الرئيسيةمحليات لبنانية

زقزقة عصفور ميّت في الثلج فوق شجرة لبنان اليابسة

د.نسيم الخوري -كاتب وأستاذ في المعهد العالي للدكتوراه

 

 

الرهبة والغبطة والحزن والغضب مشاعر رافقتني مساء الثلاثاء في 9/2/2020 مع إعلان نجاح مسبار”الأمل” الإماراتي بالوصول إلى مدار المريخ، بعد رحلةٍ 7 أشهر. تناولت الحدث قبلاً مع شابّات وشباب جامعيين، في المعهد العالي للدكتوراه، محاولاً جذبهم لمشروع لافت عربيّ جديد يستحقّ النقاش السياسي والعربي. أصبت بذلك يومها هدفاً هو جذبهم لمتابعة شؤون علميّة بعيدة عن علوم الإعلام، وذات قيمة، وأخرجتهم ثانياً من دوامة الكلام والمناقشات والتشظّيّات اللبنانيّة التي تفلش اليأس، بعدما كنت ألمس بالمحصّلة بأنهم باتوا مسكونين فعلاً باليأس وا لرغبة في الهجرة النهائيّة من لبنان.

طرحت عليهم سؤآلاً واحداً:

ماذا تفعلون لو قُدر لكم الذهاب إلى دبي أو إلى أيّ بلدٍ آخر ؟

معظمهم تصوّروا بأنّهم سيجهّزون حقائبهم لترك بلدهم عمّا قريب، أو ظنّوا بقدرتي على توزيع تأشيرات تفتح الأبواب الموصدة للهروب من جحيم وطنهم. وقعت المبادرة عليهم في طرح الحدث ومناقشته، وكأنّه الطعم غير المقصود الذي أصلب الملاط بيننا جسوراً من الثقةٍ وأحلاماً بالمستقبل دأبت على رعايته بالعقلانية والتفهّم والصبر. وعلى الرغم من جحيم الكورونا، بقينا نتابع الموضوع وغيره في لقاءات غير مباشرة راكمت في الهموم الوطنيّة تلك الحماسة الممزوجة باليأس المشتعل لدى العديد من الشباب المتماهين حقيقةً بالشباب الإماراتيين، وكأنّهم في يقظة هائلة حيال هذه الوثبة التي صارت بالنسبة إليهم مدعاة للإفتخار.

فوجئت يوماً، بل ذهلت بصراحة، لهذا التحوّل والمعاناة في المحيط الشبابي الذي أقامني فيه طلاّبي إلى درجةٍ إتّصال بعضهم بي للسؤآل عن حقيقة إعلان الإمارات عن منح جنسيتها للشباب العربي الناجح في المجالات الريادية المتنوّعة. صدقاً لم أكن قد علمت بالأمر.

بثشفع

يقرأ هؤلاء نصوصي في صحف متنوعة وفيها الخليج لِماماً، وكنت أزوّدهم بالنصوص والمقالات لي ولغيري من الزملاء. وقد سبق لي أن أخبرتهم ربّما يوماً بعلاقة تعنيني بدولة الرئيس الدكتور سليم الحص، مؤسّس منبر الوحدة الوطنية إذ كنت بين ثلّة من المؤسّسين، بأنّ الرئيس قدّمني للمرّة الأولى إلى رائد الدكتور الوزير الجليل عبدالله تريم، طيّب الله ثراه، صاحب صحيفة الخليج، وذلك في عشاءٍ تكريمي له، دعا إليه الأخ حسين حميّه مدير مكتب الخليج في بيروت، في فندق الحبتور. كان إلى العشاء مجموعة من كبار الصحفين والمفكّرين اللبنانيين، وصودف أن دار بين الدكتور عبدالله وبيني حوار عابر مألوف حول الريادة الصحفية وجذورها وبالتحديد مسألة نظرتي للصحافة بصفتها موهبة أو علماً يكتسب في الجامعات. لم يكن الجزم سهلاً عليّ لأنّني مسكون بالعربيّة لغةً وكاتب مقالٍ منذ خمسين، وشاءت الظروف أن أحمل دكتوراه بعنوان: “الإعلام العربي وانهيار السلطات والسلطات اللغوية”، بعد مناقشة دكتوراه أولى:” مظاهر الحداثة العربيّة”. حسم الرئيس الحص بتواضعه وابتسامته المحبّبة أن أطراني قائلاً للدكتور: أنصحك بقلمه. لعلّه كان مخطئاً مع أنّه كان ينشر مقالاً في الخليج، وهكذا كان في باكورة مقال حول غزّة عنوانه “الجبل المشتعل في عبور الصحراء”.

خرجت عن المدار، لكن لفتني عند وصول المسبار إلى الكوكب الأحمر،الشعار المرفوع في دبي :”لا شيء مستحيل”، وكذلك الأحاديث الصحفيّة لوزير الطاقة الإماراتي سهيل المزروعي بالمناسبة، معلناً بأنّ المعلومات التي ستحصل عليها البشرية من كوكب المرّيخ ستحدث ربّما ثورة علميّة عبر المعطيات المرتقبة التي ستكمل جهود البعثات السابقة بحثاً عن دراسة الغلاف الجوّي وإمكانيات إنتاج الطاقة التي تسمح بالعيش على هذا الكوكب الأحمر. وقع كلامه حسناً بإعلانه الإمارات دولة لم يكن فيها منذ خمسين سنة شيئاً يُذكر، واستطاعت عبر شبابها ومعظمهم في عمر الزهور تحقيق الأمل بالحاضر والمستقبل لأسباب ثلاثة هي القيادة وثقة الشعب والعزم. وأضاف: يمكننا مستقبلاً الإختيار من النوابغ من الشباب العربي الذين سيساهمون في هذا الطموح، لأنّنا لا نفرّق بين عربي وآخر أو بين جنسٍ أو دين بل ننظر إلى العلم نظرة واقعيّة.

وبلياقةٍ، توجّه إلى الشباب اللبناني قائلاً: “لا تيأسوا، شعب لبنان فيه علماء ومبدعون” الشعار الذي تتناقله وسائل الإعلام اللبنانية، وترك مشاعر الخجل إن لم نقل أكثر، حيال لبنان شبه المقعد وحكومته المستقيلة الجامدة، وقيام الرئيس المكلّف سعد الحريري بزيارة الإمارات ثمّ فرنسا ثمّ بيروت ثمّ قطر وبعدها في الإمارات والكويت والله أعلم أسماء البلدان القادمة لحلّ معجزة نعم معجزة تأليف حكومة، الأمر الذي يشغل الأمم ولا يتجاوز ضيقاً العصفور أبو الحن الشتوي فوق شجرة مثقلة بالثلج. ليس هناك من أغطيةٍ جاهزة يتدفّى عليها اللبنانيون خارج وطنهم.

أمس،إتّصل بي عالم الأرقام الدكتور بشارة نجيب حنّا قائلاً: عند احتدام السباق إلى الفضاء بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، كان لبنان في تشرين الثاني عام 1960 رائد برنامج الفضاء عندما قامت مجموعة من طلاب جامعة هايكازيان بإشراف مانوج مانوجيان أستاذ الرياضيات والفيزياء وشكّلوا جمعية الصواريخ اللبنانية التي أطلقت صواريخ الأرز في ال 1962 و1963 ليعلن الرئيس فؤاد شهاب عن تقديم دعم حكومي لتلك الجمعية التي دفنت لأسباب لا نفع من ذكرها ونحن في إنهيارات متواصلة.

ولكنّ شعوراُ بالغضب براني بعدما قرأت بعض التعليقات المرتجلة السخيفة والمنفوخة “تقريقاً” على لبنان عبر وسائل التواصل الإجتماعي.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى