رأي

ليس كلُّ الراحلين يغيبون…(زياد انور الخليل)

 

زياد أنور الخليل – الحوارنيوز خاص

بعضُ الرجال، حين يرحلون، لا ينقص العالمُ رجلاً فحسب، بل يطوي صفحةً من تاريخه، ويترك وراءه وطناً أقوى، وشعباً أكثر ثقة، وذاكرةً لا تُمحى.

هكذا كان الأمير الوالد، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.

لم يكن مجرّد حاكمٍ لدولةٍ عرفت في عهده نهضتها الكبرى، بل كان صاحب رؤيةٍ آمن بأن الدول لا تُقاس بمساحاتها، بل بمكانتها، ولا بثرواتها وحدها، بل بما تصنعه من أثرٍ في حياة شعوبها وفي حياة الآخرين.

في عهده، خرجت قطر من حدود الجغرافيا إلى رحابة التاريخ، وأصبحت اسماً يُذكر كلما ذُكر البناء بعد الخراب، والحوار بعد الخصام، والأمل بعد اليأس.

أما نحن اللبنانيين، فلنا مع هذا الرجل ومع قطر ذاكرةٌ لا تختصرها صورة، ولا يفيها خطاب.

لا ننسى قطر يوم امتدت يدها إلى لبنان بعد حرب تموز 2006، ولا ننسى القرى التي نهضت من بين الركام، والبيوت التي عادت إليها الحياة، والطرقات والجسور التي استعادت وصل ما انقطع، والأيدي القطرية التي حضرت يوم عزّت الأيادي.

ولا ننسى أن الدوحة لم تكن يوماً مجرّد عاصمةٍ بعيدة، بل كانت، في واحدةٍ من أدق مراحل لبنان، مساحةً التقى فيها اللبنانيون عندما ضاقت بهم أوطانهم، فاحتضنت حوارهم، وساهمت في إعادة وصل ما مزقته الخلافات.

غير أن أجمل ما تركه الأمير الوالد لا يُقاس فقط بما شُيّد من طرقٍ وجسور، ولا بما أُنجز من مبادراتٍ سياسية، بل أيضاً بما فتحته قطر من أبوابٍ لأبنائنا.

فعشراتُ الآلاف من اللبنانيين الذين حملتهم الغربة إلى قطر لم يجدوا فيها مجرّد فرص عمل، بل وجدوا وطناً ثانياً احتضن طموحاتهم، وصان كرامتهم، وفتح لهم أبواب الرزق الكريم.

هناك بنوا بيوتاً، وربّوا أبناءهم، وأسّسوا مستقبلهم، وساهموا بإخلاص في نهضة قطر، وهم يشعرون دائماً بأن هذه الدولة لم تعاملهم كغرباء، بل كإخوةٍ وشركاء في البناء والنجاح.

لقد سترتهم قطر بعاطفتها قبل قوانينها، وفتحت لهم أبوابها قبل أسواقها، ومنحتهم الأمان والاستقرار والكرامة في زمنٍ ضاقت فيه أبواب الوطن بأبنائه.

ولذلك، فإن حزن اللبنانيين اليوم ليس حزناً على رجل دولةٍ فحسب، بل هو وفاءٌ لقائدٍ ارتبط اسمه في وجدانهم بالعطاء، وبالشهامة العربية، وباليد التي امتدت إليهم من دون منّة، وبالدار التي اتّسعت لهم حين ضاقت بهم الديار.

وعلى المستوى الشخصي، كان لي شرف أن تكون لنا أعمال واستثمارات في دولة قطر، الأمر الذي أتاح لي أن ألمس عن قرب ما بُني في هذه الدولة من مؤسساتٍ راسخة، وما ترسّخ فيها من ثقافة الطموح والانفتاح واحترام الإنسان.

وما تحقق في قطر لم يكن وليد صدفة، بل ثمرة قيادةٍ استثنائية آمنت بالإنسان قبل الحجر، وبالمؤسسات قبل الشعارات، وبالمستقبل قبل الحاضر.

قد يختلف الناس في السياسة، لكنهم نادراً ما يختلفون على قيمة القادة الذين يتركون أوطانهم أكبر مما كانت، وشعوبهم أكثر ثقة بنفسها، وأثرهم ممتداً إلى ما وراء حدودهم.

والشيخ حمد بن خليفة آل ثاني كان واحداً من هؤلاء.

الرجال العظام لا يورثون أبناءهم السلطة فحسب، بل يورثون أوطانهم المكانة، ويورثون التاريخ صفحاتٍ يصعب أن تُطوى.

رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وأسكنه فسيح جناته.

رحل الجسد، لكن بقيت دولةٌ تحمل بصمته، وشعبٌ يفاخر بمنجزاته، وذاكرةُ أمةٍ عربيةٍ تعرف أن بعض الرجال، حين يعبرون التاريخ، يتركون التاريخ مختلفاً عمّا كان.

خالص العزاء إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، وإلى الأسرة الكريمة، وإلى شعب قطر العزيز.

ليس كلُّ الرجال يتركون وراءهم سيرةً تُروى، فبعضُهم يترك أوطاناً ومدناً وشعوباً تروي الحكاية.

رحم الله من جعل من القيادة رسالة، ومن الدولة فكرة، ومن العطاء هوية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى