رأي

كيف اعتنق “روس كييف” المسيحية رسميا كدولة؟(د.أحمد عياش)

بقلم د.أحمد عياش

جميلة تلك القصص التي تروي حكاية اعتناق “روس كييف” في أوكرانيا الديانة المسيحية .فمنهم من تحدث عن اشتراط الامير فلاديمير الكبير لمساعدة الامبرااطور البيزنطي باسيليوس الثاني المنهك من حربه مع البلغار، وكان مهددا بالخروج او الطرد من القسطنطينية نفسها بعد ثورة باراداس سنة 987م ان يتزوج اخته Anna”آنا” ،الا ان الامبراطور وجد نفسه محرجا ان يزوج اخته لحاكم وثني لما للوثنية من ربط مع البربرية والتوحش.

وفي الوقت نفسه كان الامير فلاديمير الكبير مهيأ للفكرة لانّ قبائل السلاف الشرقية التي ينتمي اليها ويحكمها كان لها آلهة متعددة ومختلفة يصعب توحيدها بعد محاولته دمجها تحت تسمية كييفسكايا روس، ومن هذه القبائل الفياتيتش و الراداميتش و الياتفاغ ورغم اعتباره الإله بيرون رئيسا لآلهة القبائل السلافية الشرقية.
فكرة اعتناق دين واحد جديد يحل مكان الوثنية كان خطة ذكية من الامير ليحكم سيطرته على البلاد وان يوحدها.
اذن كانت القابلية النفسية موجودة، واذا اضفنا مسالة اعتناق جدته لأبيه اميرة كييف “اولغا” المسيحية سرّا(بين 945-969) ومحاولتها اقناع ابنها الامير سيفياتوسلاف بالتعمد الذي رفض الفكرة خوفا من سخرية ومن تمرّد رجال البلاط والامارات السلافية والتي جعلتها الكنيسة الاورثذكسية من الاميرة اولغا فيما بعد القديسة “يلينا”، ندرك كم كانت الضغوطات النفسية الوجدانية العاطفية مؤثرة على قرار الامير فلاديمير الكبير ورغم ذلك كان للأمير رأي حكيم ومنطقي اذ قرر امام الملأ انه في صدد التعرف على الديانات السماوية لتحديد ولحسم خياره النهائي ،فجاءه مسلموا البلغار (دولة قديمة غير جمهورية بلغاريا الحالية) وعرضوا وشرحوا له ديانة الاسلام، فسألهم الامير ان كان صحيحا ما يردده التجّار ان ايمانهم ودينهم يمنع او يحرّم الخمر، فأجابوه ان هذا الكلام صحيح ،فامتعض الامير وقال ان الخمر يُفرح القلوب وينعشها .

ثم زاره يهود الخزر (حول بحر قزوين) وشرحوا له ديانتهم انها ديانة رب ابراهيم واسحق ويعقوب، فسألهم الامير عن بلدهم فأجابوه ان لا بلد لهم وانهم تفرقوا في الشتات لغضب يهوه عليهم بعد ان كثرت خطاياهم، وان يهوه دمّر مملكتهم وانتزع الملك من “يهوذا”، فاستاء الامير من رواية اليهود وربما خاف من النحس ،وقال انه يخاف اعتناق دينهم كي لا يصيبه ويصيب بلاده وشعبه ما حلّ بهم من غضب الربّ.
اما رئيس الوفد البيزنطي فقد كان الفيلسوف قسطنطين.  فقد روى له التاريخ المقدّس واسمعه عظة بليغة وحكى له كيف تجسّد الرب بيسوع وكيف ضحى الرب بابنه لينقذ البشرية وان دينهم لا يمنع الخمر واراه صورة عن القيامة العامة ما جعل الامير يقف ويصيح:
“طوبى للأبرار ويا لتعاسة الأشرار”.
واكثر من ذلك لم يكتف الامير بسماعه للوفود، فقد ارسل عيونه ليرى احوال مؤمني الديانات الاخرى كيف يعيشون في بلادهم فلم تبهره الا حكايا من رووا له عن عظمة القسطنطينية وسحر كنيسة أيا صوفيا وعن هيبة القداس و عن سحر نغمات الترتيل والترتيب، اي حكوه عن غنى وفخامة المعابد والابنية ما جعله يطمئن على رفاهيته وعلى اسلوب عيش ناسه اذ مما قالوه له :
” …لم نعد ندري ان كنّا على الارض او اصبحنا في السماء……”
وهكذا اعتنق الامير المسيحية وتزوج اخت الامبراطور “آنا” لتصبح كييف فيما بعد موسكو عاصمة الاورثوذكس بعد فتح السلطان محمد بن مراد الثاني والبالغ من العمر 21 عاما في 29ايار من سنة 1453 مدينة قسطنطينية لتصبح ولتبقى من اجمل المدن في العالم اسطنبول .
لم تنته الحكاية هنا فقد تحوّل الامير فلاديمير الكبير قديسا وله نصب جميل قريبا من الساحة الحمراء والكرملين في موسكو ،ويحكى ان امير كييف جمع الناس عند نهر الدنيبر الذي يمر في المدينة ورمى فيه تمثال الاله بيرون .ويحكى ايضا ان من قام بالمعمودية الجماعية للروس آنذاك هو بطريرك القسطنطينية المطران السوري ميخائيل فوجب الانتباه والحفظ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى