سياسةمحليات لبنانية

حوار في العمق مع د.علي فاعور*: ماذا ينتظر لبنان في عام ٢٠٢٢؟

تسارع التحولات الديموغرافية سيؤدي إلى تغيير وجه لبنان

كتب محمد هاني شقير:

يتعرض الشعب اللبناني في هذه الأيام لواحدة من أسوأ الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والجغرافية والديموغرافية التي تزداد وتيرتها بشكل متسارع ،ومن دون وجود أي أثر ايجابي للدولة ومؤسساتها، لا بل في ظل صمتها المريب الذي تمارسه تجاه الشعب اللبناني وكل المقيمين في لبنان، من خلال الصراع على الحصص، وإستمرار الفراغ السياسي الذي أدى إلى تعطيل مؤسسات الدولة، وإنتشار البطالة وتزايد معدلات الفقر والحرمان، ما أدى إلى تسارع موجات الهجرة إلى الخارج، ثم إفراغ لبنان من موارده البشرية ..

في ظل هذه الظروف القاتمة كان هذا الحوار المعمق مع الدكتور علي فاعور، الخبير في ابحاث السكان والهجرة، في جولة ميدانية ديموغرافية – اجتماعية – سياسية، نطلع خلالها على المتغيرات العميقة التي يتعرض لها المجتمع اللبناني محاولين إستشراف المرحلة المقبلة:

 

س:كيف تقيّم الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية، والمعاناة التي يعيشها الشعب اللبناني اليوم، نتيجة تدهور مستوى المعيشة وإنتشار الفقر، وتفاقم الأزمات خلال السنوات الأخيرة؟

ج:واجه لبنان خلال السنوات الثلاث الماضية تحديات إقتصادية وإجتماعية واسعة، كان  أبرزها إنفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020، ما أدى إلى دمار واسع في وسط العاصمة، وتوقف حركة المرفأ، وتعتبر كارثة بيروت، واحدة من أكبر الانفجارات في تاريخ البشرية . ثم كذلك إنتشار جائحة كوفيد 19 وما رافقها من إغلاق واسع ترافق مع إعلان التعبئة العامة في العاصمة بيروت والمدن الكبرى، فالأزمة المالية التي أدت إلى إعلان الحكومة في 7 آذار 2020، التوقف عن سداد سندات اليوروبوندز ، وهذا كان أول عحز عن سداد الديون السيادية في تاريخ لبنان، كما تم حجز مدخرات اللبنانيين وتدهور قيمة العملة الوطنية، وإرتفاع معدلات البطالة، ثم تراجع القدرة الشرائية، وتفاقم التضخم، ما فاقم  الضغوط والأعباء المعيشية الناجمة عن الإنهيار الإقتصادي،  وعدم الإستقرار السياسي، والتي تتحملها الأسر التي خسرت مواردها ومصادر رزقها.

ويتبيّن من  الدراسة الحديثة التي نشرتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، بعنوان: “الفقر المتعدد الأبعاد في لبنان 2019-2021، واقع أليم وآفاق مبهمة”، ايلول عام 2021، إلى أن العدد الإجمالي للفقراء من اللبنانيين من خلال قياس مستوى الدخل،  قد تزايد بشكل سريع ليشمل نحو أربعة ملايين نسمة، أو ما مجموعه مليون أسرة من السكان المقيمين في لبنان (بينها 77 % من ألأسر اللبنانية، أي ما يوازي 745,000 أسرة لبنانية).

هذه الصدمات مجتمعة، أدت إلى إنتشار الحرمان على نطاق واسع  بين السكان اللبنانيين وغير اللبنانيين، حيث ارتفعت نسبة الفقراء من 28% عام 2019، إلى 55% عام 2020، لتبلغ 74 في المائة من مجموع السكان عام 2021، وفي حال مراعاة كل الظروف المعيشية، والتوسع  في قياس الأبعاد الأخرى كالصحة والحصول على الدواء، والتعليم والعمل، والكهرباء والخدمات العامة، ترتفع نسبة الذين يعيشون في فقر متعدد الأبعاد، أي حالة الحرمان في بعدين أو أكثر من أبعاد الفقر،  إلى  82% من السكان تحت عتبة الفقر (بعد أن كانت تبلغ 42% عام 2019).

س:هل هذه البقعة الجغرافية البالغة مساحتها ١٠٤٥٢ كلم تختزن من المقومات والبنى ما يؤمن حاجيات المقيمين عليها ومساحة قادرة على استيعابهم؟

ج:برغم مساحة لبنان الجغرافية الصغيرة، لكنها غنية بمواردها الطبيعية، وبخاصة الطبيعة الجبلية الرائعة ، بحيث أن نحو ثلث مساحة لبنان تقع فوق إرتفاع 1500 متراً، بالإضافة إلى  كثرة الينابيع والأنهار في الساحل والداخل،  ثم توفر المياه  العذبة في الطبقات الجيولوجيا القريبة من سطح الأرض، تضاف إليها توفر أشعة الشمس والرياح الغربية حيث بالإمكان توليد الطاقة النظيفة، بحيث أننا نشتري المياه ولدينا 17 نهر دائمة الجريان، ونتسوّل الطحين ولدينا سهل البقاع الذي كان يموّن الإمبراطورية الرومانية..نعيش في ظلام ونعاني أزمة كهرباء ولدينا في سفوحنا الجبلية نحو 3000 ساعة شمس سنوياً.. كما أننا نعيشكارثة بيئية تهدد السكان نتيجة تلوّث مياه الأنهر في البردوني والقرعون ونهر الليطاني الذي تحوّل إلى مكب للنفايات والصرف الصحي..

لقد فشلت الدولة في تنظيم  إستخدامات الأراضي وتخطيط الحدود البرية والبحرية حيث تتفاقم المشاكل اليوم، ذلك أن أكثر من نصف مساحة الأراضي اللبنانية لا زالت من دون تخطيط، حيث يجري إحتلال أراضي المشاعات، كما تم إحتلال مساحات واسعة من الشواطئ البحرية، وكذلك تم تشريع عمل الكسارات  التي دمرت ولوّثت البيئة في كامل الأراضي اللبنانية..

يُضاف إلى كل هذا أيضاً فشل الدولة في تنظيم إستقبال النازحين السوريين، ومنع التهريب عبر الحدود البرية، مما أدى إلى تحويل كامل الأراضي اللبنانية إلى مخيّم كبير، إذ يعتبر لبنان اليوم البلد الأول في العالم من حيث كثافة اللاجئين على أرضه، وكثافة اللاجئين بالنسبة إلى عدد سكانه، وذلك بعد مضي أكثر من عشر سنوات على بدء النزوح السوري، وبعد مضي أكثر من 70 عاماً على الوجود الفلسطيني في لبنان.

س: ما هي الخريطة البشرية لتوزع المقيمين (لبنانيين وغير لبنانيين) في لبنان؟

ج: يعتبر لبنان البلد الوحيد  في العالم من حيث تاریخ التعداد السكاني الأول والأخیر والذي يرجع إلى العام 1932 ، فبلغ عدد السكان 1,046,164 نسمة، ومنذ تلك الفترة وطيلة نحو 88 سنة، یستمر لبنان بتجاھل إجراء التعداد  السكاني، بحيث أنه لا يعرف أعداد المقيمين على أرضه، ولا حتى أعداد  المهاجرين  اللبنانيين وتوزيعاتهم بحسب البلدان والقارات. وذلك لعدم الكشف عن التغيير الواسع في التركیبة الطائفیة،وللحفاظعلى إتفاق تطبيق المناصفة، وحمایة التوازن القائم في توزیع الحصص بین المسلمین والمسیحیین..

لھذا یستمر لبنان بإعتماد سجلات قید النفوس التي تصدرھا المدیریة   العامة للأحوال الشخصیة في وزارة الداخلیة، والتي تتضمن  أعداد  كافة السكان اللبنانيين، المقیمین منھم والمھاجرین في الخارج، وهو لا زال يعتمد إجراء الإنتخابات النيابية وفق بيانات القيد العائدة لعام 1932، وذلك من دون تحديث برغم مرور الزمن، وبلا أي إعتبار للتوزيعات السكانية القائمة على الأرض، بحيث يتم توزيع السكان الناخبين (21 سنة وأكثر) بحسب سجلاتهم الجغرافية،  ومن دون أي إعتبار للتوزيعات الحالية في أماكن إقامتهم.. ذلك أن نحو ثلث اللبنانيين المقيمين لا يقطنون في مكان قيدهم في سجلات النفوس، وقد بلغت النسبة الاكبر لهذه الفئة في قضاء جزين 64,9 في المائة، والنسبة الادنى في المتن 10,7  في المائة، اما في العاصمة بيروت فقد بلغت نسبة غير المقيمين نحو  58,4 في المائة.

ویتبیّن بحسب المسح الأخیر الذي أجرته إدارة الإحصاء المركزي عام       2018 ، أن عدد السكان المقیمین في لبنان قد بلغ نحو أربعة ملايين و800 ألف نسمة (لا یشمل هذا العدد المخیمات الفلسطینیة ومحیطھا، ولا یغطي الوحدات غیر         السكنیة للنازحین السوريين وغيرهم)،بینمابلغ عدد اللبنانیین منھم نحو 3,8 ملیون نسمة یمثلون 80  في المائة من مجموع المقیمین، في مقابل 20 في المائة لغير اللبنانيين..

أما بالنسبة إلى توزع المقيمين حسب المحافظات، فقد جاءت محافظة جبل لبنان في المركز الأول،  حيث يُقيم فيها نحو 42 في المائة من مجمل المقيمين، أما النسبة الأصغر فكانت من نصيب محافظة بعلبك الهرمل التي ضمت 5.1 في المائة  فقط من المقيمين، بينما تراجع سكان العاصمة بيروت إلى نحو 7.1% من المقيمين في لبنان.

أما التوزيعات السكانية على مستوى الاقضية، فقد جاء قضاء بعبدا في المرتبة الأولى حيث ضم 11,4 في المائة من مجمل اللبنانيين المقيمين، بينما  جاء قضاء بشري في المرتبة الأخيرة بنسبة متدنية بلغت 0,5 في المائة من المقيمين في لبنان.

(لاحظ خريطة توزيع السكان المقيمين في لبنان بحسب الأقضية عام 2018، الخريطة المرفقة،  حيث بلغ إجمالي عدد المقيمين 4,842,000 نسمة، وكانت نسبة اللبنانيين 80 في المائة وعددهم 3,862,000 نسمة، بينما بلغ عدد غير اللبنانيين 978,000 نسمة يمثلون نحو 20 في المائة، علماً أن هذا المسح السكاني لا يشمل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، ولا يُغطي الوحدات غير السكنية للنازحين السوريين، والتجمعات المجاورة لها).

 

كما يمكن تقديرعدد اللبنانیین المقیمین في الخارج بنحو ملیوني نسمة، یمثلون ما یعادل ثلث مجمل السكان المسجلین في لوائح قید النفوس. بینما تشیر آخر توقعات دولیة أجرتھا شعبة السكان في الأمم المتحدة أن عدد المقیمین في     لبنان یبلغ نحو 6,825,000 نسمة  (توقعات عام2020).

أما أرقام التوزيعات السكانية القائمة على الأرض فهي تكشف بوضوح  تزايد أعداد المقيمين من غير اللبنانيين، بحيث يمكن تقدير عددهم بنحو 3,720,000 نسمة، وتأتي في المقدمة اعداد النازحين السوريين، والتي باتت تُقدر بنحو مليوني نسمة، وهي تضم النازحين منذ قرابة عشر سنوات، والعمال السوريين المقيمين في لبنان قبل بدء الأزمة السورية، تضاف إليهم أعداد اللاجئين العراقيين الوافدين من العراق ومن سوريا (ويُقدر عددهم بنحو 1,300,000 نسمة  )، بالإضافة إلى اللاجئين الفلسطينيين (450,000 لاجئ مع اللاجئين الفلسطينيين الوافدين من سوريا)، فضلاً عن أعداد كبيرة من العاملات والعمال العرب والأجانب والعمال غير الشرعيين، ومجموعة كبيرة من الأشخاص غير المجنسين، ومكتومي القيد، والذين ولدوا بلا هوية ومعظمهم من أطفال اللاجئين…

س:هل توجد لديكم أرقام وإحصاءات حول أعمار المقيمين حاليا من اللبنانيين، وتوزيعاتهم حسب المناطق الجغرافية، بالمقارنة مع أعمار اللاجئين من غير اللبنانيين….

 

ج:بالنسبة لتوزيعات اللبنانيين المقيمين بحسب الفئات العمرية، نلاحظ أن فئة صغار السن (ممن هم دون 15 سنة)، قد بلغت 21 في المائة، في حين أن نسبة كبار السن من عمر 65 سنة وما فوق، قد شكلت 13,1 في المائة ، (بعد أن كانت هذه الفئة تمثل 4,9 في المائة عام 1970، ثم 9 في المائة عام 2007)،  أي أن نسبة الفئة العمرية (15-64 سنة) تبلغ 66 في المائة، هذا مع وجود تفاوت شاسع على مستوى الأقضية اللبنانية؛ ففي حين تبلغ نسبة كبار السن أعلاها في قضاء جزين (أكثر من 18 في المائة) وفي أقضية كسروان وبشري وبيروت (أكثر من 16 في المائة)، فهي تنخفض إلى  حدود 6 في المائة في عكار، و 6,5 في المائة في المنية- الضنية، ونحو 7 في المائة في عالية.

وما يسترعي الإنتباه في التوزيعات العمرية بين المقيمين اللبنانيين، أن نسبة كبار السن في محافظة جبل لبنان ترتفع لتبلغ  18,6 في المائة، ثم  16,1 في بيروت، ثم تنخفض إلى أدنى مستوى في محافظة عكار لتبلغ 7,2 في المائة وفي بعلبك الهرمل 8,8 في المائة، أما نسبة صغار السن أقل من 15 سنة،  فهي تنخفض لتبلغ 16 في المائة في جبل لبنان،  مقابل 29,1 في المائة في عكار.

وتتسع الفروقات أكثر في الأقضية المسيحية في جبل لبنان بسبب انخفاض معدلات الخصوبة إلى مستوى الطفل الواحد في الأسرة، بينما يقابلها إرتفاع  في أعداد المسنين، ويتميز الهرم السكاني فيها بالتوجه نحو الشيخوخة المبكرة..

أما بالنسبة لأعمار اللاجئين من غير اللبنانيين فتبدو الفروقات شاسعة، بحيث أن نسبة صغار السن ترتفع لتبلغ 36 في المائة، بينما تنخفض نسبة كبار السن إلى حدود 2 في المائة فقط. أما المقيمون في سن العمل فتبلغ نسبتهم 62 في المائة.

أما مقارنة الفئة العمرية من الأطفال دون خمس سنوات، فيلاحظ أن النسبة تبلغ 6,3 بين اللبنانيين كمتوسط عام، بينما هي ترتفع لتبلغ نحو 14 في المائة لدى غير اللبنانيين.

وفي المقارنة بين هرمي السكان العائدين للمقيمين اللبنانيين وغير اللبنانيين، يظهر بوضوح أن تركيبة هرم غير اللبنانيين تبدو فتية أكثر بكثير من هرم السكان اللبنانيين الذي تغلب عليه علامات الشيخوخة.

 س: هل هذا مؤشر على رؤية مجتمع لبناني كهل في مقابل مجتمعات عربية شابة تقيم في لبنان، مما يجعل اللبناني في حالة فقدان توازن اجتماعي أمام ثبات توازن الآخرين؟

 

‏ج: يواجه لبنان اليوم تحولات ديموغرافية متسارعة لم يعرفها في تاريخه، تتعلق من ناحية بتراجع النمو الطبيعي للسكان وتناقص عدد اللبنانيين بسبب الهجرة وشيخوخة السكان؛ وتعتبر الأرقام السابقة التي ذكرناها حول الخلل الديموغرافي في لبنان، وبخاصة إنخفاض حجم الأسرة، وإرتفاع معدلات الطلاق… والترمل ،‏ كمؤشرات لشيخوخة سكان لبنان، الناجمة عن تفشي الفساد الحكومي وازمة البطالة وتأثير هجرة الشباب، يقابلها إنخفاض مستويات الخصوبة وتراجع في عدد الولادات، وتأخر سن الزواج وتزايد عدد كبار السن، وتغّير معدل الوفيات، مما يؤدي إلى شيخوخة السكان، وهذا ما تكشفه أرقام التوزيعات العمرية.. والنتيجة النهائية أن تسارع التحولات الديموغرافية سوف تؤدي، وخلال السنوات القليلة القادمة إلى تغيير وجه لبنان.

لقد تزايد عدد النازحين السوريين المسجلين لدى المفوضية العليا للاجئين من 9,106 نازح في  آذار عام 2012 إلى 1,173,327 نازح في آذار 2015، بينما يصل عددهم الإجمالي اليوم إلى 2,5 مليون نازح (مع غير المسجلين.. وممن لا تتوفر لديهم أوراق إقامة صالحة). كما ذكر تقرير البنك الدولي عام 2015، أن عدد المقيمين على الأراضي اللبنانية، من المولودين خارج لبنان، قد بلغ عددهم 1,997,776 نسمة (ما عدا السياح الوافدين إلى لبنان).

س: أمام كل تلك المعطيات كيف تتوقعون تطور الواقع الاجتماعي والاقتصادي في السنوات القليلة المقبلة؟

ج:تراجع الناتج المحلي الإجمالي في لبنان بنسبة كبيرة بلغت 66 في المائة خلال الفترة بين 2010 – 2020، حيث إنخفض إلى مستوى 18 مليار دولار، كما إرتفع العجز في الميزان التجاري إلى 7,8 مليار دولار عام 2020، وقد حذّر البنك الدولي، في تقرير صدر نهاية عام 2020، من أنّ لبنان “يعاني استنزافاً خطيراً للموارد، بما في ذلك رأس المال البشري، إذ باتت هجرة العقول تُمثل خياراً يائساً على نحو متزايد”، كما توقّع أن تكون الأزمة الاقتصادية “أعمق وأطول من معظم الأزمات الاقتصادية”، معتبراً أن “المساعدات الدولية الخاص يشكلان ضرورة لتحقيق الانتعاش وإعادة الإعمار الشاملين”، كما أكد أنّ “غياب التوافق  السياسي حول الأولويات الوطنية يعرقل بشدة قدرة لبنان على تنفيذ سياسات إنمائية متبصرة طويلة الأجل”.

ويلاحظ أنه برغم الجهود والمساعي التي ترعاها الدول الكبرى، لا تزال الصراعات السياسية والانقسامات القائمة داخل السلطة الحاكمة تعطل عمل الحكومة وتمنع تنفيذ الإصلاحات التي يطالب بها المجتمع الدولي لمساعدة لبنان.

قبل ثلاث سنوات مثلاً، وبحسب مجموعة بيانات غالوب لاستطلاعات الرأي الخاصة بالدولة (Gallup poll)، فقد قال 14 في المائة فقط من البالغين في لبنان إنهم كانوا يواجهون صعوبة  في تدبير المال لشراء الطعام ، وهو رقم قفز إلى 45 في المائة  في عام 2020 بعد انفجار ميناء بيروت وتفشي فيروس كورونا،  أما اليوم وبسبب عدم الاستقرار السياسي وعدم فعالية الحكومة، ونتيجة الصدمات الاقتصادية وإنهيار العملة الوطنية ،  فقد تزايدت أكلاف المعيشة بحيث أن أكثر من 85 في المائة من الأسر قد باتت تجد صعوبة بالغة في تحصيل قمة العيش، كما وأن واحد من كل ثلاثة أطفال ينام دون تناول الطعام يومياً (بحسب اليونيسيف)،كما يصرّح أكثر من نصف البالغين (53 في المائة)، أنهم يفتقرون إلى المال للطعام، وذلك بزيادة تقارب أربعة أضعاف منذ عام 2018.

أما أوضاع اللاجئين والنازحين، فقد أعلنت ​الأمم المتحدة، أن “​اللاجئين السوريين في لبنان، يكافحون للبقاء على قيد الحياة​ وسط أسوأ أزمة اجتماعية واقتصادية تضرب لبنان”. وأضاف تقرير للأمم المتحدة: “9 من كل 10 لاجئين سوريين لا يزالون يعيشون في فقر مدقع، وجميع اللاجئين السوريين تقريباً باتوا عاجزين عن توفير الحدّ الأدنى من الإنفاق، وغالبية اللاجئين السوريين يعتمدون على التسول أو اقتراض المال”.

وتابع التقرير: “60% من عائلات اللاجئين السوريين بلبنان يعيشون بمساكن معرضة للخطر، و30% من الأطفال اللاجئين السوريين لم يدخلوا المدرسة قط، و49% من عائلات اللاجئين يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وإذا ما إستمرت حالة تعطيل الدولة والصراعات السياسية القائمة، فسيكون لبنان أمام إنفجار إجتماعي  وفلتان أمني واسع، وربما تدخل البلاد في حرب أهلية  قد لا تحمد عقباها، إذا ما بقيت الامور سائبة والحلول الاقتصادية والمالية والاجتماعية غائبة..

س:  ما هي حدود مسؤوليات السلطة السياسية في الوصول إلى الحالة الراهنة من الترهل والتراجع على جميع الصعد؟

ج: يرزح لبنان منذ أكثر من عامين تحت وطأة أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية خانقة وفي توقيت تتواصل فيه خلافات المسؤولين اللبنانيين، وكلما حصلت محاولة لفتح ملفات الأموال المنهوبة والمهربة، أو محاسبة أحد السياسيين.. ترتفع الحواجز الطائفية والسياسية لمنع التقدم نحو محميات الفساد، حيث تنتفض رموز الفساد الحكومي تساندها بعض المرجعيات الدينية، لترسم الخطوط الحمراء، وتضع العراقيل، وتؤمن الغطاء اللازم لحماية الفاسدين.

إن السياسات الفاشلة في الحكم هي التي أدت إلى إنهيار لبنان وتهجير موارده البشرية، فمنذ نصف قرن كان يطلق على لبنان إسم “سويسرا الشرق” نظرا لشهرته السياحية وإستقطابه رؤوس الأعمال والمال، بالإضافة إلى تعدد الإتنيات والأديان، وما يملكه هذين الشعبين من طاقات إبداعية وتنوّع وتعدد في الثقافة والإبتكار.
لكن سياسة المحاصصة المعتمدة منذ ثلاثة عقود أدت إلى تفكك الدولة، ففي عام 2019 مثلاً، وبحسب ﺗﻘرﯾر اﻟﺗﻧﺎﻓﺳﯾﺔ اﻟﻌﺎﻟﻣﻲ   (Global Competitiveness Report 2019.)، تراجع تصنيف لبنان إلى مؤخرة ترتيب الدول العربية. بحسب الإنتاجية والنمو الإقتصادي ، بسبب الركود الإقتصادي والهدر والفساد الحكومي، وقد دفعت الأزمة لبنان للتخلف عن سداد ديونه في آذار عام 2020، وهواليوم في طريقه ليكون دولة فاشلة.

 

س:كيف نخرج من هذه المعضلة ونعيد التوازن بين اللبنانيين وبين المقيمين في لبنان؟.

ج:ان مهمة بناء الدولة، لا تبدو مستحيلة، لكنها لا تستقيم بمحاربة الفساد الإقتصادي وتحقيق الإصلاحات المالية والإدارية فقط، برغم الحاجة لها، بل هي تستوجب وضع خطة إصلاح شاملة لتطهير كافة مرافق الدولة، وتحصين المجتمع برفع الأيدي التي تعطل الشفافية وتمسك بقرار الحكم، وتفعيل الرقابة والمحاسبة من دون تدخل أو خطوط حمر، أو مظلات لتحييد الأزلام، وتغيير النهج المرتكز إلى المحاصصة الطائفية في النظام، بإعتبار أن “النظام قائم على الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها”(كما ورد في مقدمة إتفاق الطائف).

وهي مهمة تبدو صعبة في مواجهة الفساد المنتشر عبر شبكات توسعت وتغلغت في مفاصل الدولة اللبنانية منذ قرابة ثلاثة عقود، لكنها تبقى ممكنة لوقف التدهور الحاصل قبل الإنفجار الإجتماعي وقبل فوات الآوان.

المطلوب اليوم قبل الغد، تغيير سياسي عبر الإنتخابات النيابية القادمة، بحيث يتم إنتخاب وجوه جديدة لقيادة عملية الإصلاح والنهوض بالدولة، على قاعدة المواطنية والمساواة بين اللبنانيين، وتطبيق تجارب ناجحة توحي بالثقة لمحاربة الفساد وتغيير السياسات الفاشلة في الحكم.. وحماية الموارد البشرية والطبيعية في لبنان .

س:  هل تعرض وطن معين في العالم لتغير اجتماعي ديمغرافي شبيه لما يحصل في لبنان؟ وكيف كانت نهايته؟

ج:قال البنك الدولي في تقريره الدوري عن لبنان “إن البلاد يمكن أن تحتل المرتبة التالية مباشرة بعد تشيلي التي استغرقت 16 عامًا للتعافي من انهيارها عام 1926، وإسبانيا خلال حربها الأهلية في الثلاثينيات والتي كلفتها 26 عامًا”. وقدر البنك أن لبنان قد يستغرق ما بين 12 و19 عامًا للتعافي..

الوضع كارثي اليوم، لقد كان لبنان ضحية الإنقسامات السياسية القائمة على أرضه، كما كان الضحية في جميع المؤتمرات العربية والدولية، حيث لا توجد خارطة طريق محددة، ولا خطة رسمية لإدارة ملف النزوح، ولا أرقام  ولا مؤسسات،  فقد تم تحويل لبنان إلى خزان بشري ضخم يضم عدة ملايين من اللاجئين والنازحين والمكتومين والمهاجرين غير الشرعيين من مختلف الجنسيات، ففي عام 2013، وقبل نحو ثماني سنوات،  قالت آن ريتشارد، مساعدة وزير الخارجية الأمريكية، لشؤون السكان واللاجئين والهجرة، “ليس هناك الآن أي قرية أو مدينة واحدة في لبنان لم تتأثر بوجود اللاجئين السوريين”. ويعادل تدفق اللاجئين إلى لبنان الصغير تدفق 75 مليون انسان- أو ضعفي عدد سكان كندا – إلى الولايات المتحدة”…. ولكنها لاحظت أن لبنان “دفع ثمنًا باهظًا نتيجة لكرمه.

وهناك سيناريوهات للتوطين تتم دراستها ضمن مشروع خارطة الشرق الأوسط الجديد، وهي أكثر رعبا كونها تهدف إلى توتير الداخل  لتغيير التوازن الديموغرافي في لبنان

بينما يستمر لبنان وفي جميع المحافل الرسمية، يردد العبارة المعروفة، والمتفق عليها في الدستور “التوطين مرفوض”، لكن التوطين في الحقيقة قائم على الأرض بوجود اللاجئين والنازحين الذين تتزايد أعدادهم في مخيمات عشوائية بلا أرقام، تضاف إليهم عشرات الآلاف من المكتومين وعديمي الجنسية المقيمين على إمتداد الجغرافية اللبنانية وفي جميع المناطق والمدن الكبرى (وبخاصة في أحياء البؤس والضواحي الفقيرة)..

*  أستاذ الجغرافيا ورئيس مركز السكان والتنمية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى