حين يتكلّم السفهاء.. يصمت العقل وتُستهدف الأوطان (أسامة مشيمش)

بقلم الدكتور أسامه توفيق مشيمش – الحوارنيوز
يُروى عن جورج برنارد شو قوله: “إذا قرأ الغبي الكثير من الكتب، فإنه سيتحول إلى غبي مزعج وخطير، لأنه سيصبح واثقاً من نفسه.” وهي مقولة تختصر جانباً من مشهدنا اللبناني الراهن، حيث لم يعد الخطر في الجهل وحده، بل في الجهل المتسلح بمنابر الإعلام، وبالمنصات الرقمية، وبالدعم السياسي الخارجي، حتى بات بعض السفهاء يظنون أن كثرة ما يرددونه من شعارات تمنحهم حق احتكار الحقيقة.
في كل محطة يمر بها لبنان، ولا سيما في أوقات الأزمات والاعتداءات، يخرج علينا من يجعل من المقاومة هدفاً دائماً للاتهام، لا بالنقد الموضوعي، بل بالشماتة والتشفي، وكأن المطلوب أن يتحول الانقسام الداخلي إلى سلاح يُشهر في وجه الوطن قبل أن يُشهر في وجه الخصوم. والمفارقة أن هؤلاء لا يكتفون بمواقفهم السياسية، بل يستثمرون كل حملة خارجية، وكل ضغط دولي، وكل خطاب معادٍ للمقاومة، ليعيدوا إنتاجه محلياً بلهجة أكثر قسوة مما يقوله أصحاب تلك الحملات أنفسهم.
ليس المقصود هنا إلغاء حق الاختلاف السياسي، فالاختلاف سنّة طبيعية في المجتمعات الحرة، لكن الفرق كبير بين النقد المسؤول وبين التهجم الذي يتحول إلى وسيلة لإضعاف الجبهة الداخلية، وإلى مادة يستثمرها كل من يريد بلبنان سوءاً. فحين يصبح الخطاب الداخلي نسخة عن خطاب الخصوم، وحين يتحول بعض أبناء الوطن إلى صدى لحملات التشويه الخارجية، فإن القضية لم تعد مجرد رأي سياسي، بل أصبحت أزمة في فهم معنى الانتماء الوطني.
إن أخطر ما في هذه المرحلة أن بعض الأصوات تتحدث بثقة مطلقة، وكأنها تمتلك الحقيقة الكاملة، بينما تتجاهل تعقيدات الواقع اللبناني والإقليمي، وتتغافل عن تاريخ طويل من الصراعات والاعتداءات والتضحيات. وهنا تستحضرنا حكمة برنارد شو؛ فالثقة التي لا تستند إلى معرفة عميقة تتحول إلى غرور فكري، والغرور الفكري هو أول أبواب الفتنة.
لقد علّمنا التاريخ أن الأوطان لا تُهزم فقط بالسلاح، بل قد تُهزم أيضاً حين يفقد أبناؤها القدرة على التمييز بين المعارضة الوطنية المشروعة وبين الخطاب الذي يخدم، عن قصد أو عن غير قصد، أجندات الخارج. فكم من معركة إعلامية كانت أشد أثراً من معركة عسكرية، وكم من كلمة أُطلقت في لحظة انفعال أصبحت لاحقاً وثيقة يستند إليها خصوم الوطن.
إن لبنان اليوم أحوج ما يكون إلى خطاب عقلاني يوازن بين حق المحاسبة وواجب حماية السلم الأهلي، وبين حرية التعبير ومسؤولية الكلمة. فلا يجوز أن تتحول الحرية إلى منصة للإساءة والتخوين والتحريض، ولا أن يصبح الاختلاف ذريعة لتفكيك ما تبقى من عناصر القوة الوطنية.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل لبناني على نفسه: هل نريد أن نكون شركاء في صناعة مستقبل هذا الوطن، أم مجرد أدوات في معارك الآخرين؟ فالكلمات ليست بريئة دائماً، والمواقف ليست معزولة عن نتائجها، ومن يظن أن التهجم المستمر على عناصر القوة في وطنه سيمنحه مكانة أو انتصاراً سياسياً، قد يكتشف متأخراً أنه ساهم في إضعاف البيت الذي يعيش فيه.
إن الحكمة لا تقاس بارتفاع الصوت، ولا بكثرة المتابعين، ولا بجرأة الاتهامات، وإنما تقاس بقدرة الإنسان على أن يضع مصلحة وطنه فوق الانفعالات، وأن يدرك أن الأوطان تُبنى بالعقل، لا بضجيج السفهاء.



