مرئي ومسموع

دور الاعلام الرقمي والاعلام العمومي في إعادة الإعتبار للمهنة ومؤسساتها المهنية والنقابية*

 


بقلم علي يوسف**
     لا شك أن الاعلام الرقمي والاعلام العمومي يتجهان لإعادة تصويب الواقع الاعلامي في حال تم وضع الأسس القانونية والتنظيمية لهما بما يخدم هذا التصويب وأن يترافق ذلك مع وضع الشرع الوطنية للإعلام في إطار تعزيز الاخلاقيات المهنية وبآلية تمكن المؤسسات النقابية من أخذ مسؤوليتها في عمليتي الرقابة والمحاسبة.
       ومما لا شك فيه أن الاعلام الرقمي والاعلام العمومي يتجهان ليرسما مستقبل الاعلام مهنياً ومؤسساتيا وتشريعات. كما يمكن من خلالهما إعادة تصويب الهياكل والمؤسسات النقابية الاعلامية بما يعزز المهنة من جهة ومن جهة ثانية الحريات الإعلامية.
       ويمكن اعتبار هذه المقدمة خارطة طريق لما سوف اتحدث عنه ولعل افضل ما يمكن البدء به هو الإشاره إلى الظروف التي أدت إلى نشوء الاعلام الرقمي والى العودة الى الاعلام العمومي بصيغ جديدة بعد ان كان الحديث عن اهمية الاعلام العمومي بمثابة انتماء للفكر الخشبي المرتبط بالسلطة وأدواتها.
       ويمكن ان نشير في الحديث عن الظروف الى :
1-  معلوم ان ثورة الاتصالات أدت الى عولمة الاعلام والى خرق جميع الحدود والسياسات والتشريعات والانظمة القطرية او الاقليمية. مما أعطى الاعلام دوراً كبيراً بات قادراً معه أن يتحول الى سلاح له انعكاسات سياسية واقتصادية والاجتماعية وثقافية الخ…
2-  ان هذه العولمة أدت الى بروز حاجات تمويلية كبيرة لمؤسسات الاعلام التقليدي الورقية والمرئية والمسموعة مما أدى الى سيطرة الدول الغنية والشركات الكبرى والاثرياء والمافيات على وسائل الإعلام وبالتالي اخضاع هذا الاعلام لسياسات واهداف الممولين ومن وراءهم على مختلف المستويات.
3-  كما أن هذه العولمة والحاجات المالية أدت الى اقفال عدد كبير من المؤسسات  الصحفية القطرية وخصوصاً في الدول الفقيرة. مما اضعف الواقع المهني والمؤسسات النقابية للصحافيين وجعل أعداد كبيرة منهم عاطلين عن العمل.
4-  ضرب الاعلام التقليدي للحكومات الأمر الذي همش السوق المهني وأضعف من اهتمام الحكومات بالاعلام في مجالات التمويل والتشريعات وحقوق الصحافيين.
5-  تراجع دور النقابات المهنية للصحافيين وبالتالي تراجع الدفاع عن حقوقهم وتراجع التمثيل الديمقراطي في المؤسسات النقابية وتحول معظم النقابات وخصوصاً في العالم العربي الى ما يشبه مؤسسات مدجّنة تابعة للسياسات الحكومية وغير فاعلة وتفاعلية لا مع المهنة ولا مع الصحافيين.
في ظل هذه التطورات جاء التطور التكنولوجي نفسه ليخلق صناعة اعلامية بآليات جديدة ووسائل جديدة غير مكلفة وقادرة على النفاذ من شرنقة الاحتكارات الاعلامية لخلق سوق اعلامية يحمل آفاقاً كبيرة يمكن من خلالها إعادة الاعتبار الى المهنة وإلى مؤسساتها وكذلك إعادة الاعتبار الى المؤسسات النقابية وحقوق الصحافيين.
وترافق ذلك مع نشاط قطري واسع يدعو لإعادة الإعتبار للاعلام العمومي على أن يكون بصيغ جديدة مهنية واستقلالية بحيث يشكل رداً على الاحتكارات الاعلامية من جهة ومن جهة ثانية لتقديم إعلام حر معني بقضايا الشعوب والقيم الانسانية والحريات .
ورغم ان تجربة الاعلام العمومي ما تزال في بداياتها ورغم ان انتشار الاعلام الرقمي جاء فوضوياً وبحيث يصعب تميزه وتمييزه عن وسائل التواصل الاجتماعي. ورغم استخدام الاعلام الرقمي كجيوش الكترونية الخ…
    إلا أن توسع الاعلام الرقمي وتزايد  القناعات بإعادة الاعتبار للإعلام العمومي تشكل مدخلاً حقيقياً لضرب الاحتكارات الاعلامية ولنشوء سوق اعلامي يعيد الاعتبار الى المهنة بحيث تعود صانعة للرأي العام الحر معززة بالحقيقة والحرية والاخلاقيات المهنية والثقافة ومنافسة من خلال الصدقية لاعلام الاحتكارات الاعلامية الهادف الى صناعة الحدث الذي يخدم سياسات ومصالح هذه الاحتكارات ولو كان بالتزوير والاكاذيب وتغيير الحقائق و "الحرية المفروضة".
كما أن توسع الاعلام الرقمي والاعلام العمومي الحر المستقل سوف ينشط السوق الاعلامي ويرفد المهنة بالعناصر الشابة التي تعيد احياء المؤسسات النقابية اما بإصلاح القائم الموجود منها أو من خلال انشاء نقابات جديدة فاعلة تمثل الصحافيين ديموقراطياً وتدافع عن مصالحهم وتعزز وتطور المهنة من خلال تشريعات تتلاءم والتطورات المهنية والتكنولوجية ومن خلال تعزيز اخلاقيات المهنة.
إلاّ أن الشرط الاساسي لكل ذلك هو وضع التشريعات التي تنظم الاعلام الرقمي وتميزه عن وسائل التواصل الاجتماعي وتحول مؤسساته الى مؤسسات مهنية صحافية بدل ان تكون مواقع لتداول الاخبار والاخبارات. وكذلك وضع التشريعات التي تكفل تحول  الاعلام العمومي من اعلام تابع للسلطة وللحكومة الى اعلام حر ومستقل يلتزم أصول المهنة.
وأول ما يجب فعله في هذا المجال هو الوصول الى إصدار قانون يقضي بانشاء مجلس أعلى للإعلام بمثابة هيئة ناظمة منتخباً من المجالس النيابية لمرشحين مهنيين من الصحافيين وأصحاب المؤسسات الصحافية والمؤسسات النقابية المهنية المعنية كمهندسي الاتصالات والمحامين ويكون بديلاً لوزارات الاعلام. ويعطى هذا المجلس صلاحيات واسعة في وضع الأطر التنظيمية والشروط المهنية والقانونية والمالية لإنشاء المواقع الاخبارية الرقمية وإطار إدارة الاعلام العمومي وإنشاء مؤسسات الاعلام المرئي والمسموع ومراقبتها وفق آلية تحددها شرعة وطنية للاعلام تضعها النقابات المهنية وتقر من قبل الحكومة ومجلس النواب.
ويفترض أن يعطى هذا المجلس صلاحيات واسعة في الحكومة ومجلس النواب كل في مجال اختصاصه وبناء لاقتراح المجلس وعلى أن يحفظ للقضاء حق نقض قرارات هذا المجلس في حالات التعسف والتمادي في استعمال السلطة ومخالفة الصلاحيات، ان في الترخيص وفق للصلاحيات، أو في المراقبة والعقوبات المهنية وفقاً للشرعة الوطنية للاعلام.
وتجدر الاشارة هنا إلى أن أمام مجلس النواب اللبناني الآن مشروع قانون للاعلام يحمل هذه التوجهات ونأمل اقراره رغم شكوكنا في ذلك. ولكن سنسعى الى هذا الهدف.
إعادة الاعتبار للمؤسسات النقابية
إن هذه الثورة في الاعلام ان صح التعبير سوف يكون لها انعكاساً مهماً في مجال احياء المؤسسات النقابية المهنية للصحفيين بحيث تبعت الأعداد الكبيرة والشابة التي ستدخل المهنة الحياة في المؤسسات النقابية وتفرض اعادة هيكلتها على  أسس ديموقراطية.
وسيكون لذلك ولا شك انعكاس كبير على اتحاد الصحفيين العرب الذي يعيش حالة موت سريري مهنياً منذ انشائه وحالة موت سريري لدوره القومي نتيجة الخلافات بين الحكومات مما ينعكس خلافات بين النقابات الاعضاء التي تتبع بمعظمها لحكوماتها…
وكم كان مفيداً لو أن الاتحاد العام للصحفيين العرب كان مؤسسة مهنية ناشطة ديموقراطية تتمتع بالحرية والاستقلالية لكان لعب دوراً مهماً في دفع هذه الثورة الاعلامية التي تشكل في حال أحسنّا وضع الاستراتيحيات الملائمة لها ثورة إصلاحية.
إلاّ اننا أمام الواقع الراهن للاتحاد لا يسعنا إلاّ الرهان على الكادرات الطليعية الثقافية والاعلامية في البلدان العربية وعلى طموحات وآمال ونشاط الجيل الجديد التواق الى ثورة اعلامية تشكل بديلاً عن الاعلام الاحتكاري الراهن والى ثورة نقابية تعيد الحياة للمؤسسات النقابية وتعيد هيكلتها.
كما أننا نحيي الدور الطليعي للاتحاد الدولي للصحفيين في دفع موضوع تنظيم واطلاق وتوسيع الاعلام الرقمي وتنظيم الندوات والنشاطات وتحفيز الشباب على الانخراط في هذا التوجه وكذلك في اعطاء وترويج الاسس اللازمة والشروط لتوسيع الاعلام العمومي الحر والمستقل.
ولعل إصلاح وضع الاتحاد العام للصحفيين العرب مهمة قد تكون مستحيلة من خلال الواقع الحالي للاتحاد وتتطلب عملاً طويلاً وشاقاً يبدأ باصلاح وضع النقابات الاعضاء وبدعم من الاتحاد الدولي ومن خلال التشارك في هذه المهمة بين الكادرات الطليعية والاتحاد والحركات والتطلعات الشبابية التي يفترض تعزيزها وتأطيرها بحيث تصبح اهدافها واضحة ووسائل الوصول الى هذه الاهداف واضحة.

الخاتمة
إننا أمام مهمات صعبة في ظل أوضاع غير مستقره في البلدان العربية وفي ظل جائحة كورونا وفي ظل قوانين طوارئ وفي ظل عدد كبير من الحروب وعدم الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي.
    إلا أن النفاذ نحو الفرص المتاحة أو صناعة الفرص يتطلب معرفة المشكلات وتحديد الاهداف وتحديد وسائل الوصول الى هذه الاهداف لكي تستطيع الارادة معززة بالعمل الدؤوب الولوج الى الأفضل.
ولأن مجالنا الإعلام فقد حصرنا بحثنا به.

*نص محاضرة ألقيت في الاجتماع الرقمي الذي نظمه الاتحاد الدولي للصحفيين في 17-2-2021 حول الاعلام بعد الربيع العربي
**عضو مجلس نقابة محرري الصحافة اللبنانية وأمين الصندوق ي النقابة

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى