رأي

سلوك المفاوض اللبناني سيُدرّس بوصفه مثالًا على سوء التفاوض؟! (أحمد حوماني)

 

بقلم د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

 

على مدى ثلاثة أيام جرت الجولة السابعة من المفاوضات المباشرة بين وفد رئيس الجمهورية اللبنانية ووفد العدو الصهيوني في روما بحضور الوفد الأمريكي، وكان لافتًا تمديد المفاوضات لثلاثة أيام، ولساعات يومية طويلة نسبيًا، ويفترض أن يشير ذلك إلى تعدد المواضيع أو صعوبة المفاوضات والنقاشات التي تدور بينهما، لكن ما سُرّب لا يخرج عن كون مفاوضي العدو الصهيوني يمعنون في الحديث والشروحات عن مطالبهم التي لا نهاية لها، في ظل عدم استجابة لأي طرح لبناني، فيما يقوم الوفد الأمريكي بإسداء النصائح للوفد اللبناني بالاستماع إلى الوفد الصهيوني والتسليم بما يقوله. لكن بعيدًا عن نفس المفاوضات التي تجري في روما فإن مجموعة معطيات حصلت خلال هذه الأيام لا بد من التوقف عندها.

النقطة الأولى ما ذكرته قناة “كان” الصهيونية وصحيفة الأخبار اللبنانية نقلًا عن مصادر أفادت “بأن الولايات المتحدة أبلغت لبنان عدم وجود نية لديها للضغط على (إسرائيل)، مشيرة إلى ضرورة اتخاذ خطوات واضحة في إطار خطة نزع سلاح حزب الله، ليس في جنوب لبنان فحسب، بل في كل لبنان، حتى يكون هناك اطمئنان (لإسرائيل) يسمح بتوسيع وتسريع المناطق التجريبية”، وهذا يعني أن الهدف الأمريكي من كل المفاوضات هو نزع سلاح حزب الله وهو مع ذلك لا يضمن انسحابًا صهيونيًا حتى لو تم ذلك.

النقطة الثانية ما أعلنه جيش العدو: “أن حاجز الجيش اللبناني المستحدث على مدخل المنصوري مخالف لاتفاقية وقف إطلاق النار”، فهل هذا الأمر صحيح؟ أي مخالفته للاتفاقية. الإجابة بعهدة رئيس الجمهورية، وهل أصبح الجيش اللبناني بحاجة إلى إذن جيش العدو الصهيوني لإقامة حاجز على أرضه وقراه؟

النقطة الثالثة ما نقلته القناة الخامسة عشرة الصهيونية عن “طلب جيش العدو إخلاء قرية واقعة ضمن (الخط الأصفر) عقب إنشاء الجيش اللبناني نقطة عسكرية داخلها خلافًا للاتفاقات المبرمة”. فهل هذا يعني أن المفاوض اللبناني قد سلّم بأن الخط الأصفر أصبحت إدارته عند جيش العدو الصهيوني؟ وهل صحيح أن هذا الأمر من ضمن الاتفاقات المبرمة؟.. وهذا الأمر بعهدة رئيس الجمهورية أيضًا.

النقطة الرابعة ما ذكر عن أن وفد الكيان الصهيوني قد فتح ملف اليهود اللبنانيين المختطفين خلال فترة الحرب الأهلية قبل أكثر من 4 عقود. فقد نُقل أنه خلال جولات التفاوض الأخيرة أصرّ الوفد الصهيوني على إدراج قضية اليهود اللبنانيين على جدول الأعمال، وطالب بكشف مقابر أحد عشر يهوديًا مقابل فتح ملفات الأسرى اللبنانيين والجثامين المحتجزة، فيما بدا أن أعلى المطالب اللبنانية كانت فصل الأسرى المقاتلين عن المدنيين، وهو يعني تخلي لبنان عن المقاومين الذين يدافعون عن لبنان وأهله، فهل يقبل رئيس الجمهورية بذلك؟

يبدو أن الوفد الصهيوني قد حضر ملفاته بشكل جيد، فيما الوفد اللبناني صفر اليدين، علمًا أن لديه الكثير من الملفات التي يمكنه المطالبة بها، خصوصًا موضوع المفقودين اللبنانيين في فلسطين المحتلة منذ العام ثمانية وأربعين، كذلك التعويضات عن كل من قتلته آلة الإجرام الصهيوني منذ ذلك الوقت، عدا عن عشرات آلاف المباني التي هدمها العدو الصهيوني عبر تاريخه الإجرامي، إضافة إلى الملفات الزراعية وما يجري من سرقة أشجار الزيتون المعمرة من قرى الجنوب، ولا ننسى تدمير مطار بيروت وطائرات شركة الميدل إيست في العام ثمانية وستين، لو أراد رئيس الجمهورية لأوعز بتحضير عشرات الملفات المحقة لتحصيل حقوق لبنان.

لكن الموضوع الذي لفت نظر الجميع هو تصريح رئيسة برنامج الشرق الأوسط في مركز “ستيمسون” بواشنطن الباحثة اللبنانية الأمريكية رندة سليم الذي قالت فيه إن: “سلوك الوفد اللبناني في المفاوضات سيصبح حالةً تُدرَّس بوصفها مثالًا على سوء التفاوض”. ومن المعلوم أن مواقف رندة سليم تتعارض مع مواقف حزب الله وإيران وهي أقرب في التحليل السياسي إلى الأفكار الأمريكية، لكن يبدو أنها لم تستطع هضم ما يقوم به المفاوض اللبناني من تنازلات – مع إصرار السلطة اللبنانية على نهج التفاوض المباشر مع العدو الصهيوني والقائم على تقديم التنازلات ضمن اتفاق الإطار – فأوضحت الباحثة رندة سليم في منشور عبر حسابها على منصة إكس أنه: “مع مرور الوقت، سيتم تفريغ الاتفاق الثلاثي من مضمونه، وسيبقى جزء كبير من جنوب لبنان تحت الاحتلال (الإسرائيلي)، وستُعقد اجتماعات في روما وأماكن أخرى بشأن تنفيذ الاتفاق. لكن لا (الإسرائيليون) سيكونون مستعدين للقيام بالكثير، ولا الإدارة الأميركية ستكون مستعدة لممارسة أي ضغط على الحكومة (الإسرائيلية)”.

هذا الرأي نضعه أيضًا بعهدة رئيس الجمهورية، وهو رأي علمي يصدر عن رئيسة مركز ترأس فيه برنامج الشرق الأوسط، ويفترض أن يلقى اهتمام رئيس الجمهورية وأعضاء الوفد على حد سواء. لكن الإشارة الأخطر كانت ما ذكرته حول موقع رئاسة الجمهورية حين ذكرت: “كما ستُفرَّغ ولاية رئاسة الجمهورية اللبنانية أيضًا من مضمونها، وسيواصل السيد عون ولايته، لكنه سيبقى مطالبًا بالإجابة عن قراره توقيع الاتفاق الثلاثي الذي جرى التفاوض عليه بصورة سيئة مع (إسرائيل)”. وهذا يشير إلى أن تقييمها لنفس موضوع التفاوض المباشر مع العدو الصهيوني كان خطأ كبيرًا وقع فيه رئيس الجمهورية، بل وتعتبر أن الرئيس سيبقى مطالبًا بتفسير ما فعله مع عدم وجود إجماع بين اللبنانيين على هذا الأمر، وهي تدق ناقوس الخطر بأن عهد الرئيس عون قد انتهى فعليًا بعد توقيع هذا الاتفاق. وهذا ما يجب على رئيس الجمهورية ومستشاريه التنبه له والعمل على دراسة كيفية عدم حصوله، فيما جاءت عبارتها الأقسى عن الوفد اللبناني بقولها: “وسيصبح سلوك الوفد اللبناني في المفاوضات حالةً تُدرَّس في دورات التفاوض حول العالم بوصفها مثالًا على سوء التفاوض”. وهذا التقييم يضع رئيس الجمهورية أمام مسؤولية ضخمة في إلغاء الاتفاق حفظًا لعهده، أو على الأقل تغيير كامل أعضاء الوفد واستبدالهم بمن يحفظ حقوق لبنان وسيادته.

يبدو أن هناك من أوقع رئيس الجمهورية ولبنان في هاوية من المفاوضات التي لا قعر لمطالب العدو الصهيوني لها، وحتى لو استمرت المفاوضات لسنوات ففي كل جلسة سيفتح العدو الصهيوني بابًا لمطالب جديدة، وسيستجدي الوفد اللبناني موافقة العدو ولو على مطلب تافه ليعرضه كإنجاز لهذه المفاوضات التي ولدت ميتة على حد تعبير الرئيس نبيه بري. ونتذكر هنا قول إسحاق شامير رئيس وزراء العدو الصهيوني في مفاوضات مدريد مع الجانب السوري والفلسطيني عندما ذكر للصحافة الصهيونية أنه حتى لو تم اتفاق، فسنبقى نتفاوض لعشرات السنين على تفاصيله.

 المفاوضات المباشرة انتهت بالنسبة للعدو الصهيوني فهو أخذ منها الصورة التذكارية، وفرض شروطه ورؤيته في اتفاق الإطار، وهو لن يعطي رئيس الجمهورية أي تنازل ولو بسيطًا، ولما يفعل ذلك بعدما تخلى لبنان عن كل أوراق قوته؟

بناء على تقييم رئيسة برنامج الشرق الأوسط في مركز “ستيمسون” السيدة رندة سليم، مُطالب رئيس الجمهورية اليوم قبل الغد باستدعاء كافة أعضاء الوفد اللبناني، وإجراء تقييم عام وشامل لكل ما حدث خلال كل جولات المفاوضات، والتشاور مع قيادة الجيش كونها المعنية على أرض الواقع، وهي التي تتعرض لمحاولات التهوين والإهانة من قادة العدو الصهيوني، وبناء على ذلك اتخاذ القرارات التي تحفظ كرامة وسيادة رئاسة الجمهورية، وقيادة الجيش، وشعب لبنان كل لبنان.

أخيرًا، حبذا لو يستفيد رئيس الجمهورية من كثير من أبناء لبنان الذين يشغلون مواقع فكرية وثقافية وقانونية وسياسية في كثير من دول العالم، وهم بالتأكيد يتعاملون مع الوقائع باحترافية ومهنية عالية، سواء في الوفد المفاوض أو كمستشارين يضعون مصلحة لبنان قبل أي مصالح فئوية وحزبية تهوي بلبنان إلى قعر الذل والاستسلام.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى