سياسةمحليات لبنانية

قراءة دستورية في استقالة النواب: انتخابات فرعية ايا كان حجم المستقيلين

يتشكل المجلس النيابي في لبنان وفقآ للمادة ٢٤ من الدستور التي تنص على أن مجلس النواب يتألف من نواب منتخبين بالتساوي بين المسلمين والمسيحيين ونسبيآ بين طوائف كل من الفئتين ونسبيآ بين المناطق.

ووفقآ للمادة ٢٧ من الدستور فإن عضو المجلس النيابي يمثل الأمة جمعاء أي أن النائب يمثل الشعب اللبناني بالرغم من انتمائه(أي النائب) الى طائفة معينة وانتخابه من الناخبين في دائرته الإنتخابية.وبصفته ممثلآ للشعب يمارس عدة صلاحيات أهمها الصلاحية التشريعية المتعلقة بحق النائب باقتراح القوانين ودراسته لمشاريع واقتراحات القوانين وإقرارها، والصلاحية الرقابية المتعلقة بمنح الثقة للحكومة او حجبها عنها.واستقالة النائب قبل انتهاء ولاية المجلس النيابي هو حق طبيعي وشخصي ودستوري للنائب، الا أن الدستور قد خلا من النص على الاستقالة بشكل واضح وصريح، في حين تمت معالجة هذا الموضوع في المواد(١٦_١٧_١٨) من النظام الداخلي للمجلس النيابي، حيث تحدثت هذه المواد على انه يحق للنائب ان يستقيل من النيابة بموجب كتاب خطي يقدمه الى رئيس المجلس وعلى الرئيس ان يعلم المجلس بالاستقالة بأن يتلو كتاب الاستقالة في اول جلسة تلي تقديمها وتعتبر الاستقالة نهائية فور اخذ المجلس علما بها في الجلسة المذكورة، غير انه يحق للنائب المستقيل ان يتراجع عن استقالته بكتاب خطي يقدم الى رئيس المجلس قبل اخذ المجلس علما بها، وعندها تكون الاستقالة كأنها لم تكن.

وعند استقالة نائب معين يصبح هذا المقعد خاليآ ويتوجب اجراء انتخابات لملء المقعد النيابي الذي شغر بالاستقالة، حيث تنص المادة ٤١ من الدستور على انه اذا خلا مقعد في المجلس النيابي يجب الشروع في انتخاب الخلف في خلال شهرين. والنائب المنتخب جديدآ(أي النائب الخلف) لا تتجاوز ولايته ولاية النائب القديم الذي يحل محله. فهو يكمل ما تبقى من ولاية النائب القديم. ولكن اذا كانت استقالة النائب قد حصلت قبل (٦) أشهر من انتهاء ولاية المجلس النيابي فلا نتجه الى اجراء انتخابات نيابية لملء المقعد الشاغر( مثلا في الحالة الحاضرة اذا اصبحت استقالة النائب حمادة ونواب كتلة الكتائب نهائية، نتجه لإجراء انتخابات نيابية لأن المدة المتبقية لانتهاء ولاية المجلس تفوق الستة أشهر كونها تنتهي في العام ٢٠٢٢).

في هذا السياق يطرح التساؤل التالي: ماذا لو تطورت الأمور أكثر واستقال عدد كبير من النواب وبلغ العدد الأكثرية المطلقة من اعضاء المجلس النيابي( أي بلغ العدد ٦٥ نائبآ)، هل يعتبر المجلس مستقيلآ؟ هل بإمكان المجلس النيابي الإستمرار بعقد جلساته والقيام بمهامه؟ بطبيعة الحال إن هذا السؤال هو سؤال إفتراضي، ولكن لا شيء يحول دون حصول ذلك.ان المادة ٣٤ من الدستور تحدثت عن النصاب العادي لإنعقاد جلسات المجلس النيابي، حيث تقول بأنه لا يكون اجتماع المجلس قانونا ما لم تحضره الأكثرية من الأعضاء الذين يؤلفونه، وبالتالي افتراضآ وصلت الاستقالات الى هذا العدد فلا يمكن عندها انعقاد جلسات عادية للمجلس النيابي بسبب فقدان النصاب القانوني للجلسة وهو النصف زائد واحد(٦٥ نائبآ)، كذلك هناك جلسات ومواضيع تحتاج الى اكثرية خاصة او موصوفة تفوق الأكثرية العادية(اي النصف زائد واحد)، نذكر على سبيل المثال انتخاب رئيس الجمهورية وفقآ للمادة ٤٩ من الدستور التي تنص على انتخابه بغالبية الثلثين في الدورة الأولى والغالبية المطلقة في الدورات التي تلي، كذلك جلسة تعديل الدستور حيث تنص المادة ٧٩ على أنه عندما يطرح المجلس مشروع يتعلق بتعديل الدستور لا يمكنه ان يبحث فيه او ان يصوت عليه ما لم تلتئم أكثرية مؤلفة من ثلثي الاعضاء الذين يؤلفون المجلس قانونآ ويجب ان يكون التصويت بالغالبية نفسها.

يتضح من خلال ذلك ان استقالة الاكثرية المطلقة من النواب تؤدي فقط الى توقف المجلس عن الانعقاد وتعطيل دوره ومهامه الدستورية، حيث لا يوجد نص دستوري يتحدث عن اعتبار المجلس النيابي مستقيلا في حالة استقالة الاكثرية المطلقة من عدد النواب، فهناك مبدأ دستوري هام وهو (أن المشرع اذا أراد شيئآ ما لكان نص عليه بكل وضوح)، اذ انه في المادة ٦٩ من الدستور فيما يتعلق بالحالات التي تعتبر فيها الحكومة مستقيلة نص بشكل واضح على ان الحكومة تكون مستقيلة اذا فقدت أكثر من ثلث عدد اعضائها المحدد في مرسوم تشكيلها(مثلا اذا كانت الحكومة مؤلفة من ٣٠ وزيرا واستقال ١١ وزيرا تكون الحكومة مستقيلة، أما اذا استقال ١٠ وزراء تبقى الحكومة قائمة بشكل دستوري)، بينما لم تتجه نية المشرع الى اعتبار المجلس النيابي مستقيلا في حالة استقالة الاكثرية المطلقة من عدد اعضائه، حيث في هذه الحالة يبقى المجلس قائما وموجودا ومستمرا كهيئة دستورية، ولا يكون لهذه الاستقالة الا التأثير على عمل المجلس او دوره الذي يبقى معطلا لحين ملء المقاعد الشاغرة من خلال الانتخابات مهما كان عدد الاستقالات.لكن هذا لا يعني انه لا يوجد آلية دستورية يمكن من خلالها إنهاء الوجود القانوني والفعلي للمجلس، لأن الدستور نص في المادة (٥٥) منه على الحالة الوحيدة التي اذا تحققت ان تنهي هذا الوجود وهي حل المجلس النيابي(اذا توفرت شروط معينة)، بطلب من رئيس الجمهورية وموافقة مجلس الوزراء بغالبية ثلثي عدد اعضائه، عندها اذا حلّ المجلس النيابي يتوجب اجراء انتخابات نيابية جديدة لتشكيل (مجلس نيابي جديد) خلال مهلة ثلاثة اشهر، وتستمر هيئة مكتب المجلس في تصريف الأعمال لحين انتخاب المجلس الجديد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى