رأي

..في تأبين جريدة “المستقبل”


           

     صحيفة لبنانية أخرى لفظت أنفاسها الورقية الأخيرة اليوم.فبعد "السفير" و"الاتحاد" و"البلد" و"الحياة" و"الأنوار" وأخر على الطريق ،تقاعدت جريدة "المستقبل" من الصدور بعد عشرين عاما شغلت خلالها مساحة أرادها مؤسسها الرئيس الشهيد رفيق الحريري متنفسا ،أيا كانت حدوده وأبعاده،فهي احتضنت المئات من الزملاء الذين ضربهم سيف البطالة،شانهم شأن مئات آخرين من الزملاء شربوا ويشربون هذه الكأس المرة .
   مؤسف ومحزن ومؤلم هذا المآل للصحافة اللبنانية .صحيح أن لبنان يخسر في اقفال صحفه تراثا عريقا عمره نحو مائة وخمسين عاما ،لكن قمة الأسف والحزن والألم التي تنتابنا كصحافيين تكمن في هذا الكم الهائل من الزملاء الذين يفقدون مصدر رزقهم ورزق عيالهم ،في ظل أفق مسدود أمامهم ،وسط غياب دولة تحمي ابناءها وتضمن لهم سبل عيش كريم ،ونقابة لا حول لها ولا قوة في معالجة هذه الأزمة المستعصية نتيجة قصور لا تقصير في السعي والحراك الذي تبين أن لا طائل منه ،حيث يعجز الصراخ والبيانات والمناشدات عن تحريك من يجب أن يتحركوا لإنقاذ الموقف.
    لهفتنا كصحافيين ،على زملاء لنا خدموا السياسة والسياسيين دهورا ،وهم لا يجدون اليوم غير إدارة الظهر لأزمتهم ،على الرغم من الاقتراحات الجاهزة للانقاذ،وبعضها نائم في الادراج .ولعل مشكلتنا الكبرى في اقفال الصحف ،أن الصحافي لا يحسن عملا آخر غير مهنته ،مهنة المتاعب كما وصفها ويصفها كبار العاملين في هذا القطاع.ولا بديل بالتالي يغني عن ديمومة العمل ،أيا كان حجم التعويضات التي يتقاضونها .فنحن الذين اختبرنا التجربة يوم أقفل تلفزيون لبنان وحصلنا على تعويضات خيالية ،نعرف جيدا قسوة هذا الامتحان.
    خلال السنوات الثلاث الماضية ،سعينا جهدنا في نقابة محرري الصحافة اللبنانية ،وطرقنا كل الأبواب ايمانا منا واقتناعا بأن العلاج لن يأتي الا عن طريق الدولة ،فقدمنا العديد من المشاريع والاقتراحات لتدارك هذ الانهيار ،بالتعاون مع وزير الاعلام ملحم رياشي الذي بذل معنا كل جهد لتحقيق الأهداف المرجوة ،لكن هذه الجهود توقفت في مكان ما وذهبت ادراج الرياح .
نعم نعترف أننا أخفقنا على قاعدة العين بصيرة واليد قصيرة .لكننا مصممون على مواصلة الجهد في هذا السبيل ،ولذلك بدأنا التحضير لمؤتمر إعلامي وطني عام في شهر أيار المقبل ،لاجتراح الحلول والعلاجات المناسبة ،على أمل أن يتجاوب المعنيون في الدولة ،لوقف الانهيار أولا ،ومن ثم النهوض بقطاع الاعلام بشكل عام ،لأن الكأس الذي تشربه الصحافة الورقية سوف ينسحب من دون شك على جميع وسائل الاعلام ،وقد بدأت نذره في الداخل والخارج بصورة واضحة جدا.
   في الخلاصة،ولنكن واقعيين.فالعلاج الجذري ليس في متناول اليد لأسباب كثيرة ،أبرزها سياسي.فعندما تنهار السياسة يتهاوى معها كل ما عداها:الاقتصاد والفن والثقافة والاجتماع الخ..وطبيعي أن تأخذ الصحافة قسطها من هذا الانهيار .ويوم تنهض السياسة في بلدنا ،يمكننا القول إننا على طريق نهوض الصحافة وإنقاذ الصحافيين من سيف البطالة.وفي غياب الدولة سوف تستمر حفلات التأبين لما تبقى من صحف لبنان ،الى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى