دولياتسياسة

بين القدس وفيينا: تدافع الأزمان من وعد بلفور إلى الهيمنة الأميركية(نظير الجاهل)

 د. نظير جاهل – الحوارنيوز- خاص

 قد تكون صدفة أن يتزامن  الهجوم الصهيوني لتهويد القدس مع اندلاع الانتفاضة الشعبية في الداخل والمواجهة الصاروخية في غزة  مع المفاوضات  في فيينا . غير أنها صدفة بالغة الدلالة .إذ فيما يبدو الحدثان مفارقين  ،ينتميان إلى منطقين متعارضين وحقبتين تاريخيتين مختلفتين ، فإنهما يقعان فعليا في  سياق تاريخي واحد ويتجهان بالاتجاه نفسه . انهما المعبر من زمن التجزئة والاستيطان الذي شهد انهيار السلطنة العثمانية وسقوط المنطقة تحت الاحتلال في الحرب العالمية الأولى إلى زمن اكتمال سقوط نموذج الدولة القومية وتفكك الكيانات تحت وطأة الاحتلالات والحروب الأهلية التي تلت سقوط مصر وانفصالها عن المسألة القومية بعد كامب دايفيد . إنها لحظة انتقال كبرى بين مرحلتين ،انتقال من التحكم الغربي الشكلي بالقوة السافرة إلى التحكم بالهيمنة من الداخل .انتقال شهد تداخل  اشكال الصراع ووسائل التحكم التي تنتمي لهذين الزمنين وتدافعها وبلوغهما حد الانفصال وتبلور بنية الهيمنة في اللحظة الراهنة.

منطلق القراءة

 وإننا في هذه القراءة لخصوصية المرحلة التاريخية الراهنة، ننطلق  من أنّ ما يميز هذه المرحلة إجمالاً هو كونها مرحلة انتقالية من التحكم الاستعماري غير المباشر، عبر نظام الاستيطان وأنظمة التجزئة إلى مرحلة التحكم بالهيمنة  التي يرتسم نموذجها اليوم على أرض التطبيع بسيادة نموذج نيوليبرالي بقطيعة مع الذاكرة التاريخية.  غير أن هذا الانتقال لا يتم كمشروع سياسي هادف تضطلع به مراكز السيطرة العالمية كمشروع منسق ومتكامل يطبق عقلانية استراتيجية واضحة .إنه متطلب تاريخي ناتج عن تطور بنية السيطرة العالمية من جهة وترهل ادوات التحكم الاستعماري غير المباشر من جهة أخرى بما في ذلك أنظمة التجزئة وقدرة “اسرا ئيل” على إعادة إنتاجها بصورة مستمرة.

ترامب :كسر التوازن السلبي

لقد اتسم حقل التوازن الأميركي الإيراني الذي تشكل في سياق احتلال العراق وامتد منطقه إلى لبنان وسوريا فيما بعد بتدافع زمني الاستعمار القديم واشكال الهيمنة المستجدة.

بُنيت وجهة إدارة ترامب ظاهرا على الجمع بين هذين الزمنين المتناقضين في إطار صفقة القرن من خلال التطبيع من جهة والتهويد الاستيطاني والغاء الاتفاق النووي وكسر النفوذ الإيراني في المنطقة  من جهة مقابلة  . ومهما بدت هذه الوجهة لا عقلانية فإن ما يجري اليوم هو استكمال لها وليس متناقضاً معها.

وبالفعل دفعت هذه الوجهة الأطراف المتنازعة على ارضية التجزئة والاستيطان والتحكم الشكلي إلى صرف طاقتها وصرف مواقعها  التي بنتها في سياق الاحتلالات والحروب الأهلية ، وذلك من خلال ضرب حقل التوازنات التي كانت تسمح لها بالتحرك  والتحكم انطلاقاً من هذا الحقل ” بالواسطة”وتأجيل الصدام في ما بينها وامتلاك القدرة على المناكفة “والممانعة” لاكتساب مواقع  تمنحها من العبور الى داخل منظومة الهيمنة التي كانت وماتزال تتعمق باطراد،  بما يعمق حاجة  الأطراف الإقليمي إلى تسريع العبور الى  منطقها وتوازناتها . وهي تتعمق من خلال ممارسة الإدارات الاميركية لانواع متعددة من الضغوط والحصار الاقتصادي واستثمار الدمار الناتج عن الحروب الأهلية ونهب القوى السلطوية المرتهنة…

 لقد أدت مرحلة إدارة ترامب إلى ضرب التوازن السلبي مع إيران وضيقت دوائر المناورة ودمرت أو عطلت صيغة الساحات في العراق بعدم المواجهة مع الانتفاضة الشعبية، وفي سوريا بالتعامل الإيجابي مع النفوذ الروسي ،وفي لبنان  بدفع الكيان ومعادلاته التوافقية نحو الانهيار لكشف معادلة المقاومة ،مستفيدة من نهب قوى السلطة وارتهانها .

 مفاوضات فيينا

واليوم تجري المفاوضات في فيينا  بعد أن أنجزت آلية التجزئة الاستعمارية  تدمير دفاعات المنطقة من خلال الاحتلالات المباشرة والحروب الأهلية التي أدت إلى تدمير المدن وتخليع لحمة الجماعات الأهلية وصرف طاقتها  بالاطر الجهازية  والتشكيلات المذهبية..

 لقد انتهى التوازن الأميركي الإيراني الذي بدأ بعد احتلال العراق مع اغتيال الجنرال قاسم سليماني وبعد أن تحولت مواقع النفوذ الإيراني المحاصرة بالعقوبات إلى عبء في العراق الذي ما يزال يحاول التفلت من حقل هذا التوازن السلبي بفعل التقارب بين الانتفاضة الشعبية والمرجعية … وفي سوريا حيث يتحكم النفوذ الروسي بمعادلاتها وفي لبنان العاجز عن مواجهة انهياره.

لم يعتمد النظام الإيراني للخروج من منطق التبعية الذي ساد قبل الثورة على بناء اقتصاد منتج جاذب للمنطقة، بقدر ما اعتمد على توسيع نفوذه في البلاد العربية  التي تحولت مع انهيار الأنظمة القومية إلى ساحات نفوذ تستهلك في التوازنات السلبية القائمة على تفكيكها .

لم تنشأ “الممانعة ” ككتلة اقليمية في مواجهة تقدم الهيمنة الأميركية في منطقتنا بل في زمنها . ولم تسهم  في تصفية  النسق  الاستعماري القديم القائم على التجزئة والاحتلال الصهيوني  الاستيطاني التوسعي بوجهة تتصدى لاستبداله  بأنماط الهيمنة المعولمة .صحيح أن إيران دخلت المنطقة العربية من المواجهة مع العدو الصهيوني من لبنان وردع وجهته الاستعمارية القائمة على احتلال الأرض غير أن دخولها إلى العراق تم في طي الاحتلال الاميركي.  كشف هذا الاحتلال الذي افتتح الدورة الاحتلالية الثانية  بعد الحربين العالميتين مسألة بالغة الأهمية  .وهي أن الاحتلال الاستعماري الاول لم يستطع  إنجاز تفكيك البنى التقليدية  الممانعة توطئة لتوطيد الهيمنة الحديثة ،وان هذه البنى الأهلية القرابية والمدينية التقليدية ظلت مترجحة بين الاستجابة للسيطرة الخارجية  ومواجهتها،حتى أن هذا الترجّح بين الداخل الاهلي التاريخي والوافد المسيطر طبع القوى السياسية وانصبة السلطة واطر الدولة .

واجهت “اسرئيل”  رغم سقوط المنطقة  وتجزئتها  حركات رافضة صاعدة واشكالا من المقاومة الفعلية،  واهمها الحركة  الناصرية والمقاومة الفلسطينية  .وهو ما يبيّن أن  منظومة التجزئة لم تكن كافية لاستكمال السيطرة الاستعمارية بنيابة اسرائيل عن الجيوش المحتلة . لم يكن تاريخنا عودة مستمرة إلى سقوط اصلي يتحدث تلقائيا بقدر ما كان  متميزاً بتداخل الازمان وتدافع القوى وتجاذبها بين الخارج المسيطر وما تبقى من أطر داخلية محصنة.

ان هذا بالضبط ما يفسّر الاضطرار الى الاحتلال الثاني للعراق وسوريا ،وما تلاه من حروب أهلية .فلقد شكل التوازن السلبي الدولي الإقليمي  الذي انعقد في سياق الاحتلالات إطارا لاستكمال تدمير البنى الأهلية والمدينية التى ظلت عصية على استكمال الاختراق  بتقنينها باطر جهازية  تسرّع تفكيكها بآلية أقرب إلى التدمير الذاتي  وتكوّن بذلك حقل الاستهلاك القوى ووضعها بعضها في مواجهة بعض . لقد استنزف نموذج المقاومة بالنموذج الداعشي بعد أن سهل نموه تناقضها مع نموذج الانتفاضة الشعبية.

المقاومة والانتفاضة

لقد   تصدت المقاومة في لبنان للدور الاسرائيلي الاستعماري التوسعي بتضحيات كبرى، غير أنها وتمشيا مع التوجه الإيراني العام لم تصطدم  بعلاقات الهيمنة  الأميركية المستجدةالفعلية. فقد تعايشت مع منظومة الدين العام ومع تقويض الملكية العامة والخدمة العامة، ولنهب القوى المرتهنة للخارج  ،واعتبرت وصاية  البنك الدولي اصلاحاً وأصبحت جزءا من  بنية الارتهان حيث النهب المحلي حلقة في دورة النهب  الدولي  .

وقد انقادت المقاومة المسلحة بتركيبتها الجهازية الموالية لإيران  في العراق وسوريا ولبنان إلى تطويق الانتفاضات الشعبية التي قامت بمواجهة أنظمة التجزئة بفعل استهلاكها للعلاقات الأهلية القديمة ، وارتهانها لبنى الهيمنة النيولبرالية التابعة  . واجهت المقاومة الانتفاضة  من موقع تقاطعها كمقاومة مع سياقات الهيمنة من حيث مشاركتها بأطرها وقبولها لوصاياتها الاقتصادية وتوظيف فعاليتها العسكرية المحصورة بقتال إسرائيل  بدورها في الاستيطان والتجزئة القديمة.وهو ما ادى الى محاصرة الانتفاضة بمنطق الطلائع السياسية التابعة التي حاولت توظيف طاقتها  لكسب دور في منظومة الهيمنة وتجيير طاقة الناس لصالح النفوذ الأميركي .

وهكذا فصلت الانتفاضات الشعبية عن التصدي لارتهان السلطة في حقل الهيمنة وعن المسألة الوطنية في آن معا.وهكذا سقطت  الانتفاضة من قبل في مصر على حدود كامب ديفيد و ذبحت في سوريا على حدود الجولان وابتلعتها الحرب الأهلية والأنظمة الاستبدادية،واجهضت في لبنان من قبل طلائعها  حين فصلوا فساد السلطة عن ارتهانها  للهيمنة.

بنية حقل التوازن

فمن حيث بنيته نفسها تعيّن حقل التوازن السلبي الأميركي الايراني كدينامية سلطوية تحول الثورات الشعبية إلى حروب أهلية ،والحروب الأهلية الى ارهاب بفتحها على تدفقات القوة الداعشية ،وقبل كل ذلك وبعده الى احتلالات .وذلك بلعب طرفي هذا التوازن أدواراً متناقضة ومتكاملة في آن .  إنها آلية قمع وخنق “بالاحتضان” .هذا فعليا ما جرى في العراق حيث واجهت السلطة الإيرانية بأشكال المقاومة المسلحة التابعة لها الانتفاضة الشعبية  بالقمع، وحيث لعبت المرجعية دورا تاريخيا بحمايتها وحالت دون خنقها  . وهذا ما جرى أيضا في سوريا بترتيب معاكس بدأ بالثورة ثم بدفعها إلى الحرب الأهلية المذهبية الداعشية، ثم بالاحتلال المتعدد الجنسيات التي أدت فعليا إلى تهميش الدور الإقليمي وتحويلها إلى ساحة للتوازنات العالمية الروسية الأميركية.

“إسرائيل” :الاستيطان والتطبيع

لم تستطع منظومة التجزئة الاستعمارية  أن تعيد إنتاج نفسها بعد انسحاب جيوش الغرب المحتلة بصورة آلية  من خلال إسرائيل التوسع والاستيطان وأنظمة التجزئة .

وبالمقابل  ،عدا  حربها الفاشلة على المقاومة  التي هزمتها في لبنان ، لم تشارك اسرئيل بالحرب الاحتلالية الثانية  التي شنتها أميركا وروسياعلى المنطقة. وهي لذلك ترسخت كنموذج للهيمنة  المعولمة الحديثة لم تعد المرتكز الأساسي لإعادة إنتاج التجزئة والسيطرة الدولية على بلادنا.  بل إن منظومة الهيمنة اخذت  بعد كامب ديفيد وبفعل سقوط العراق تحت الاحتلال الاميركي وسقوط سوريا تحت الاحتلال الروسي  شكلاً جديداً مختلفاً عن منطق وعد بلفور ومعاهدة سايكس- بيكو -سازانوف التي جزأّت المنطقة.

 دخلت إسرائيل في منظومة الهيمنة الدولية الحديثة، وهي ترتكز اليوم  على بنيتها الإنتاجية التجارية للتمدد من خلال التطبيع وليس على دورها العنفي الاستعماري المباشر رغم أنها ما تزال عالقة في الزمن الاستيطاني .

هل أن هذا الزمن ما يزال اساس وجودها، وهل سيعود تاريخ المنطقة الحديث من حيث بدأ وتستأنف إسرائيل الاستيطانية حروبها التوسعية ؟

إن التاريخ لايستعيد الماضي بصيغ جديدة بل يطويه  في سياقات وتراكمات الأحداث الي طبعت المرحلة القديمة. وان هذه السياقات هي التي تحدد لحظة الانتقال الى الجديد وماهيته.  هل ستكمل إسرائيل منطقها الاستيطاني  المفارق لمرحلة  الهيمنة ولدخولها في زمنها على أرض الاحتلالات والحروب الأهلية؟

  هل ستندفع إلى صرف المخزون الديني الرمزي على طريقة داعش في حين أن أنظمة الاقليم تدخل في زمن الهيمنة مكبلة بازماتها التي طالت عمق مجتمعاتها . إنه احتمال “منشود” يؤدي الى نهايتها ! ولكن التاريخ عادة لايلغي ما راكمته مراحله. لقد كشفت انتفاضة الداخل المتزامنة مع هجوم المقاومة المسلحة فعالية هذا التلاقي الذي أدى  استبعاده في سوريا ولبنان إلى انهيار البنى المدينية والأهلية الممانعة لاشكال الهيمنة المتجددة ،وهو تلاقٕ ما يزال يولد في العراق طاقة فعالة للخروج من صيغة الساحة الدولية الإقليمية التي رغم كل الادعاءات لا تمهد الا إلى ترسيخ الهيمنة وسيادة العلاقات النيوليبرلية.

غير أن هذا الالتقاء بين المقاومة المسلحة  الذي يفتح من حيث نموذجه على التصدي للهيمنة الارتهانية الاقتصادية  التي تترسخ الآن بصيغة التطبيع ،يرتطم اليوم بالاتجاه العام للانفتاح على  هيمنة العولمة النيولبرالية  المتعددة الاقطاب المتنافسة التي تشكل السيطرة الأميركية مرتكز منطقها وضابط مساراتها ونزاعاتها . هذا الاتجاه الذي بدأ  في كمب دايفيد  بعزل مصر عن بلاد الشام، يستكمل الآن في فيينا على ارضية انحسار فعالية المواقع الإيرانية في العراق وسوريا ولبنان وإعادة تعنونها بالطاقة النووية.

وسط هذا التقدم في إعادة تشكيل نسق الهيمنة  بآليات التقارب والمصالحات ،وإزالة العوائق والعقوبات تنتقل قضية الشيخ جراح في القدس  من زمن الاستيطان إلى زمن إ”عادة الإعمار “- حيث نقل عن جريدة يديعوت احرونوت إنه يجري العمل على مشروع ضخم لتغيير معالم حي الشيخ جراح ومنطقة باب العامود، بتكلفة 70 مليون شيكل ، بهدف تحويله من مركز صراع إلى مركز ترفيهي وتجاري نابض بالحياة ، بما يؤشر على أن عنف المستوطنين المتخلف يستخدم كمنشط للدفع نحو الهيمنة بالتطبيع ،وبما يؤشر ايضاً  على قرب اعادة إعمار غزة  بتنشيط الدور المصري ومدن الشام المدمرة بتشارك خليجي ،وكذلك يستبعد نتانياهو رمز التهويد وتلوح وزارة ائتلافية متنوعة تضم لأول مرة في تاريخ الكيان الإسرائيلي متكوناً سياسياً عربياً …

إنه عبور بين مرحلتين يطرح نفسه كمتطلب تاريخي يلخص مسارات متشابكة قد تكون لم ترس بعد  .ولا تستبعد الحروب الجزئية …ولا تسمح بالتوقعات الحدثية التي تختلف عن  تحليل تدافع المسارات وتحديد اتجاهها الغالب .

ورغم سلبية هذا الاتجاه الذي  يبدو اليوم وكأنه في خواتيمه  ،  فإن ما يختتم اليوم بتعميم نمط الهيمنة، لن يكون إلا بدايات. هكذا حصل بعد كامب ديفيد رغم الانكسارات والاحتلالات، وهذا ما شهدناه من خلال استمرارية المقاومة والانتفاضات  التي رغم تعرضها  للتطويق بحقل التوازنات السلطوية والتصادم والاستخدام  تختزن عامة وعلى أرض فلسطين والعراق خاصة ، إمكانية تشكل قوة شعبية صاعدة تواجه نمط الهيمنة المستجد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى