فنون

شيء ما سيبقى ..

شيءٌ ما سيبقى

باسم باجوق – الحوارنيوز خاص

في الباص البعيد: مسافرٌ وحسناءٌ… وكتاب
الشمس في السماء غائبةٌ
تحجبها أكداس غيمٍ
وغربتي وسحاب
تلك النجمة الملتهبةُ
تترنح ما بين شروقٍ
وما بين غياب
هامتي الشامخة غائرةٌ
بين فروٍ في الجاكيتِ
ألتمس منه دفئًا
ومما اعتراني من ثياب
البرد في الباص قارسٌ
كبرودة تلك الأرضِ
وصقيعٍ يسكن تلك البلاد
تلك البلاد بعيدةٌ كحالي
ولي وجهةٌ إني مولِّيها
رغم ما يغمرني من عزمٍ
وحنينٍ لوطنٍ، وأحبةٍ ألقاهمُ
ذات إياب…

في الباص البعيدِ أناسٌ كثرٌ
لكلٍ منهم شأنٌ ووجوم
في سحنتهم أوجاعٌ بارزةٌ
إحمرارٌ يعلو وجوههم
يضمِّخ منهم الخِضاب
وأنا في الباص صامتٌ
كصمت الحقول الآنَّةِ تحت الثلوجِ
وهي تذوي بعيداً عبر زجاج النوافذِ
وفتحاتٍ في الأبواب
رغم صمت الحقول أجدني
أجول بناظري في الحافلة والمقاعدِ
فألمح جميلةً تجذب انفاسي
تسمِّر عيناي عليها
وتسلب مني الألباب
لا تحجبها عني قلنسوةٌ من صوفٍ
ولا شالٌ يتدلى تحت ضفائرها
كشلالِ وجدٍ يختطفني
وينسكب في خفق تنهداتي
أيَّما انسكاب
يداها ونعومة الأظافرِ
تقلِّبان صفحاتٍ ويا ليتني
كنت غلافاً أو ورقةً
في ذلك الكتاب
حسناء لا تميل بطرفٍ
لكني أرى جمال العينانِ
من تحت الأهداب
فأطلق أنَّةً حرّى وهيهاتَ
يلفت الأنين المخنوق تلك العذبةَ
هيهات ينقشع هذا الهواء الصافي
لكأنه خِدرٌ يمنعها
لكأنهٌ ساترٌ ما بيننا
وثقيل حجاب
إن رأيتها يا عاذلي حتماً
ستلقي عنك لبوس الكبرياء وتشتهي
أن تكون حتى هامشاً أو حاشيةً
في ذلك الكتاب…

الباص البعيد يتوقف في إحدى المحطاتِ
تلك الحسناء تلملم أطراف ما تقرأهُ
تضمه إلى محفظةٍ تعلو كتفها
تعبر الممر أمامي غير آبهةٍ
بوسامتي العالمثالثية
بما يعتمل في صدري من حرقةٍ
بنارٍ تتقد في ضلوعي
ثم تنسلخ نازلةً من الباص البعيد
فأحس بوخز انسلاخها من رئتيَّ
فلكأن رئتايَ كانتا لها سرجاً
ووريداي كانا لها الرِّكاب
أتسمر في مكاني ولا أدري
لمَ لا أنزل عادياً خلفها
لا أفقه الأسباب
شيءٌ ما بداخلي يثبتني في مقعدي:
هي ليست لك ولن تكونا أحباب
لستما سوى اثنين من الأغراب
لكأن قدري أن أتجرع سم غربتي
في تلك البلاد البعيدة
بين صمت العابرين
في الباص البعيدِ
في الوجوم المخيِّمِ
على وجوه من سيكملون الرحلةَ
من أولئك الركَّاب…

تمر السنون عاديةً
وصورة تلك الحسناء الغريبةِ
في ذاك الباص البعيدِ
لا زالت مرسومةً
في خاطري
وخاطري صفحاتٌ لكأنها أيضاً كتاب
الكتاب بلا ريبٍ له عنوان
عنوانه:
باصٌ بعيدٌ ومسافرٌ وحسناء
فحواه:
لا التفاتة، لا إيماءة، ولا التقاء
وخاتمته:
شيءٌ ما سيبقى
ليلملم أشلاءَ مبعثرةً لمسافرٍ
تذروها رياحٌ في الانحاء
الشال والضفائر والعينانُ ما فتئت
تمعن تمزيقاً فيه وطعناً مؤلماً
ليس منه طعن السيوفِ
ولا وخز الحِراب…
 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى