العالم العربيسياسة

قاسم سليماني:غيفارا الشيعة والمسلمين الأحرار .. وشهيد القدس بالثلاث

 


كتب واصف عواضة:
لم تُسجّل هذه الكمية من الحزن في محيّا السيد حسن نصر الله من قبل ، وهو يؤبّن الفريق قاسم سليماني ،إلا في الخطاب المؤثر الذي ألقاه الأمين العام لحزب الله يوم استشهاد نجله هادي نصر الله في الثالث عشر من أيلول عام 1997.هناك غالب السيد الدموع في عينيه لفقدان الأبن وفلذة الكبد ،وبالأمس كانت عيناه تحكي سيرة الأخ الحميم والشريك القيادي ورفيق النضال الطويل الذي فقده باغتيال الرجل الذي شغل المنطقة طوال عقدين من الزمن .
في يوم هادي أذرف السيد دموع الملايين حيث قال "إني أشكر الله على عظيم نعمه ،أن تطلع ونظر نظرة كريمة إلى عائلتي فاختار منها شهيدًا ،وقبلني وعائلتي أعضاء في الجمع المبارك المقدس لعوائل الشهداء الذين كنت عندما أزورهم أخجل أمام أب الشهيد وأم الشهيد وزوجة الشهيد، وسأبقى اخجل أمام هؤلاء".
وفي شريكه الشهيد كاد السيد يخرج عن طوره حيث قال"لا شخصية أميركية توازي سليماني، فحذاؤه وحده يساوي رأس ترامب (الرئيس الأميركي)". وأضاف أن "القواعد العسكرية الأميركية، البوارج العسكرية الأميركية، كل ضابط أميركي في منطقتنا، الجيش الأميركي هو من قتل هؤلاء ،وهو الذي ينبغي أن يدفع الثمن".
واستدرك نصر الله "في الوقت ذاته لا ينبغي المساس بالمدنيين الأميركيين، فهذا يخدم مصالح ترامب ويحول المواجهة إلى معركة إرهاب".(مثل هذا الكلام ترك أثرا طيبا في نفوس الأميركيين الذين علقوا على تغريدة لصحيفة الواشنطن بوست بالقول "إن حزب الله أكثر حضارة من رئيسنا" ).
والواقع أن العلاقة الحميمة التي ربطت السيد نصر الله بالفريق سليماني على مدى عقدين من الزمن، تجاوزت حدود الشراكة في المقاومة.فقبل يوم واحد من اغتياله كان قائد فيلق القدس في بيروت وزار الأمين العام لحزب الله "لمجرد السلام" كما قال السيد نصر الله ،لكن أيا منهما لم يكن يعرف أو يتخيل أنه  اللقاء الوداعي الأخير.
لقد تشارك الرجلان في مواجهة أقسى الظروف التي مرت على هذه الأمة ،من لبنان الى فلسطين الى سوريا الى العراق واليمن .لكن بالتأكيد لعل أطيب الذكريات في ضمير السيد تلك الأيام الطوال التي قضاها سليماني الى جانب الأمين العام لحزب الله في حرب تموز عام 2006 ،وكان ثالثهما الشهيد عماد مغنية الذي اغتيل في دمشق في الثاني عشر من شباط عام 2008 .
عن تلك المرحلة يروي قاسم سليماني وصوله الى بيروت بعد اجتماع للقيادة الإيرانية في مشهد فيقول: "لم أعد (الى ايران )حتّى انتهاء الحرب، وبقيت هناك بشكل كامل طوال الـ 33 يوماً. كنت أبعث تقاريري يومياً عن طريق خطنا الآمن إلى طهران ليكونوا في سياق الأحداث والميدان بشكل كامل."
يضيف:"لا تزال هناك أمور غير مذكورة عن حرب الـ 33 يوماً…   أمامنا سنين طويلة قبل الإفصاح عن جانب من أسرار هذه الحرب وما قام به حزب الله مما لا يزال طي السر والكتمان. لكن الجوانب التي يمكن التحدث عنها والمفيدة هي عدة نقاط مهمة، ولأسرد هنا مجموعة من الذكريات. كان لحزب الله غرفة عمليات في قلب الضاحية، وكانت البنايات المجاورة لها تقصف باستمرار وتدمر. في كل ليلة كانت هناك بنايتان أو ثلاث بنايات ضخمة عالية من 12 طابقاً أو 13 طابقاً، أقل أو أكثر، بل أكثر من هذا غالباً، كانت تسوّى بالأرض تماماً. ذات ليلة عندما كنا في غرفة العمليات وكان جميع مسؤولي إدارة الحرب في تلك الغرفة، ولم تكن غرفة العمليات تلك تحت الأرض بل كانت غرفة عمليات عادية، لكن فيها بعض أجهزة الاتصالات والارتباط ليمكن التواصل والارتباط مع مختلف الجهات.شعرت هناك بعد أن قصفوا البنايات المجاورة لنا ودمروها، وكان الوقت ليلاً، والساعة حوالي الحادية عشرة مساء، شعرت أن خطراً جدياً يهدد حياة السيد نصر الله. قررت أن ننقل السيد إلى مكان آخر. تشاورنا أنا وعماد(مغنية). ولم يوافق السيد إلا بصعوبة على الخروج من غرفة العمليات(…) اتفقنا على الانتقال من هنا إلى بناية أخرى، وانتقلنا ولم تكن هناك مسافة طويلة بين البناية الأولى والثانية. عندما انتقلنا بمجرد أن دخلنا تلك البناية حدثت حالات قصف جديدة وقصفوا أماكن مجاورة لهذه البناية. انتظرنا هناك لأننا كان لدينا خط آمن واتصال ويجب أن لا ينقطع الاتصال، خصوصاً اتصالات السيد نصر الله واتصالات عماد. وحدث قصف آخر مجدداً ودمّروا جسراً مجاوراً لتلك البناية. شعرنا أن هذين القصفين سوف يعقبهما قصف ثالث وقد يقصفوا هذه البناية أيضاً. لم يكن في تلك البناية سوى ثلاثة أشخاص، أنا والسيد نصر الله وعماد. لذلك قررنا أن نخرج من البناية نحو بناية أخرى. خرجنا نحن الثلاثة ولم تكن هناك أية سيارة، وكانت الضاحية مظلمة تماماً والصمت يخيم عليها بالمرة. لم يكن هناك سوى أصوات طائرات الكيان الصهيوني فوق رأس الضاحية. كنت أرتدي بدلة عسكرية خاصة مموّهة. خلعت القميص العسكري وبقيت بالقميص الذي تحته وكان قميصاً عادياً مدنياً، لكن سروالي كان سروالاً عسكرياً.قال عماد لي وللسيد إجلسا تحت ظل هذه الشجرة، وليس تحت ظلها لأن الوقت كان ليلاً ولم يكن لها ظل، بل اجلسا تحتها للحماية من الرصد، مع أنها لم تكن تحمي من الرصد، لأن طائرات MK ذات كاميرات تتحسس حرارة جسم الإنسان وتميزها عن سائر المصادر الحرارية لأشياء أخرى، لذلك لم يكن بالإمكان إخفاء شيء، وهذا هو مفهوم النقطة. جلسنا في ذلك المكان، وتذكرت قصة مسلم، لا لنفسي بل للسيد نصر الله. كان المكان بلاد السيد. ذهب عماد ووجد سيارة وعاد بسرعة، وربما لم يستمر الأمر أكثر من دقائق، عاد بسرعة. مهما أردت أن أمدح عماداً أخشى أن تختل الجلسة كما حصل بالأمس، لكنه كان منقطع النظير خصوصاً في التخطيط. عندما وصلتنا السيارة كانت طائرات MK تحلق فوق رؤوسنا وتركز علينا. وعندما وصلتنا السيارة صارت الطائرات تركز على السيارة. وتعلمون أن MK عندما ترسل ذبذباتها فإن هذه الصور تنقل إلى تل أبيب ويشاهدون المشاهد والصور في غرف عملياتهم. وقد استغرق الأمر وقتاً حتى استطعنا الانتقال من مخبأ تحت الأرض إلى آخر تحت الأرض، وبعد الانتقال من هذه السيارة إلى شيء لا يمكن ذكره الآن، من أجل أن نخدع العدو، ثم عدنا حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل إلى غرفة العمليات مجدداً."
كثيرة هي الذكريات والاسرار عن حرب تموز وغيرها ،تغيب برحيل قاسم سليماني وعماد مغنية،لكن هي بالتأكيد في ذاكرة السيد نصر الله ،والتي يؤمل أن يفرج عنها يوما ما إنصافا لهؤلاء الرجال الذين صنعوا انتصارات باهرة في الكثير من المواقع الجهادية .
لا شك أن الخسارة كبيرة للساحة الجهادية برحيل قائد فيلق القدس ،مثلما هو الحزن كبير أيضا ،وقد عبرت عن ذلك دموع المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي وهو يؤدي صلاة الميت على جنازة قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس ورفاقهما في طهران صباح اليوم الاثنين في السادس من كانون الثاني عام 2020 .لكن بالتأكيد سوف يُخلّد اسم قاسم سليماني في نفوس الشيعة والمسلمين الأحرار،تماما كما تخلّد إسم المناضل الأممي تشي غيفارا،وليس أدل على ذلك من خروجهم بالملايين في العراق وايران ولبنان وغزة واليمن وبلدان أخرى ،مشاركين في التشييع والتأبين ،وكذلك من تجشم قائد حركة "حماس" إسماعيل هنية مخاطر السفر من غزة الى طهران للمشاركة في التشييع ووصفه سليماني "شهيدا للقدس بالثلاث".وفي هذا المشهد التاريخي رسالة واضحة للولايات المتحدة والعالم بأن "الإرهابي قاسم سليماني " ليس أسامة بن لادن ولا أبو بكر البغدادي .  
 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى