سياسةمحليات لبنانية

غسل ميت!

 

زارني غاسل الموتى ابو قاسم في داري، جاء يشتكي من صداع لا يفارقه ومن صور ومشاهد تلازمه ومن ذكريات لا تغادر باله، جاء يشكو فقر الحال حامدا الله سبحانه مغيّر الأحوال.  وبينما هو على هذه الحال تلقى اتصالا يخبره فيه المتصل ان السيّد دعيبس الدعاس مات ويتمنى ملاقاته الى المُصلّى لغسل الجثة لدفنها باكرا، لان المرحوم لا اهل له يسألون عنه وان كلّ الأجر لله.
بعد الترحم على والدي بمرارة ،رجاني ابو قاسم ان أوصله بسيارتي الى المغسل لانه متعب القدمين ومنهك القوىالقوى.  مضينا بالسيارة، اوصلته الى مدخل المصلّى ولحشرية ولحماقة مني ، دخلت معه الى المغسل، شاهدت جثة على بلاطة واسعة مرفوعة على عامودين  حجريين صغيرين لرجل يناسب شكله لدور فكاهي في مسلسل  دراما سورية . نبريش ماء وبعض الحاجات الدينية الضرورية. و بهمّة عالية بدأ مهامه ابو قاسم في استخدام الماء مع تلاوة بعض الآيات القرآنية وقراءة بعض الجمل المخيفة لأصحاب القلوب الضعيفة.  فجأة شعر بدوار و برجفة ونده لي ، انا المنسحب نحو الباب ناشدا ركوب السيارة والهرب. طلب مني ان اسدي له خدمة انسانية -الهية قربة لله تعالى، ان اغسل الجثة لعجزه المرضي من اكمال المهمةالمهمة.  ارعبني طلبه وكاد أن يصيبني بجلطة قلبيةقلبية.  الحّ عليّ الحاح المقهور مع تكرار الدعاء  وطلب المغفرة من الله لي مع دمعة في العين وصوت يكاد ان يختفي، تمدد على كرسي جانبيّ وحملت انا النبريش كرجل كممثل لبناني فاشل مهما كان الدور مهماً، وبدات اكمال مهمة لا اعرف تفاصيلهاتفاصيلها.  سألني غاسل الموتى قبل ان تنهار قواه وينام إن كنت مواظباً على ألصلّاة ، لم أتخيل للحظة في حياتي ان اقف موقفا كهذا، رغم امتلاكي لقلب نمر لا يخاف، الا اني شعرت اني أجبن من أسوأ جبان .
وانا "أطرطش" الماء في كل الاتجاهات، انتبهت ان يد الجثة اليمنى تتحرك، وان   الميت  شدّ عضلات وجهه حول عينيه ما اسقط جفنيه  ما جعله مرغما بفتحهما بعد ان تمكن الماء من لمس البؤبؤين. اقتربت من الجثة، لمست الرقبة باصابعي تحت الفك الاسفل باحثا عن نبض في شريانشريان.  النبض موجود وحاضر، ما زال حيّاً، اقتربت من وجه الميت ، فتح عينيه بإنزعاج وارتباك وهمس لي يهدّدني:
-اكمل واجبك ولا تقم بدور الطبيب الآن كالأبله، انا ميّت  فلا تتدخل بما لا يعنيك؟
لم اجبه أحتراما للموت  ، يريد  ان يُدفن حيّا ًلانه يشعر انه  ميت بين موتى، اكملت غسله بشجاعة، قرات له سورة الفاتحة على عجل، اغمض عينيه ببراعة ،ايقظت غاسل الموتى ابو قاسم  ليكفنه و مذكرا اياه ان إكرام الميت دفنه .
دقائق معدودة وتجمع بضعة من الناس، حملوه تقرباً لله تعالى ،اقاموا عليه صلاة الميت على عجل، سمعت احدهم يقول ويسأل صاحبه  ان المرحوم كان رذيلاً لا صاحب ولا صديق له،ادمع كل العيون ، انه لم يدخل مسجداً ولم يأكل الا من مال حرام فكيف يقول امام الصلاة أنّه لا يعرف عنه الا خيرا والرذيل من سرق سيارته وبيته !.
حملوه و دفنوه بسرعة وكأنهم يريدون التخلص من الجثة ليعود كل واحد منهم الى رزقه.
بدوري عدت الى داري منزعجا من هذا اليوم ولاعنا اللحظة التي استقبلت فيها غاسل الموتى ، امضيت كل فترة العصر الى أول المساء وأنا افكر بالرذيل الذي دفناه حيّاً، عظمت الامور برأسي، وتضاربت في دماغي الافكار، افكار تلعنني لعدم تقديم المساعدة لإنسان في خطر وافكار فلسفية عبثية تحررية حضارية تدفعني الى تجاهل ونسيان إنسانيتي بحجة الحرية الشخصية وتقرير مصير الذات و بحجةان الانتحار قرار ذاتي بتدمير الذات  .
انتفضت فجأة، تناولت رفشا ومجرفة ومعولا من تحت زيتونة زرعها أبي وروتها أمي وما قطف حبات زيتونها أولادي لإنشغالهم بألعاب الانترنت،  و توجهت بسيارتي بسرعة الى المقبرة، وقفت فوق القبر وسط ظلام دامس تخافه الشياطين والمخابرات الاسرائيلية ويخشاه الحرس الثوري الايراني وتتجنبه داعش ويستعيذ منه حزب الله ،وحفرت وحفرت وحفرت الى ان وصلت الى سقف القبر ، أزحتُ لوح الباطون بقوة ليست لي، ونزلت الى قرب الجثة مستعينا بضوء هاتفي الخلوي وبضوء زيز الليل الذي ابى الا ان يشاركني حفلة جنوني .
كان الرذيل جالسا متربعاً على التراب وبيده ورق لعب والى جانبيه كينونتين جميلتين ليستا من البشر ظننتهما للوهلة الأولى عارضي  أزياء، لكني سرعان ما عرفتهما  فسالتهما كيف يحضران الى رجل حي ومهمتهما حساب الموتى، قال الجالس على اليمين بلغة عربية ولكنة أميركية :
–الحيّ فيكم ميّت والميت فيكم حيّ ولكنكم لا تعلمون .
قلت وبجراة لم اعهدها من نفسي سابقا:
—اليس هناك من حساب في القبر، لا ارى جنزيراً ولا عصا  ؟
قال الجالس عند اليسار بلغة عربية وبلكنة روسية:
—-بعد وفاة الخلفاء الراشدين رحمة الله عليهم  صدر امر ألهي بحتمية الجحيم للجميع إذ لا أمل يرتجى من اي  انسان عربي او أعجمي.
سالتهما :
— وماذا تتنظران؟
قالا:
*ننتظر العربةةالإلهية لنقل الرذيل الى نار جهنم وبئس المصير.
قلت للرذيل:
— اوتضحك  كالمعتوه انت؟
ابتسم الرذيل مطمئنا على مصيره وقال:
-الم تسمع ما قالاه لك "كلن-يعني-كلن ".
نظر اليّ الجالس عند اليمين متناولاً ورق اللعب من يد الرذيل وقال لي:
— ليخة او 400 ؟!
قلت:
—بل بوكر يا معلّم وهذه مئة دولار إفتتاحية "كلن-يعني-كلن"…
 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى