنفس منها الغرب والشرق، كما أن مفتاح غذاء العالم، ومواده الأولية، تمر عبر مضائقها في البوسفور والدردنيل.

 

ما بعد الحرب على إيران ليس كما قبلها، ليس فقط على تركيا ومصر فقط، بل على العالم كله، الذي ضاق ذرعًا بعنجهية أمريكا والكيان الصهيوني، ودفع غاليًا ثمن مغامراتهما في الحرب على إيران، تلك الحرب التي بدأت بمحاولة تأديب العالم عبر كسر إيران والسيطرة عليها، وتحاول اليوم أمريكا أن تُنهيها بشعار فتح مضيق هرمز الذي كان مفتوحًا قبل الحرب.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى