سياسةمحليات لبنانية

في بلدتنا لا يموت الناس مرة واحدة…

 


في بلدتنا لا يموت الناس مرة واحدة، في حيّنا يموتون  لمرات عدة…
الحاجة ديبة الفلاحة النشيطة، تسكن دارا من غرفتين، تبيعنا الحليب وبيض الدجاج في صباح كل يوم، استيقظنا عند الفجر على صراخ ابنائها، على ضجيج الجيران، على بكاء امي، على صوت ابي يتلو سورة الفاتحة ويتمتم"لا اله الا الله". ماتت الحاجة ديبة، تمّ نعيها عبر مكبر الصوت  من مئذنة الجامع .
تجمّع أطفال البلدة على نافذة غرفة المرحومة.رحنا نلقي نظرة الوداع على جارتنا العجوزة، ممددة على السرير باتجاه"القبلة"، يتلون عليها القرآن الكريم، كل النساء متشحات بالسواد،  موعد الدفن قبل آذان الظهر، لم يبق غير نصف ساعة لتحضر الرجال لتشييعها.
الجميع يترحم، الجميع يذكرها بالخير ويتحدث عن آخر لقاء معها، أثنى الجميع على حُسن أخلاقها وسيرتها، اكد الجميع ان تصرفاتها في اليومين الإخيرين كانت توحي أنها تودع الناس بلطفها ،كأنها كانت على علم بموعد موتها،قال البعض ان المؤمن الحقيقي يعرف لحظة موته فيستبشر بها.

من النافذة نراقب المشهد بجلل وبخوف، نتظاهر بالقوة وبالشجاعة لننفي عن حالنا تهمة الجبن امام الموت.
حصل ما لم يكن في الحسبان. صرخت النسوة من حول السرير، ازدحمت الناس عند الباب في طريق الهرب،تدافعن مرعوبات، الرجال الآتون لحمل النعش حضروا بسرعة الى الدار يستفسرون عن سبب الهلع العام، لم يبق احد من الاطفال  عند النافذة ، كل واحد منا ركض الى بيت اهله مذعوراً.
هلع عام في الحيّ.
عبارة واحدة كانت تتناقلها الناس من اول البلدة الى آخرها ،ومن بلدتنا الى البلدات الاخرى المجاورة، عبارة تتبعها عبارة "سبحان الله، يحيي من يشاء ويميت من يشاء"، عبارة واحدة جعلت الجميع يؤمن اكثر بالله:
"قامت الحاجة ديبة ، قامت الحاجة ديبة" ……………..
في بلدتنا لا يموت الناس مرة واحدة،في حيّنا احتمال دائم ان ينهض من موتهم الاموات.
هذا ما رددته الناس من عبارات، اما العبارة الاولى التي قالتها الحاجة عندما استوت على سريرها بعد ست ساعات من الموت المؤكد بشهادة طبيب ،استفاقت  مستغربة اتشاح اقاربها  بالسواد من حولها، فقد كانت العبارة سؤالا لابنتها الهاربة و الاقرب الى السرير:
"يا مقصوفة العمر ليش ما فيقتيني بكير، طلّيتي على الدجاجات، حلبتي البقرات وَلِيه، ليش عم تهرب هالناس هيك؟!
نحن ايضا في بلدتنا لا نموت من أول مرة..
ربما كُتب علينا ألا نموت ميتة طبيعية!!.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى