سياسةمحليات لبنانية

رياض سلامة.. استقل رأفة بك!

 

كتب العميد المتقاعد د.عادل مشموشي:
أوتي برياض سلامة إلى حاكمية مصرف لبنان عام ١٩٩٣، وحكي أن الرئيس المغفور له رفيق الحريري قد أقنعه بتولي مهام حاكمية مصرف لبنان بعد أن أغدق عليه بعض المكتسبات المالية، والتي لم ترق لما كان يتقاضاه في ميريلانش.
حظي رياض سلامة طيلة فترة ولايته والتي جددت لأربع مرات بكل الإحترام والتقدير وعلى كافة المستويات الدولية والإقليمية والمحلية. ولطالما أُدرج اسمه بين أفضل حكام المصارف المركزية، بل في صدارة بعضها. لقد كان سلامة المصدر الثاني لثقة المواطنين والعرب بالعملة اللبنانية الوطنية بعد الرئيس رفيق الحريري ولحين استشهاد الأخير، حيث أضحى يحتل المقام الإول ،وربما الأوحد كمصدر للثقة بها. ولطالما كان محط أنظار اللبنانيين عامة، والمتعاطين بالشأنين السياسي والاقتصادي- المالي بخاصة، وكانت الأنظار تشخص إليه، والآذان تنصت إلى ما سيدلي به في إطلالاته القليلة على محطات إعلامية كان يختارها بعناية، كما برسالات الإطمئنان التي كان يطلقها خلال المؤتمرات والندوات التي كانت تجرى برعايته او يشارك فيها. ولا يستغربَنَّ أحد إن قلنا أنه يصعب علينا حصر حفلات التكريم التي حظي بها خلال العقود الثلاثة الفائته.
نعم لقد كان رياض سلامة رمزا وطنيا، ونجما دوليَّا في مجال العمل المالي والمصرفي بالتحديد، ولقد تميز بوجهه البشوش، وبمقولاته المُطمئنة، وبمقابلاته التي تزرع الثقة لدى سامعيها.أما رياض سلامة اليوم فلم يعد بالنسبة لنا ولكثيرين غيرنا رياض سلامة الذي عرفناه في عصر رفيق الحريري.
رياض سلامة اليوم لم نعد نراه بهي الطلة واثقا بنفسه كما كنا نراه من قبل. لقد تحولت نضارة وجهه إلى اللون الشاحب، واخذت أجوبته على كثير من الاسئلة المحقة التي تراود اللبنانيين وتقض مضاجعهم، وبدلا من حفلات التكريم والثناء ها هو يُهان على كل المِنصات، وفي كل السَّاحات وعبر آلاف الألسن جهارة، فالقاصي والداني يتطاول عليه، ويُحمِّله المسؤولية وكأنه مسؤول بمفرده عن الانهيار الاقتصادي والمالي، وهو يلوذ بصمت رهيب إلى حد يدعونا للريبة والتساؤل لما كل ذاك الصمت؟ هل لديه من معلومات يمكن أن "تخرب" البلد إن أفصح عنها، ام انه غارق في مسؤوليته عن الأزمة كما السياسبين الذين عاصرهم، ام لأنه تخاذل عن القيام بواجبه الوظيفي في مجاراتهم ومسايرتهم على حساب مالية الدولة والوضعين الاقتصادي والمالي؟ ام انه لم يكن يتمتع بالجرأة الكافية ليقول لا لإملاءات السياسيين غير المدروسة وغير القانونية، وعدم مكاشفته للرأي العام اولا بأول؟ ما سبب صمته وسكوته كل تلك السنوات ،وليفاجئنا كما سياسيينا وفجأة ان الوضع المالي في لبنان لا نحسد عليه!!!!
رياض سلامة يٌحمَّل اليوم جهارة مسؤوليَّة الإنهيار الإقتصادي والمالي، والبعض يحمله وزر انهيار القطاع المصرفي، وبعض آخر يحمله تبعات انهيار العملة الوطنية وكثر يحملونه ويحملونه….ولما الاستغراب ؟ قد تكون ملاحقته قضائيا مطلبا لبعض الجهات، وربما يلاحقونه أمام محاكم جزائية؟ لا شيء يمنع ذلك وإن كان المنطق يقول إن الأزمة في الأساس هي أزمة أداء سياسي مرتجل وغير مدروس ولا موزون. باختصار تصرف غير مسؤول، متوارث ومزمن وعلى امتداد ثلاثة عقود، ولكن بالطَّبع لهذا الأداء السياسي انعكاسات اقتصاديَّة وماليَّة خطيرة ، أداء هابط لا مثيل له على مستوى المعمورة، يقوم على المحاصصة وابتزاز كل فريق سياسي للآخر بهدف تحقيق مكاسب شخصية أو فئويَّة. ممارسات لا مسؤولة اوصلتنا مُجتمعة إلى ما نحن عليه من أزمات مُتشابكة، كل منها كافية بهدم مُقدرات بلد برمتها.
رياض سلامة وإن يكن ليس مسؤولا عن أزماتنا السياسيَّة والاقتصاديَّة، إلا اننا لا نستطيع تبرئته كُلُيا من تبعات الأزمة الماليَّة، لا لشيء سوى لسكوته عن سوء أداء السياسيين او انصياعه لرغباتهم وإملاءاتهم غير المدروسة أو غير المبررة، او لمجاراته لسوء تعاطيهم بالأمور السياسيَّة أو إدارتهم لازماتها والتي بالإجمال كانت تقوم على تغليب المصالح الخارجيَّة والداخليَّة الفئويَّة والشخصيَّة على المصلحة الوطنيَّة.
رياض سلامة ، إن يكن اليوم ضحيَّة كل المؤامرات والمٌماحكات والابتزاز السياسي المزمن، فهو على الأقل يتحمل مسؤوليَّة صمته وسكوته عما كان يحصل، هذا إن لم يكن غارقا بهدسات مالية مشبوهة!!!!
ثمَّة مُحاولات متكررة ومتنوعة ومختلفة المصدر لتحميله مُنفردا تبعات كل المُمارسات التي اوصلت البلد إلى وضعه المأزوم. رياض سلامة عاجلا أم آجلا سيُقدَّم كقربان لإرضاء الآلهة الأصنام الذين نصَّبوا أنفُسهم رعاة لشعب لا ينفك عن الانسياق خلف الشائعات، ولا يستجيب سوى لإيماءات الزعيم وأخذ رضى الأزلام المُحيطين به،وتحت شعار "بالروح بالدم نفديك يا زعيم…"
رياض سلامة.. إننا نتساءل لماذا لا تستقيل، وما هو الامر الذي يدعوك للتمسك بمنصبك؟ استقل فتُريح وترتاح، أفسِح لهم المجال.. لماذا تقف حجر عثرة في وجه "إصلاحاتهم السياسيَّة"، ورؤاهم الرياديَّة للخروج من الكبوة الاقتصاديَّة- الماليَّة، وإن كنا مقتنعين بانعدام الصلاح في كل من تلوثت يده في تقويض مقومات وطننا، وسرقة ثرواته الطبيعية، ونهب خيراته، وسرقة واختلاس الأموال العامة وسرقة أموال الطبقة الكادِحة…..
أدعوك مخلصا ان تفسح المجال لهم لتدبير الوضع المالي، والتاريخ سيحكم، اما نحن فنرى أن البلد أمام خيارين اثنين لا ثالث لهما: سيء وأسوأ. اترك لهم ناصية الشِّراع ولتَسرح سفينة الوطن على غاربها فالرب راعيها… وعلام الخشية، نحن سائرون حتما إلى الانهيار، لا أمل ولا رجاء في تغيير في النهج او الإصلاح…. بل لا صلاح في زمرة تقاسمت خيرات البلد،وتكالبت على ثرواته، وبنت إمبراطوريات على حساب تعب الفقراء وعرق جبينهم. نصيحتي لك أن تتخلى عن الحاكميَّة. كانت تليق بك عندما حافظت على الاستقرار النقدي، كما على قيمة العملة الوطنية، واستقرار السوق المالية عامة، وكذلك على ازدهار المصارف اللبنانية وثقة اللبنانيين والاجانب بها و..اما وقد انهار كل ذلك فقد اضحى الشعب يتخبط في ازمات مالية اقتصادية معيشية تعجز عن معالجتها. كثر يرون اليوم انه لم يعد من مبرر لوجودك في سدة حاكمية مصرف لبنان.
لكل ذلك نقول لك ا ستقل بكرامة قبل أن تٌقال او … علَّه باستقالتك تُكفُّ كافَّة الأبواق.
استقل رأفة بكرامة عزيز قوم ذلّ..والسلام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى