سياسةمحليات لبنانية

ليس دفاعًا عن حزب الله..لكنّ أميركا ليست قدرًا!

 

د. علي حسن
ليس جديدًا أن يطالب عدد لا بأس به من اللبنانيّين بأن يسلّم حزب الله سلاحه إلى الدولة. فاللبنانيون لم يجمعوا يومًا على موقف واحد من أيّة قضيّة تخصّ لبنان أو المنطقة. والحجّة أنّ سيادة لبنان تبقى منقوصة بوجود سلاح حزب الله ،وأنّ الدفاع عن لبنان هو من واجب الجيش اللبناني وحده.
ومع كلّ تقديرنا ومحبّتنا للجيش اللبناني اليوم، الذي لا نشكّ أبدًا باستعداده للدفاع عن لبنان، يحقّ لنا أن نسأل هؤلاء أين كان الجيش اللبناني حين احتلّت إسرائيل أرض لبنان لمدّة اثنين وعشرين عامًا؟ ثمّ أين كانت سيادة لبنان عندما أصبحت إسرائيل صديقًا حاول البعض- وهؤلاء منهم- أن يُبرم معه اتفاقًا في 17 أيّار المعروف والمشؤوم؟ علاوة على أنّ أميركا تمنع تسليح الجيش بالحدّ الأدنى من الأسلحة الدفاعيّة، وقد اعترضت مؤخّرًا لتصدّي الجيش لاعتداء إسرائيلي في العديسة.
وحجة السيادة واهية جدًّا. إذ أنّه ليس من بلد في العالم يستطيع أن يدّعي سيادة كاملة، إذ أنّه بعد الحرب العالميّة الثانية انقسم العالم إلى قطبين تدور كلّ الدول الأخرى في ركابهما، ثمّ انفردت الولايات المتّحدة بقيادة النظام العالمي الجديد، فأخضعت لسيادتها كلّ دول العالم تقريبًا.
ثمّ إنّ النظام "الخنفشاري" الهجين في لبنان، الذي يعود إلى ما قبل الجاهليّة، قد جعل اللبنانيّين فرَقًا وشيَعًا تستند كلّ واحدة منها إلى دولة خارجيّة حسب خريطة القوى السياسيّة الإقليميّة والدوليّة، وهكذا لم يكن لبنان في أيّ يوم سيّدًا حرّا مستقلًّا. والذين ينادون بالحياد يتجاهلون الواقع الجيوسياسي للبنان الذي يفرض عليه أن يتّبع سياسة معيّنة تجاه جارته الكبرى التي تستطيع خنق تجارته مع المحيط في أيّة لحظة تشاء.
ونفتح هلالين هنا لنقول إنّ المطالبة بضبط الحدود والمعابر هو كلام حقّ يراد به باطل ويجافي الواقع وينسى الماضي، القريب منه والبعيد. ففي ذاكرتي، أنا ابن بلدة الخيام الجنوبيّة أنّنا كنّا نشتري جهاز العروس من الشام، ونشتري الثياب والشراشف وغيرها الكثير من الموادّ أيضًا. هذا بالإضافة إلى أنّ الكثير من القرى اللبنانيّة تقع داخل الحدود السوريّة، والكثير من العائلات اللبنانيّة سوريّة الأصل، وبعض العائلات، كآل حيدر مثلًا، ما زال جزء منها يعيش في سوريا ويتبوّأ مناصب عسكريّة وسياسيّة عليا. وهل من الضروري التذكير بأنّ لبنانيّا درزيًّا من آل شقير كان قائدًا للجيش السوري، وأنّ مسيحيًّا لبنانيًّا كان رئيسًا لوزراء سوريا؟
وفي ذاكرتي أيضًا أنّ عددًا كبيرًا من المعادين لسوريا ولحزب الله تاليًا، كانوا يذهبون قبل أحداث سوريا إلى دمشق ومختلف المدن السوريّة أيّام الجمعة والأحد "ليتموّنوا" مونة الأسبوع من الخضار والفاكهة واللحوم والبيض والدجاج، إلخ، إضافة إلى المازوت والبنزين لأنّه أرخص بكثير. فما عدا ما بدا؟
هذا إضافة أنّه لا توجد في العالم كلّه دولة واحدة تستطيع ضبط حدودها 100% ومنع التهريب، من وإلى، عبر الحدود، حتّى الولايات المتّحدة نفسها!!!
وعلى الطرف الآخر هناك لبنانيّون كثر يحمّلون حزب الله مسؤوليّة الانهيار الاقتصادي في لبنان، كما يحمّلونه مسؤوليّة الفساد أو على الأقلّ السكوت عن الفاسدين، ويطالبونه بالإمساك بهؤلاء الفاسدين ووضعهم في السجون لأنّه هو من يملك القوّة التي تخوّله فعل ذلك. فليتذكّر هؤلاء المحميّات الطائفيّة في لبنان التي تجعل من حاكم مصرف لبنان خطًّا أحمر، ومحافظ بيروت خطًّا أحمر، والسنيورة خطًّا أحمر، ومن مهرّبي البواخر بالفيول المغشوش خطًّا أحمر، كلّ بالنسبة لطائفته؛ هذه المحميّات ستؤدّي – في حال تدخّل حزب الله – إلى حروب أهليّة بين مختلف الطوائف، وداخل هذه الطوائف نفسها، يعرف الله متى تبدأ ولا يعرف متى تنتهي.
والغريب المثير، الآن تحديدًا، العودة إلى معزوفة القرارات 1701، 1559، وأخيرًا، قانون قيصر، وكأنّها كتب الله التي أنزلت تنزيلًا. وينسون القرارات العديدة للأمم المتّحدة، وفي أوّلها القرار 425، والتي لم تنفّذ، بل إنّ حزب الله بتحريره للجنوب قد نفّذها بالقوّة ويجب شكره على ذلك. فإذا كانت كلّ قوّة الولايات المتّحدة، في أوج عظمتها وجبروتها، لم تستطع أن تفعل شيئًا في هذين القرارين، فكيف ستستطيع الآن وهي على حافّة أفولها أن تغيّر شيئًا؟ والغريب هذا التوقيت بالتحديد، أي 6 / 6، ذكرى اجتياح لبنان من قبل إسرائيل.
أمّا قانون قيصر، فما هو أكثر من حشرجة الميّتين، لن يزيد الاقتصاد اللبناني انهيارًا، ولن يزيد سوريا فقرًا. وأدّعي أنّه موجّه إلى رجال الأعمال والدول في كلّ العالم الذين يحضّرون أنفسهم للمساهمة في إعادة إعمار سوريا.
ولا شكّ أنّكم جميعًا تعرفون المثل "أنا أعمى ما بشوف، أنا ضرّاب السيوف". هذا يا أصدقائي ويا أهلي حال ترامب اليوم، فهو أغبى رئيس جاء على رأس الولايات المتّحدة باعتراف كلّ العالم، بمن فيهم الأميركي وكأنّي به، وقد شعر بقرب نهايته يقول "عليّ وعلى أعدائي". ولكنّ القضيّة، بعد كورونا، كما يقول الجميع، أنّ العالم لن يعود كما كان من كلّ النواحي وخاصّة السياسيّة والاقتصاديّة، ولذلك فإنّ القول المأثور سيتحوّل إلى "عليّ وعلى أصدقائي يا ربّ!".
نعم هكذا سيكون لسان حاله، فالولايات المتّحدة لم تعد قدرًا.. ومن يعش ير.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى