سياسةمحليات لبنانية

اللبنانيون: من قاطع الأرزاق الى ساطع الغضب

حيّان سليم حيدر

ستذهب كورونا روما يومًا، كما أتت: لا نعلم من هي، أو من أين أتت، أو لماذا، أو إلى أين تذهب، ومتى تعود، ولا ما هو هدفها ولا مصلحتها، ولا نهايتها، ولا نهايتنا.  هي حتمًا أتت لتُعكِّر أجواء الإنتفاضة التي، في لبنان، خمدت مع الريح…. إلى حي، أيّ  حين؟  إلى حين يفوق ضرر "العاطلين عن الحياة، المحرومين من الأمل الممنوعين من المستقبل" (على قول الكاتب الصحافي بيار أبي صعب) حين يتجاوز مكاسب المنتفعين من الخلل المُعاش… المتراكم أبدا.  هذا يُنْذِر بالإنفجار يُقال.  لن يتغيّر أمر هذا الفساد إلّا بالعنف، إلّا بالدمّ، غريزة البشر الأولى… والأخيرة، الأسهل سلوكًا، الأسرع إنفعالًا، الأنجع تغييرًا.  لا تبحث عن الحزن،…يقولون… فهو يعرف عنوانك!..
هي إذن روما القرن صفر، مضرب مثل "حضارات" الظلم المتعاقبة، من ما قبل ما كانت إلى ما بعد ما هَوَت…  روما، بكلّ ما لها وعليها ومن أجلها.  وفيها رومولوس وريموس الأسطورة ويوليوس قيصر، رائد فنّ المجالدة وصاحب الشهرة العسكرية وبروتوس الخيانة.  وفيها ميدان الوقار مجلس خطابات الأمة، وفيها سينيكا الفلسفة وكريزوس الغِنى وفيها الجنرال السياسي ماركوس أنطونيوس.  وما أدراك بأنطونيو الذي باع الإمبراطورية من أجل عناق من كليوباترا (والعناق بات ممنوعًا بعد ألفي عام بأمر من القيصر كورونا، إسمٌ آخر رومانيُّ الرَنَّة) وفيها كومودوس الأمبراطور المُجالد الجبان إبن ماركوس أوريليوس الفيلسوف الحكيم وفيها خاصّة وليس أخيرًا، نيرون.  نيرون الذي من كثر ما "تعاطف" مع الناس، عالج مظالمهم بحرق روما من عن بكرة أبيها، صقلًا لمهاراته الموسيقية، التي لم تكن يومًا، على ألوان لهيب مدينة الناس.
هنا، في الحلبة، يتجلّى كلّ ما هو جيّد وكلّ ما هو سيّء.  يتجلّى المشهد الشعبي في الكوليزيه (أو الكولوسّيوم) ذاك الهيكل الذي أنهى بناءه تيتوس حيث يتجمهر دوريًّا سبعون ألفًا من الحشود الغفيرة (وليس غفورة) حول ميدانه حيث يتناحر المحاربون، أبطالًا مجرمين ومرتزقة وضحايا تُرْمى مُرَوّعة للوحوش المُجَوّعة، أسودًا ونمورًا ودببة، خنازير مُحّبّسة بجنازير مُدبّسة.  هي سياسة إبقاء الجموع الفقيرة سعيدة، وساكنة، وخاضعة.  هي "خبز وسيرك" كما يصفها الشاعر الروماني يونيفال (القرن الثاني الميلادي).  وفي النهاية؟  في نهاية كلّ جولة يلتفت الجلّاد، مُطأطأ الرأس، تجاه القيصر، مناجيًا أمره، بتبعية مطلقة عمياء، بكلّ زبائنية، فيلتفت الطاغية إلى "الجمهور" (لا علاقة لهذا بمحطة الكهرباء الغائبة أبدًا) يلتفت بكلّ روح "ديموقراطية" ليسأل الحشود عن حكمهم، فليصوّت الجمهور المُستَفَزّ حتى الهَياج، المُتعطّش للدم.  ثمّ، يمدّ حاكم روما يده مشيرًا بالإبهام إلى الأفق، لا إلى الأعلى ولا إلى الأسفل، بل إلى الوسط، "متوسّلًا" العدالة فَلِ "الشعب" أن "ينتخب" إتّجاهًا، مصير حياة أو موت، يا ويْحَهم، دائمًا ما "ينتخبون" الأسفل (بكلّ معانيه)، الغضب، الثأر، سفك الدمّ، هذا الفأل "الخير"، الموت ل…. مين ما كان!
  وممّن يثأرون يا تُرى والذين في ساحة الوغى لا علاقة لهم بهم ولا بأسباب ثورتهم، وممّا يثأرون إذن والمتبارون لا تربطهم صلة بإفلاس الناس؟  وهل يثأرون قبل أن ينقلب البؤس يأسًا، أو لكي ينقلب كذلك؟  وكأنّهم يتساءلون أين أنت يا سبارتاكوس، أين أنت من آخر تمرّدات العبيد؟
ممّن يثأرون إذن؟  والمحكوم على الأرض لم يَحِزْ أقرانه على منافع الدولة وأبناؤه على الممتلكات العامة وأنسباؤه على الصفقات المريبة وعشيرته على المناصب المصيبة.  هو لم يستفد من هندسة فساد، حتى أنّ كلمة هندسة لم تُعرف لخدمة الفاسدين يومذاك.  هو لا علاقة له لا بأُبَّهة السفر ولا بترّهات المؤتمرات، ولا بتفاهات العلاقات العامة، ولا هو مدافع عن الحروب العبثية ولا …واللائحة تطول ولا تنتهي، ويُخشى أنّها لن تنتهي.
إصْرَخ عاليًا، إغضَبْ، إشتمْ … ثم أقتل !
مَنْ؟  ومَن في الباحة، ليس ذلك المسؤول الذي دخل سلك الوظيفة بالواسطة ولا علاقة له بالجلّاد الذي غالبًا ما يدخل على عربة "بقيادة" حصان أو حصانين أو "بدعة" الترويكا (اللبنانية) مجهّزة بشتّى صنوف الرماح العميقة والسيوف الدقيقة والدشم المسلسلة الغليظة …  دمّر الحجر، إقلع الشجر، أقتل البشر!
"فشّ خلقك فشّ… مصاري ما فيش" كما تُغَنّى بالعامية.
هو ليس ذاك الصرّاف الآلي الذي رفض بطاقتك، هو الجلّاد الآلي من فصيل الذين تسبّبوا ب"بؤساء" فيكتور هيغو.  هنا بدأت قبل مئات وألف من السنين، بالقتل… بالدمّ… نَفِشُّكَ يا خلْق!
هنا ولهذه الأسباب قال الشاعر بلسان المظلوم:
                                    "أوَما لهذا الليل حُلُمٌ بالصَّباح، فينجلي ؟!"،                                              وصرخ بلسان المحروم:
                                    " أمشي على ذلّ السؤال،، …"،  ثمّ يَصِفَه:
                                   " ويُسَكّنُ الجوع القديم بطعم جوع أقدم!.." (كامل المقطع في(1)أدناه)
هو، المُسْتَهْدَف من الغضب، ليس في ساحة القتال أساسًا!  هو ذاك الذي سرق وسهّل لنهب 240 مليارًا من الدولارات منذ العام 1993، وقد أبقى منها 100 مليار دينًا عامًا على قلوب الناس الطيّبين، على عاتق أحفادهم، ويريد الآن أن نضيف إليها 83 مليارًا خسارات اكتُشِفَت حديثًا… حديث الساعة، مع لعن ساعة هذا الحديث، والمطلوب في هذا كلّه، إقرأ جيّدًا، أن يعوّض المنهوب على الناهب سرقته للمال العام، أي مال المنهوب، بمال طازج (fresh money) يدفعه المنهوب لينهبه، من جديد، الناهب القديم ذاته أو ذريّته.
هو، ربّما، مستشار إبن عمّة خال صهر … أحد المسؤولين.  هو ذاك الخسيس الراكن وراء الزجاج الداكن، والقصر الساكن، والمنصب الماكن.
          "ما جاع فقيرٌ إلّا بما مُتّع به غني" قال الإمام علي (ع).
الغضبُ آتٍ لا محال.  مهما تأخّر الأمر.  مهما نشرنا مفاهيم غاندي السلمية، مهما عمّمنا منطوق "لديّ حلم" لمارتن لوثر كينغ.
هي إذن:                        " ثورة  سوداء ؟…لا !.. ثورة  قوس  قُزَحْ
                                 نحن – زنجَ الظلم في الدنيا – سواد البشرية " (2)

أقتل… أقتل… فملايين مظلومي العالم يتفرّجون عليك، كما فعلوا دائمًا، عبر التاريخ.  أقتل باسم الشرعية "الدستورية" المزوّرة، "كلّن يعني كلّن".  ثم أقتل باسم "الشرعية" الشعبية، مصدر السلطات، المنتشرة، المُنْتشية، المتراصّة على الصفوف الدائرية لمدرّجات روما.  أحرق،         "كلّ شيء يعني كلّ شيء" حتى لا يبقى شيئًا تشتهيه أو تندم عليه.

لقد وصلنا إلى الحدّ الذي أدرك فيه المُعْدَم أنّ الأقوياء يهدّدونه بنفسه.  وصلنا، بعدما إستنزفنا مدّخرات العمر، إلى حيث لانهاية لعدمية حلقة الحياة المفرغة هذه.  وهل أنّ الشارع، العائد الى غضبه بعد  مرور كورونا لا محال، سيعيدها ثورة محرومين في وجه الظلم والفجور، لتكون إنفجارًا تداركًا للإنهيار العام؟  وهل نحن ذاهبون إلى "نظام" الفوضى الكاملة (total chaos)؟
عبثًا نسعى…لن يكون لا هذا ولا ذاك.  الشعب يطالب بالدمّ، ودمّ سينال: لأنّ "إذا الشعب يومًا أراد الثأر، فلا بدّ أن يستجيب القدر"؟  الله يستر.
بيروت، في 28 نيسان 2020م.                                            حيّان سليم حيدر.
                         
يقول الإنكليز أن المتشائم هو نفس المتفائل…لكنه يبني مواقفه على معلومات أوسع.

أوَتجْهَلُ الأموال  أنَّ  لنا  بها  حقنَ  الدَّمِ؟
نحن اليتامى، – والبعوض يخزّ عين الضيغمِ –
دَعَةُ الخراف البيض فينا، وامتعاض الأرقمِ!..
قسمًا بكهف الناصريِّ، وبالحطيم، وزمزمِ
إن  لم  تُقِرَّ  لنا  الحياة  بحقِّنا  في المغنمِ
لنمزّقنَّ  حجابها الجافي…ويا نُظُمُ ارتمي!
فالمجرم المضطرُّ للإجرام، ليس بمجرمِ!..
إن  لم  يكن  عدلٌ  حكيمُ
فالمستبدَّ   هو   الملومُ
يسعى اليتيم  إلى  الحياة،  فإن  أبَتْ
فإلى الحياة، على الأذى، يسعى اليتيمُ!

(1) سليم حيدر- ديوان "آفاق"-  قصيدة "اليتيم" – 1945 – 
(2) سليم حيدر – ديوان "ألحان" – قصيدة "الثورة السوداء" – 1972.
شركة المطبوعات للتوزيع والنشر ش.م.ل.- 2016.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى