أدب وشعرثقافةرأي

عن عبد الرحمن منيف ومدنه (محمد قجة)

محمد قجّة –الحوارنيوز- خاص

عبد الرحمن منيف .. القامة الفكرية والادبية السامقة.. القامة التي لم يحنِها الا الموت.. وبقيت مدى حياتها شامخة لم تستطع قوة أن تنال من كبريائها.

 1- من اسرة عربية، من أواسط نجد، من القصيم، حينما لم تكن هناك حدود ولا جوازات سفر ولا تأشيرات بوليسية، كانت قبيلة عبد الرحمن منيف تتنقل مثل غيرها من القبائل العربية عبر بوادي نجد و العراق و الشام قبل ان ترسم اتفاقية ” سايكس بيكو ” هذه الحدود اللعينة التي أصبحنا نقدسها و نعتبرها سجونا” حديدية.

وفي اطار هذا الرحيل المستمر للقبائل، نزل ابراهيم منيف والد عبد الرحمن في شرقي الاردن، بادية الشام الجنوبية، وهناك ولد آخر ابنائه الذكور “عبد الرحمن” عام 1933.

 2 – تمثل حياة عبد الرحمن منيف اعترافا” صارخا” بوحدة الارض و التاريخ، و رفضا” صريحا” للتجزئة، فهو من أصل نجدي عربي , ولد في بادية شرق الاردن، ودرس في عمان حتى الثانوية، و كانت دراسته الحقوق الجامعية في بغداد ثم في القاهرة، ثم حصل على الدكتوراه من جامعة بلغراد في اقتصاديات النفط.

وبين الاهتمام بالقانون والنفط  والفكر و الادب، مضت حياة عبد الرحمن منيف و تنقلاته عبر المدن و الدول، الى ان استقر به المقام في دمشق منذ 1986 حتى وفاته يوم 24 / 1 / 2004 و هو على ابواب السبعين من عمره.

 3 – لو كان لجائزة ” نوبل ” ان تكون منصفة و موضوعية، فان عبد الرحمن منيف يستحق بجدارة هذه الجائزة عن خماسيته العظيمة “مدن الملح” اكبر الاعمال الروائية العربية  وأهمها . و لجائزة ” نوبل ” شجونها و ذيولها و حساباتها الخاصة ….

*****

قبل الحديث عن رائعة عبد الرحمن منيف “مدن الملح”. لا بد من الاشارة الى انه مارس العمل الصحفي, وبخاصة الصحافة العلمية و الاقتصادية في بيروت وبغداد و باريس و دمشق . وأصدر في بغداد مجلة “النفط والتنمية” وكتباً في هذا الميدان الاقتصادي و السياسي منها:

– البيترول العربي … مشاركة ام تأمين

– الديموقراطية اولا ” .

قبل نشر ” مدن الملح ” كان عبد الرحمن منيف قد أصدر خمس روايات  منذ 1973 حتى 1979 و هي :

– الاشجار و اغتيال مرزوق

– قصة حب  مجوسية

– شرق المتوسط

– حين تركنا الجسر

– سباق المسافات الطويلة

وهي أعمال تتسم بطابعها الفكري التقدمي، و عمقها السياسي،  ونضوجها الفني. ثم أصدر عملاً مشتركا” مع جبرا ابراهيم جبرا هو “عالم بلا خرائط” و ذلك خلال اقامته في بغداد مطلع الثمانينات .

*****

 4 – صدر الجزء الاول من خماسية ” مدن الملح ” عام 1984 بعنوان “التيه” وحول هذا الجزء كتب جبرا ابراهيم جبرا يقول:

” لا أظن أن كاتباً عربياً، روائياً أو غير روائي، كتب في الماضي شيئاً يقارب ما كتبت في هذه الرواية، و بعد أن كتبتها، لا اظن أن كاتبا “عربيا” سيجرؤ على ان يكتب شيئا” مثلها في المستقبل . في الرواية نفس ملحمي لا أعرف مثله في اي عمل روائي عربي، انه يذكرني بالروايات الكبرى التي كتبت في الغرب في النصف الاول من هذا القرن العشرين : التأني، الاسترسال، الاتساع المستمر، تسجيل فترة من تاريخ المجتمع العربي المعاصر ، الانتقال الصعب و الموجع من البداوة الى النفط , لم يلتفت اليها جديا” أحد , او لم يرها بهذا العمق , و هذا الحب , و هذه اللوعة ” .

وفي عام 1985 صدر الجزء الثاني من الخماسية بعنوان ” الأخدود” ومما قيل في هذا الجزء كلمات لمحمود أمين العالم وادوارد سعيد و غراهام غرين. وركز ادوارد سعيد في كلمات مختصرة على محتوى هذا الجزء بقوله: (باهر.. العمل القصصي الجاد الوحيد الذي يتناول أثر النفط و الامريكيين و الحكام المحليين في أحد بلدان الخليج).

*****

وعن الموضوع نفسه كتب عصام محفوظ:

“مدن الملح هي بالتاكيد أهم لوحة انسانية اجتماعية عن أثر الآلة النفطية في بلاد النفط العربية , لكنها بالتاكيد ايضا” احدى أروع اللوحات الانسانية و الاجتماعية عن صدمة الحداثة في مجتمعات العالم الثالث”.

وفي عام 1989 صدرت الاجزاء: الثالث و الرابع والخامس بعناوين ” تقاسيم الليل و النهار – المُنبتّ – بادية الظلمات. واكتمل بذلك هذا السفر الروائي العظيم في 2500 صفحة. وتمثل هذه الخماسية تاريخا” اجتماعيا وسياسيا” وفكريا” لتقلبات الحياة في مدن الخليج العربي، وما أفرزته الحقبة النفطية من تغييرات قسرية وارتباطات متباينة.

*****

 5 – وبعد هذه الخماسية أستأنف عبد الرحمن منيف اعماله الراوئية. فصدر له ” شرق المتوسط مرة أخرى ” 1991  وفيه يستكمل تعرية أساليب القمع و الاستبداد والظلم , وما يعانيه الانسان في ظل أنظمة تمارس ذلك .

ثم صدر له “لوعة العيان”   و”أرض السواد ” .

واذا كانت جائزة نوبل المسيّسة لم تقترب من عبد الرحمن منيف، فإنه حصل على جائزة سلطان العويس 1989 عن خماسيته مدن الملح. وجائزة القاهرة للابداع الروائي 1998. و كان أول عربي يحصل عليها.

*****

 6 – غاب عبد الرحمن منيف.. في سلسلة غيابات تلقفت الكبار خلال الاشهر الاخيرة من عام 2003.. التحق بادوارد سعيد المفكر الفلسطيني الامريكي المشهور،  وفدوى طوقان الشاعرة الفلسطينية المعروفة،  واحمد صدقي الدجاني، المفكر والمناضل الفلسطيني … من حملوا الهم العربي عبر اقلامهم  وفكرهم . والتحق بهم عبد الرحمن منيف مطلع عام 2004 .

*****

غاب عبد الرحمن منيف، ولكن خماسيته سوف تبقى معلما” فريدا” في أفق الرواية على المدى الانساني زمانا “ومكانا”.

غاب عبد الرحمن منيف قبل أن يدري كيف تذوب جذور مدن الملح، لانها أصلاً بنيت على أسس يمكن أن تذوب في أية لحظة . . غاب وفي تصوره المعنى الدلالي الرمزي لعبارة  “مدن الملح ” بما تحمله من معانٍ حضارية استشرافية:

هل هي مدن ملح ؟؟!!

هل تذوب ، ومتى تذوب ؟؟!!

وما النتائج التي تترتب على ذوبانها ؟؟!!

وهل هو ذوبان سريع ام متمهل لتلك المدن المبنية على الملح؟؟!!

ام إن الذوبان والتدمير المبرمج يتم لمدن عريقة اصيلة لم تقم على الملح أساساً!!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى