رأي

لسان العرب غير المنظور في المشاع الدولي(نسيم الخوري)

الدكتور نسيم الخوري* –  الحوارنيوز

ليس هناك أقدم وأصعب تعقيداً من إشكاليّات العلاقات بين السلطة والمعرفة بمعنى اللغة في محورية تاريخيّة من الصراع بين الحرية والمسؤولية قولاً وكتابةً. كان تدفق المعلومات من أهل السلطة إلى الناس بهدف بلورة أفكارهم وتصوّراتهم وتطوّرهم، من المسائل الجوهرية التي شغلت كلّ الأنظمة وليس أنظمة العرب وحسب، وغيّرت من أشكالها ومعالمها، كما حددت ثقافات الشعوب ولغاتها وحضاراتها. واتّخذ الاعلام المعروف آنذاك بالصحافة، في أبعاده ومشتقّاته المختلفة قبل الشاشات، موقعاً رابعاً في تراتبيّة السلطات في الأنظمة الديمقراطيّة. وبانت اللغة شفويّةً أو مكتوبةً للبشر شيئاً فشيئاً منذ مونتسكيو ( 1689-1755) وكأنّها سلطة خفيّة وقويّة لا تشبه السلطات التقليديّة الثلاث التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة في تجلّياتها وتشابكاتها المتنوعة المعقّدة من حيث الفصل في ما بينها وتعاونها وتوازنها في الوقت نفسه، لذا راحت الصحافة تخلق لها المتاعب إذ تتجاوزها وتؤرّقها في مراحل متعدّدة.

ويكشف تفاعل هذه السلطات الثلاث مع سلطات اللغة/الصحافة عن مسائل جوهرية معلنة أو بقيت خفيّة عبر التاريخ، وخصوصاً في بلدان الوطن العربي والدول المماثلة، أقلّها ولاء الصحافة لها أو استعداؤها. هذان موقفان محكومان بالنظرة الى وسائل الصحافة والتعبير من حيث كونها وسائل إقناع وتعبئة للرأي العام، أو وسائل ترويج ودعاية لمواقع السلطة أو وسائل تغيير ومبعث تحوّلات ومتغيّرات مختلفة. وراحت ترتفع أحجام هذه التحوّلات وتعقيداتها مع خروج الإعلام من “قفص” الصحافة المكتوبة أو خروجهما معاً من “قفص” السلطة الرابعة المحدَّد إلى تجليات سلطوية خارقة تتحكم بكيان الانسان المعاصر وتطلقه في حريّات مطلقة في التفكير والتعبير. وتتمثل هذه التجليات في التقنيات الضوئية الالكترونية الباهرة في جذبها للسلطات كلها وللناس بهدف تحقيق السلطات الخاصّة، فلا تضاهيها أية سلطة أخرى، ولا تتجاوزها بالطبع، بل يبدو كلّ إنسان معها أسير “أقفاص” الفردية حيث السقوط الأكبر لمقولة الاتصال.

كيف؟

لقد تعاظم دور الإعلام إلى درجة باتت فيه الشاشة في وظائفها المرئية – المسموعة اللامتناهية قادرة، مثلاً، على نقل الأفكار والأشخاص والدول وترسيخها كلّها بل التحكّم بها لتجعل من صورها البسيطة العابرة والمهملة أو غير المعروفة أبداً  قواعد ومثالاً يجذب عين البشريّة. كأن يتحوّل نجم رياضي إلى أسطورة تتخطى في قوتها ومداخيلها الأفكار والعقول والتصورات القديمة، وكأننا في تبادل أدوار ووظائف سلطوية بين الإعلام ومعاقل السلطات التقليدية في شتّى المجالات. يرافق هذه “السطوة” الاعلامية أفول السلطات وانهياراتها، وتراجع رجالات السياسة واهتمام الناس بالسياسة والسلطة، وخصوصاً في بلد مثل لبنان أدرجه نموذجا في هذا المجال، يبدو فيه الاعلام “جرثومة” تصيب المجتمع والمحيط فيتحوّل إليه، لتأخذ الكلمة المباشرة رونقها وحياتها مجدداً، بعدما بدت تخبو ثقافياً، لكنها الكلمة التي لا تستند إلى حلية أو قاعدة أو ضوابط.

ولنعترف بحثاً عن حماية العرب ولغّتهم، بأنّه إذا كانت المؤسّسات العائلية والتعليمية والدينية هي من الأسس التي تكوّن الأفراد وسلطاتهم الطريّة وقِيَمهم تنسحب في عالم مقيم ببهرجات العولمة، وتملأ فيه وسائل الاعلام الفراغات الحاصلة، فإنّ تداعيات اتّصالية تصيب الأفراد لا في لغاتهم وحسب بل في كيانهم، لنجدهم في فراغ آخر أكثر خطورةً وشمولاً، هو فراغ وقوع الأجيال في قداسة الصمت الشائع اليوم. يتجلى هذا الفراغ في تقنيات الاتصال “الصامت” التي يغرق العالم المعاصر فيها إلى درجة الدعوات اليومية إلى انتقاد الشاشات من على الشاشات، وانتاج الأفلام والصور والبرامج التي تدعو إلى تحطيم التقنيات، وتخليص الانسان المعاصر من “الأسطورية” في وسائل الإعلام التي تولّد الهلع، والأمراض الفردية والاجتماعية، أقلّها التشظيات في الأفكار والعقول، والرخاوة الظاهرة في الألسنة والسلوك.

لقد قفزت السلطة الرابعة في تطوّرها بالكلمة المكتوبة إلى تحقيق سلطات الصورة أي إلى منابع ظهورها الأوّل. وتتقدّم الصورة سلطة السلطات في عصر العولمة لتنحسر فيه الكلمات إلى حدود المعلومة المضغوطة الإلكترونية. إنّ تجلّيات سلطات الصور وعدتها غير الثابتة المحكومة بتقنيات الشاشة، والرقمية، التي تحقق المجتمعات الصامتة، والتنوع اللامتناهي، وترفع من شأن السماع والبصر، هي مسائل جديدة وخطيرة ولو أنها بدت لوهلة أنّها لم تزل بعيدة، في آثارها، عن مجتمعاتنا اللبنانية والعربية.

إنّ متابعة الدعوات الكثيرة التي تستشرف اللغة العالميّة، ، تدعونا إلى الإنخراط في إيجاد القوانين الدولية اللغوية كما في الأنظمة الاعلامية الجديدة، وانخراط الأجيال الجديدة في إشكالياتها وموروثاتها، وحضور العرب الرسمي مؤتمراتها، لربّما نصون لغتنا من آثار تقنيات المشاع الدولي.

 *كاتب وأستاذ مشرف في العلوم السياسية والإعلاميّة ،المعهد العالي للدكتوراه – الجامعة اللبنانية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى