ثقافةرأي

العَلمانية في الحضارة العربية الإسلامية ..التحديات والآفاق(شاهر أحمد نصر)

شاهر أحمد نصر *– الحوارنيوز- خاص

يثير عنوان “العَلمانية في الحضارة العربية الإسلامية*”، وموضوع البحث كثيراً من الانتقاد، لا سيما لدى أنصار المركزية الأوربية المتحمسين، أو ممن يسيرون في فلكها من حيث لا يدرون؛ أولئك الذين ينسبون أي أمر يتعلق بالتقدم الحضاري إلى أوربا والأوربيين، فتجد، على سبيل المثال، من ينسب إلى العلماء الأوربيين مسألة تحديد “ميزات (أسس) النشاط والبحث العلمي”(1) في حين كان أبو علي الحسن ابن الهيثم (965-1039م) قد سبق العلماء الأوربيين بقرون عدة في تحديده لخصال تلك الميزات.(2) ويمكن مقاربة مسألة تطبيق الأسس الدنيوية في بناء الحضارات، وجعلها حكراً على الحضارة الأوربية من وجهة نظر مشابهة…

إنّ العَلمانية (الدنيوية) كمفهوم، وفكر هي نتاج إنساني عام… وعلى الرغم من أنّها وُجدت وطُبقت في الغرب في صيغتها الحالية، فهذ لا يعني أنّها حكراً على الغرب، وأننا لسنا في حاجة إليها، أو أنها غريبة عنا… فكما أنّ الفكر الإنساني العام ليس غريباً عن أي شعب من الشعوب، فهي ليست غريبة عنا، بل مثلها مثل الديمقراطية، والاشتراكية، فكرة، وقيمة إنسانية عامة تهم البشرية جمعاء، وممارستها لم تكن غريبة عن العرب والمسلمين، على الرغم من أنّها كمفهوم لم تكن متداولة حرفياً في لغتهم…

يُعرّف الباحثون العَلمانية (Secularity في اللغة اللاتينية وСветский  في اللغة الروسية)، بأنّها تعني الدنيوية، أو الزمنية، وهي مفهوم يصف ممارسة شؤون الحياة وفق متطلباتها الدنيوية، وعدم تقييدها بالقيود الدينية، كالسفر واستخدام وسائل المواصلات يوم السبت، خلافاً للقيود الدينية، أو تقييد الاستحمام وأساليب وأنواع الأكل، وعدم حضور الدروس الدينية في الكنيسة، أو دروس الجامع، وقص الشعر يوم الاثنين، وتنظيف المنزل من الأوساخ ليلاً…الخ. كان أحد أسباب ظهورها وانتشارها، في أوربا، تحول رجال الدين إلى طواغيت ومحترفين سياسيين ومستبدين، ووقوف الكنيسة ضد العلم، وهيمنتها على الفكر، وتشكيلها محاكم التفتيش، واتهام العلماء بالهرطقة… مثال على ذلك تحريمها كتاب حركات الأجرام السماوية لكوبرنيكوس، الذي نشر عام 1543م… وتعود أجنة التفكير العَلماني في أوربا إلى القرن السابع عشر، فكان من الداعين إليها فولتير (1694- 1713) وروسو، وليسنغ (1729- 1781)، وجون لوك (1632- 1714)، وهوبز (1577- 1679). وقد تطور الفكر العَلماني في أوربا على يد فيورباخ، والماركسية.

العَلمانية في الحضارة العربية والإسلامية:

هل كان الاهتمام بالشؤون الدنيوية (العَلمانية) غريباً تماماً عن الحضارة العربية الإسلامية؟

يتفق أغلب المؤرخين الموضوعيين في العالم على أنّ الحضارة العربية الإسلامية، فضلاً عن اهتمامها بقضايا الإيمان، قامت على قواعد ومبادئ وقيم غايتها تطوير النواحي المادية والمعنوية التي تنظم حياة الإنسان، لرفع شأنه، وجعل حياته سامية… وهي حضارة تهتم بتطور الإنسان عقلياً، وجسدياً، ونفسياً، وسلوكياً؛ فالإنسان أساس الحضارة وبانيها الفعلي… وتتميز هذه الحضارة بأنّها حضارة مادية وروحية، تحثّ على العلم، والبحث، والتفكير، وتقرنها بالممارسة العملية، وتهدف إلى إعمار الأرض، وتشجيع العمل والعلم لإغناء الحياة، وتدعو إلى العدل، وتعده أساس الحكم بين المسلمين وغيرهم، لصون كرامة الإنسان، وفسح المجال أمام العطاء والتطور، كما أنّها تدعو، بل تلزم المسلمين بالتعامل بمكارم الأخلاق…

وحين نذكر هذه الخصائص، فإنّنا نبين مدى اهتمام هذه الحضارة بالجانب الدنيوي (العَلماني) لحياة الإنسان، ولعل حضّ النبي العربي على ضرورة التزام الإنسان بالأخلاق الحميدة خير مثال على غنى هذه الحضارة، التي هي مصدر فخر لكل من نهل منها؛ ويأتي في مقدمتهم العَلمانيون العرب، ودليل على اهتمامها بحياة الإنسان الدنيوية… وفي هذا السياق من المفيد التذكير باختصار بعدد من أحاديث النبي العربي التي يحض فيها على الأخلاق التي على الإنسان التحلي فيها في حياته، أي في أثناء ممارسته شؤونه الدنيوية، منها:

– (…أَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ). قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: (غَضُّ الْبَصَر،ِ وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ).

– “… أحبّ عباد الله إلى الله أحسنهم خلقًاً”.

– “… ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق”.

– (( أَجْمِلُوا فِي طَلَبِ الدُّنْيَا فَإِنَّ كُلّاً مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ))..(3)

​ألا تظهر هذه الأمثلة مدى اهتمام الإسلام، ومؤسس الحضارة العربية الإسلامية بالشؤون الدنيوية للإنسان؟ (وأود أن أذكر أنّ الشؤون الدنيوية، في ذلك الزمان، تقارب مفهوم العَلمانية في العصر الحديث)…

​ولقد أثارت خصائص الحضارة العربية الإسلامية اهتمام أهم مفكري العالم المتنورين، فحاولوا أن يعطوها، ويعطوا مؤسسها حقهما…

يقول مايكل هارت في كتابه “مائة رجل من التاريخ”: “إنني اخترت محمداً ، ليكون الأول في أهم وأعظم رجال التاريخ، وهذا قد يدهش القراء، ولكنه الرجل الوحيد في التاريخ كلّه، الذي نجح أعلى نجاح على المستويين: الديني والدنيوي… ولأنّه أقام إلى جانب الدين دولة جديدة، فإنّه في هذا المجال الدنيوي أيضاً، وحّد القبائل في شعـب، والشعوب في أمة، ووضع لها كلّ أسس حياتها، ورسم أمور دنياها، ووضعها في موضع الانطلاق إلى العالم…”(4)

ألا يعني الحديث عن “إقامة دولة جديدة”، وتوحيد القبائل (في المجال الدنيوي) في شعـب، والشعوب في أمة، ووضع لها كل أسس حياتها، ورسم أمور دنياها، ووضعها في موضع الانطلاق إلى العالم”… اعتماد الأسس الدنيوية لتحقيق ذلك؟

لمّا لاحظ الأديب والمفكر الروسي العبقري ليف تلستوي ضرورة إنصاف النبي العربي محمد في وجه تحامل جمعيات المبشرين في قازان من أعمال رويت على الدين الإسلامي ونسبتها إلى صاحب الشريعة الإسلامية، ونشرها أموراً تنافي الحقيقة… هزّته الغيرة على الحقّ – كما يقول سليم قبعين – إلى وضع رسالة صغيرة اختار فيها عدداً من أحاديث النبي محمد… وقال هذه تعاليم صاحب الشريعة، وهي عبارة عن حكم عالية، ومواعظ سامية تقود الإنسان إلى سواء السبيل… (5)

يوجد في العالم الإسلامي من يحارب العَلمانية باعتبارها، حسب زعمه، ابتكار أوربي مسيحي جاء بالعَلمانية كحلّ للصراع والحروب طويلة الأمد التي استمرت بين المسيحيين الكاثوليك والبروتستانت، وبالتالي هي ابتكار مسيحي لا يمكن أن يطبق في المجتمعات الإسلامية؛ لأنّ العَلمانية لها جذور في الإنجيل، في قول السيد المسيح: “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله”، وهذا ما ساعد  أوروبا (المسيحية) أن تنجز العَلمانية… ولا وجود لها لا في القرآن، ولا في السنة…

لكنّ البحث الموضوعي يبين وجود أجنة العَلمانية في التراث العربي الإسلامي في الممارسة الدنيوية للنبي العربي محمد بن عبد الله، لا سيما، في ما يعرف بصحيفة المدينة، الموقعة في سنة 1 هجرية (623 ميلادية) تحت عنوان: كتابه بين المهاجرين والأنصار واليهود، والتي حددت العلاقة بين قبائل المدينة من مختلف القوميات والأديان، والتي يمكن أن نعدّها دستوراً دنيوياً لمعالجة العلاقات بين أبناء المدينة… كما نجد أجنة العَلمانية في حديث النبي العربي المعروف بحديث تأبير النخل:  “أَنَّ النَّبِيَّ مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ فَقَالَ: (لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ)، قَال: فَخَرَجَ شِيصًا، فَمَرَّ بِهِمْ فَقَالَ: (مَا لِنَخْلِكُمْ؟) قَالُوا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ.”(3) وفي أقوال الخلفاء الراشدين؛ ومن بينها قول عمر بن الخطاب الشهير: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً”، الذي يؤكد ضرورة التعامل مع الإنسان ككائن دنيوي ولد حراً، وهذه نظرة ومقاربة دنيوية للناس والمجتمع… وفي حرص علي بن أبي طالب على التعامل مع الأبناء، وفق متطلبات المرحلة التي سيقبلون عليها، لمّا قال: “لا تربوا أولادكم كما رباكم آباؤكم؛ فإنهم خُلقوا لـ زمان غير زمانكم”… الخ.

هذا فضلاً عن وجود تناقض بين حقيقة تبني أوربا للعَلمانية والمستند الفكري المسيحي الإنجيلي المذكور أعلاه، فأحد أسباب اعتماد أروبا العَلمانية، ليس النص الإنجيلي، بل ردّ فعل ناجم على طغيان رجال الدين، وتصرفات الكنيسة، فضلاً عن أنّ العَلمانية دعت إلى فصل الكنيسة عن السياسة… ولقد كان المفكر جورج طرابيشي محقاً حينما قال: ” بقيت المسيحية على مدى خمسة عشر قرناً تجمع بين الدين والدولة، وتكاد تؤله الإمبراطور البيزنطي، وتخلط الدين بالسياسية، ولم تفرق بينهما، ولم تكتشف هذه الجملة الإنجيلية: “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله”، إلا بفضل العَلمانية، فحينما جاء أهل الحداثة في أوروبا، ولكي يقنعوا المؤمنين المسيحيين بأنّ العَلمانية لا تتعارض مع الدين، أعطوا أهمية كبيرة لهذه الجملة، التي أهملت طوال خمسة عشر قرناً من تاريخ المسيحية”…(6)

إذاً، الأساس النظري للعَلمانية، في العصر الحديث، لا يعود إلى النص الإنجيلي، بل يعود إلى الفكر الذي أبدعه المفكرون الأوربيون، كما نوهنا سابقاً… كما أنّ النص الإنجيلي، وأقوال السيد المسيح والتراث العربي المسيحي، ليست منفصلة عن التراث العربي الإسلامي، بل يمكن عدّ جوهرها جزءاً منه… ولو سألنا أي عربي ومسلم حقيقي: من هو يسوع المسيح بالنسبة إليك؟ لأجاب: هو في قلبي، وفكره جزء من ثقافتي، ووعيي… ويسوع المسيح والمسيحية ليست حكراً على الغرب، بل انطلقت من منطقتنا وبلادنا، وهي مكون أساسي للوعي والثقافة العربية الإسلامية، وكلام يسوع المسيح متجذر في أساس هذه الثقافة، وبالتالي ففكره ليس غريباً عنها، وإذا كان قول يسوع المسيح: “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله”، يدعو لبناء الدولة العَلمانية، فهو ليس غريباً عن الفكر العربي الإسلامي…

فالدنيوية (العَلمانية) ليست جديدة في التراث العربي الإسلامي، ولم تستورد في القرن التاسع عشر أو العشرين كما يقال، بل إنّ أجنتها موجودة في هذا التراث…

وإذا أردنا الاستفاضة بذكر الأمثلة التي تؤكد أن أسس التفكير الدنيوي (العَلماني) موجودة في تراثنا نستشهد بالسيد المسيح، وبالقصة المعروفة التي تحكي أنّ جماعة من الكتبة قبضوا على امرأة متلبسة بخطيئة الزنا، فأحضروها إليه ليروا حكمه عليها، وكان في حكم الشريعة يجب رجمها – حسب شريعة موسى – لكنّ يسوع رفض رجمها؛ وقال لهم: “من منكم بلا خطيئة فليرجمها بحجر”. وشريعة يسوع المسيح لا تتناقض مع الدين والحضارة الإسلامية… ونجد في قول السيد المسيح مقاربة دنيوية لهذه المسألة المصيرية في حياة المجتمع…

إنّ هذه الأمثلة النظرية تثبت وجود أجنة للتفكير العَلماني في أسس الثقافة والحضارة العربية الإسلامية، علماً أنّ هذه الحضارة بنيت على أسس دنيوية أيضاً، فمن المعروف أنّ الإسلام عرف على امتداد تاريخه ازدواجية الدنيا والآخرة، وازدواجية الدولة والدين، والنبوة؛ فالاهتمام بالقضايا الدنيوية جزء أساسي في الثقافة والفكر الإسلامي… فضلاً عن أنّ تاريخ هذه الحضارة غني بالأمثلة العملية التي تؤيد ذلك، نذكر فيما يلي بعضاً منها:

ها هو ذا الخليفة العادل عمر بن الخطاب، حينما جاءه، أبو هريرة، وكان والياً على البحرين، ومعه مال كثير، فخطب عمر بالناس وقال جاءنا مال كثير، فإن شئتم كلناه كيلاً، وإن شئتم نعدّه عداً، فخشي بعض الصحابة ألا يكون للغائب عن القسمة نصيب، فقام إليه رجل زار فارس فقال: يا أمير المؤمنين، قد رأيت هؤلاء الأعاجم يدونون لهم ديواناً، فقال عمر: “دونوا الدواوين!”. ألا تدل هذه الواقعة على أنّ الخليفة العادل، والمشهود له بالغيرة على الإسلام، لم يجد حرجاً أن يقتبس نظاماً من الأعاجم، ولم يستنكره بدعوى أنّه “مستورد”؟!

وإذا تمعنا بالأسس التي أقام بنو أمية والعرب دولهم على أساسها، ألا نجد أنّها انطلقت من المتطلبات الدنيوية، أي العَلمانية؟!

ويبين البحث العلمي في تاريخ تطور الحضارة العربية إبان العصر الوسيط، والتنقيب المجرد عن الهوى في الواقع الموضوعي الذي عرفه العرب، مع انتقالهم إلى المجتمع الطبقي منذ عصر الدولة الأموية، أنّ أسس بناء الدولة أخذت تتناقض عملياً، مع الأيديولوجيا الغيبية، وبدأ العرب ببناء الدولة على أسس أقرب إلى المتطلبات الدنيوية العقلانية، منها إلى الغيبية، وأخذت تتطور نزعات فلسفية تقارب العقلانية، وأكد بعض المفكرين كالمعري أن “لا إمام سوى العقل”، وتبنى البعض نظرية القدرية التي تؤمن بحرية إرادة الإنسان ضد الجبرية… وتبنى، بل طور ابن رشد نزعات مادية في فكر أرسطو، فأكد أن المادة، والحركة خالدان، وساهم في وضع أجنة المنهج الديالكتيكي… ووضع ابن الهيثم أسس البحث العلمي القائمة على الموضوعية، والشك، والنقد، والتجرد عن الهوى، وطور ابن سينا المعارف التجريبية. كل ذلك يدل على أن للعلمية والعقلانية، وللدنيوية (العَلمانية) جذوراً في الفكر العربي الإسلامي، وهي ليست غريبة عن مجتمعاتنا، ولا عن شعوبنا، أو فكرنا… ولولا تلك النزعات العلمية، والأسس التي استندت على مقومات دنيوية (عَلمانية) لم يستطع العرب بناء دولة يصل إشعاعها إلى أوربا والصين باعتراف مؤرخي الغرب والشرق الموضوعيين…

نعود ونؤكد على أن البشرية جمعاء تعترف بأهمية الحضارة العربية الإسلامية، التي كانت بعض منجزاتها العلمية والفكرية أساساً لخروج أوربا من ظلمات القرون الوسطى؛ علماً أنّ أي حضارة، أو دولة لا يمكن أن تقوم عملياً على أسس غيبية – مهما كانت الأيديولوجيا التي تحكمها – بل لا بد أن تقوم على أسس دنيوية (عَلمانية)، فالحضارة العربية الإسلامية قامت على أسس دنيوية، لعب الإيمان دوراً معنوياً محفزاً في نجاحها…

هل كان الأكسجين موجوداً قبل اكتشافه؟

سنجد من يرى في هذا الرأي مغالطة كبرى؛ لأنّه تم الإعلان عن الدولة العَلمانية في أوربا في القرن السابع عشر، ونحن نتحدث عن الحضارة العربية الإسلامية التي سبقت ذلك بقرون! تذكرني هذه المعضلة بمسألة اكتشاف الأكسجين، فمن المعروف أن كارل شيله أوّل من اكتشف عنصر الأكسجين كعنصر كيميائي مستقلّ وذلك سنة 1771… فهل كانت البشرية تتنفس الأكسجين قبل اكتشافه؟

يمكن مقاربة مسألة بناء الحضارات والدول، التي سبقت الدولة العَلمانية في أوربا على هذا النحو، فعملية بناء الدول لا يمكن أن تتم إلا على أسس دنيوية، حتى ولو غُلفت بغلاف أيديولوجي ديني…

يذكرنا من ينكر وجود الممارسة الدنيوية (أجنة العَلمانية) في الحضارات التي سبقت النهضة الأوربية وبناء الدولة العَلمانية في أوربا برأي عالم الرياضيات والمفكر الإنكليزي كارل بيرسون (1857 -1936) الذي يقول: “إنّ قوانين العلم هي نتاج العقل البشري، أكثر بكثير مما هي وقائع العالم الخارجي…” ويتابع قائلاً: “الإنسان هو صانع قوانين الطبيعة”… وفي ذلك خطأ كبير، فالطبيعة هي صانعة قوانينها، وهي التي تعطي الإنسان القوانين… وكذلك الحال في الظواهر الاجتماعية، فالمجتمعات في تطورها هي التي تمنح المفاهيم الاجتماعية قيمتها (وتضع قوانينها)… فالدنيوية كمفهوم وقيمة لا بدّ أن توجد في الممارسة الإنسانية في أثناء بناء الحضارات والدول، ولا يعني عدم اكتشافها، أو عدم صياغتها، أو وضع أسسها النظرية في وقت متأخر، أنّ المجتمعات البشرية التي بنت حضارات ودولاً لم تعرفها، أو لم تمارسها قبل ذلك، بل يمكن القول إنّها شهدت تطوراً عن سابقاتها… ولمّا كانت تلك الحضارات ومن بينها الحضارة العربية الإسلامية قد وجدت قبل تطبيق العَلمانية (الدنيوية) في المجال السياسي الأوربي؛ فلا بدّ أنّ تلك الحضارات قد عرفت الدنيوية (أجنة العَلمانية) ومارستها في أثناء بنائها الدول والحضارات…

ولقد وفق المفكر جورج طرابيشي توفيقاً كبيراً في إلقاء الضوء على العملية التاريخية المهمة التي واجهت العقل العربي الإسلامي في سياق بناء الحضارة العربية الإسلامية على أسس دنيوية، حينما قال:

“إن تحدي التغيير والاستجابة لم يواجه قط عقلاً كما واجهت العقل العربي الإسلامي نفسه، لماذا؟ لأن هذه السرايا الأولى التي انطلقت من قلب الجزيرة، من الحجاز، ومن نجد، ودخلت فوراً في منطقة حضارية متراكمة: سوريا، ومصر، والعراق، وفارس، ما الذي حدث؟ واجهت حضارات وثقافات عريقة متطورة، في حين أنّ العرب المسلمين في اندفاعتهم الأولى ما كانوا على هذه الهوية الثقافية نفسها. واجه العقل العربي الأول هذا التحدي الحضاري الكبير، فماذا حدث؟ في الحال استوعبه، هضم كل الموروث الحضاري للمنطقة وانطلق فيه وأبدع ثقافة وحضارة جديدة.

سأضرب مثالاً واحداً على ذلك؛ من المعلوم أن عرب الجاهلية كانوا يخافون من البحر، حتى بعد الإسلام حينما أراد عمرو بن العاص أن يبني للجند العرب مدينة (حينما دخل) القاهرة، قال له عمر بن الخطاب: ابنها حيث شئت ولكن لا تجعل بيني وبينك البحر، وهذا معناه أن ممارسة العربي آنذاك كانت تتخوف، ولا تتعامل مع البحر؛ وعلى الرغم من ذلك، ففي مدى عشرين سنة لا أكثر، بنى (الأميون)، أسطولاً، وبهذا الأسطول حاصروا القسطنطينية نفسها، إذاً قدرة هذا العقل عجيبة على استيعاب التراكم الحضاري ثم تجاوزه بعد ذلك.”…(7)

نعم، لمّا بنى العرب المسلمون حضارتهم، وأساطيلهم، لم يأتوا إلى البحر ليتلوا عليه الكتب كي يخرج لهم السفن، بل اتبعوا الأسس العلمية والدنيوية المتراكمة لدى شعوب المنطقة، واستفادوا منها في بناء تلك الحضارة وأفلحوا في بنائها…

العَلمانية في عصر النهضة العربية:

في بداية ما عرف بعصر النهضة العربية الحديثة دعا كثيرٌ من المفكرين المسلمين إلى الأفكار العَلمانية، فكان الشيخ رفاعـة رافع الطهطاوي، على سبيل المثال، من أوائل الداعين إلى الأفكار العَلمانية في مصر، بعد اطلاعه على كتب المفكرين الفرنسيين، وترجمته للعديد منها، ومعاينته الحياة الفرنسية وسعيه لتطبيق المفيد منها في بلاده. فكان من أوائل الداعين إلى (تحرير المرأة)، وساهم في بزوغ وعي وطني بمفهوم حديث، فكان هو الأول في تمييز (الوطن) عن (الأمة الإسلامية)… كما ساند محمد علي على (إصلاح) التعليم، فشرع في تأسيس المدارس النظامية والمعاهد المتخصصة، وسعى لتقليص نفوذ القضاء الشرعي، وشجع على سنّ القوانين العصرية…

وفي عام 1925 أصدر علي عبد الرازق (1888 – 1966) كتاب الإسلام وأصول الحكم الذي يتضمن دعوة إلى فصل الدين عن السياسة… وقد حاول علي عبد الرازق في هذا الكتاب أن يثبت عدم وجود دليل على شكل معيّن للدولة في الإسلام… ويعدُّ البعض كتاب “الإسلام وأصول الحكم “أولَ دراسة شرعية تؤسِّس للفكرة العَلمانية داخل الوسط الإسلامي… وأثار الكتاب ضجة بسبب آرائه في موقف الإسلام من “الخلافة”، حيث نُشَر في فترة سقوط الخلافة العثمانية، وبداية دولة أتاتورك (العَلمانية)، بينما كان ملوك العرب يتصارعون على لقب “الخليفة”.

أهمية العَلمانية في توحيد نضال الشعوب، وحماية الدول:

أثبتت تجارب شعوبنا أنّ العَلمانية سلاح فعّال لتوحيد الشعوب المناضلة ضدّ الاحتلال، ومقاومة التخلف، وأكبر مثال على ذلك، دور الأفكار القريبة من العَلمانية في توحيد نضال الشعب السوري ضد الاستعمار الفرنسي، حينما وحدت تلك الأفكار الثوار وقادتهم حول هدف وطني دنيوي شامل… فكان قادة الثورة السورية مؤمنين ورعين حقيقيين، ودنيويين (عَلمانيين) في تعاملهم مع مسائل النضال الدنيوي ضد الاحتلال.

لقد وحد سلطان باشا الأطرش مجاهدي الوطن، ومختلف قيادات الثورة من مختلف الأديان، والطوائف، والمذاهب، ومن مختلف المناطق بإجماع وطني منقطع النظير، حينما أطلق الشعار العَلماني «الدين لله، والوطن للجميع»… وعبرت مواقف المناضل الشيخ صالح العلي عن نهج وطني يعلو على الطائفية والمذهبية والإقليمية، وتجلى ذلك في معاركه ضد المحتل، وفي التنسيق الذي حصل بينه وبين الشريف حسين، كما تجلى في قرارات المؤتمر الذي عقد بناء على دعوته في الشيخ بدر مسقط رأسه في 15/10/1918 والذي طالب بضم الساحل السوري إلى سوريا الداخلية، والتنسيق مع الملك فيصل. وعرف المجتمع السوري عدداً كبيراً من الشخصيات الوطنية كالشهبندر، وهنانو، وفارس الخوري، والجابري، والأشمر، وغيرهم الذين تميزوا بتاريخهم الوطني العريق، وبنشاطهم ومواقفهم وفكرهم المتنور الداعي لتجاوز الطائفية والمذهبية، والنهضة بالفكر والشعب والوطن، ودعوا إلى بناء الدولة على أسس دستورية معاصرة، وهي مواقف عَلمانية بينة، ساهمت في تحرير البلاد، وإقامة حكم وطني جامع لجميع مكونات الشعب السورية العرقية والدينية، وهذه أحد ميزات العَلمانية.

تحديات العَلمانية في العصر الحديث – مناهضة الأصوليين المتزمتين للعَلمانية:

إنّ الحديث عن وجود أجنة العَلمانية في الحضارة العربية الإسلامية لا يعني رسم لوحة وردية، أو القول إنّ العَلمانية تلقى قبولاً واسعاً في أوساط المتدينين في كافة الديانات، وحال العَلمانية في بلداننا لا ينفصل عن حالها في العالم…

ثمّة مؤشرات كثيرة تدل على تراجع العَلمانية في معاقلها في الدول المتقدمة صناعياً، ناهيك عن الأطراف، من تلك المؤشرات ذلك الخبل الفكري الذي أخذ يعمّ شعوب تلك الدول والعالم، والذي عزّز صعود التيارات والمذاهب الفكرية الغيبية المنغلقة على ذاتها المستترة بالدين، والترويج للفكر الغيبي في المجتمع، وفي مناهج التعليم في مختلف أنحاء العالم…

تعبّر مسألة تراجع العَلمانية في معاقلها عن الأزمة التي تعيشها البنى السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية في الدول التي يزعم أنّها تنتهج نهجاً عَلمانياً… هناك ظواهر كثيرة تشهد على هذا تراجع العَلمانية والعقبات والتحديات التي تقف أمامها في أغلب بلدان العالم بما فيها الدول العربية الإسلامية، نورد منها، على سبيل المثال الظواهر التالية:

– منذ أواسط سبعينيات القرن العشرين الفائت أخذت التيارات الأصولية المنغلقة اليهودية، والمسيحية، والإسلامية تزداد قوة، وتهدد بعودتها وهجومها على العَلمانية المنجزات التي أحرزتها العَلمانية في معاقلها… فبدأت الأحزاب الدينية تحدث خرقاً انتخابياً في أكثر من دولة وتمنع الأحزاب العَلمانية من تشكيل الحكومات فيها، وجرى في ذلك الحين الإعلان عن قيام دول دينية… فضلاً عن الإعلان، سنة 1979 عن “ولادة اليمين الديني الأمريكي رسمياً، لا سيّما ولادة التحالفات الكبرى مثل الأكثرية الأخلاقية Moral Majority وهذا يعني بداية استيلاء السلفيين البروتستانتيين (المحافظين الجدد) على الحياة الداخلية وعلى السياسة الخارجية للولايات المتحدة.” (8) وأصبح نشاط مختلف التيارات السلفية (الأصولية) يثير التساؤلات إن كانت تعمل معاً لتشويه الديمقراطية والعَلمانية وإفسادهما والإطاحة بهما… وفي أواخر القرن العشرين جرى تفكك الاتحاد السوفيتي ودول أوربا الشرقية التي كانت تسير في فلكه، والتي كانت تُعدّ معاقل للعَلمانية…

– يلاحظ زيادة تحكم الفاتيكان بالاتحاد الأوربي، ويسعى الفاتيكان لمنع نشر العَلمانية ولتعديل المعاهدة الدستورية (الأوربية)، كما طالبت “لجنة أسقفيات الأسرة الأوربية” عام 1999 بـ”الاعتراف بدور الإيمان الديني كمصدر وأساس للقيم الأوربية المشتركة، وإدراجه في الصيغة النهائية للمعاهدة الدستورية”… (9)

– تُعدّ مسألة تحرر المرأة من أهم أهداف العَلمانية وركائزها؛ وليس غريباً وجود تعاضد بين تيارات ومجموعات متطرفة تنتمي إلى مختلف الديانات يجمعها الوقوف في وجه العَلمانية وأهدافها، ولا سيّما هدف تحرير المرأة… ويستند أتباع تلك التيارات المتطرفة إلى الفكرة القائلة إنّ النساء هنّ في أصل الغواية والشرّ، نتيجة لحكاية التفاحة الواردة في التوراة، التي تشكل جزءاً من المرجعيات المشتركة لدى أتباعها… وتنعكس هذه الفكرة في نشاط فئات واسعة من المجتمعات البشرية في كثير من دول العالم… يبدأ نهار كل رجل يهودي من غلاة المتزمتين، على سبيل المثال، بتلاوة هذا الدعاء: “الحمد لله الي لم يخلقني امرأة”. “حتى أكثر المبادئ قداسة، في الديانة اليهودية، تبقى رهينة بالرجال الذين يطبقونها، فتحرم النساء من حق دراسة التوراة والتلمود… وإن تعلمت وتبحرت في العلم الديني، فإنها لا تتمكن من الحصول على لقب حاخام…”(10) هكذا يتوحد المتعصبون المنغلقون لمواجهة العَلمانية… وتتطلب معالجة هذه القضية بذل جهد تنويري كبير وتضافر جهود مختلف القوى العَلمانية في هذا المجال…

– الأصولية المنغلقة المناهضة للعَلمانية ليست حكراً على ديانة محددة، فـفي كثير من الدول تجد مدناً وأحياء يسكنها متعصبون متزمتون يُشاهد فيها “أمام المخازن رتل للمشترين الذكور وآخر للإناث، وكما في سائر العوالم الأصولية تجد جميع الناس يراقبون جميع الناس، وثمة “شرطة فضيلة” مكلفة بمعاقبة اللواتي والذين يطلقون لأنفسهم العنان، يصل إلى حد ضربة بغصن أو الرجم بالحجارة والبيض، عقوبة اللباس غير اللائق، فضلاً عن التمايز في اللباس…” (11)

كما تجد من يتبنى مقولة القديس بولس: “رأس كل رجل هو المسيح، ورأس المرأة هو الرجل”. وتجد من يردّد رأي ترتوليانس “يا امرأة أنت الباب الذي دخل منه إبليس إلى الدنيا”. (12)

وثمّة دول يمارس فيها التمييز الجنسي، ولا تسمح باختلاط الجنسين لأسباب أيديولوجية – دينية، وتتمسك بعزل النساء حتى ولو أدى ذلك إلى موتهن، مثال على ذلك الحريق الذي حصل في إحدى مدارس البنات في السعودية، فتم منع الطالبات من الخروج من المدرسة كي لا يختلطن بالذكور، ومنع رجال الإطفاء من الدخول إلى المدرسة كيلا يختلط الإناث بهم من دون وجود محرم… فقتلت عشرات الطالبات حرقاً…

هكذا، يلاحظ وجود خيط ما يربط دعاة الأصوليات المغلقة جميعاً، في مناهضتها للعَلمانية، إذ يشترك الأصوليون المنغلقون من الأديان جميعاً في الفكرة القائلة إنّ شريعة الله متفوقة على قانون البشر، مما يوصلهم – منطقياً – إلى ازدراء المثل الديمقراطية والعَلمانية… كما أنّ حرية التعبير، التي تدعو العَلمانية إليها، هي الكابوس الذي يتسلّط على الأصوليين المتزمتين في الديانات الثلاث، وعلى الأصوليين العَلمانيين، وميلهم جميعاً إلى تكميم أفواه كلّ من يتراءى لهم كأنّه يريد النيل من أركان العقيدة المقدسة. فانتشرت فتاوى التكفير، وشُددت الرقابة، وتوسعت ظاهرة منع الكتب وحرقها… ويستند هؤلاء الأصوليون المتزمتون إلى نصوص مقدسة، ويغلقون بها أي نافذة للحوار…

وينبه كثير من المفكرين والباحثين في مراكز البحوث العَلمانية العالمية إلى وجود “تحالف مناهض للعَلمانية يمتد من الكرسي الرسولي – في الفاتيكان – إلى واشنطن مروراً بإسلام آباد”. (13)

آفاق العَلمانية في الدول العربية والإسلامية – العَلمانية حامية الدين والمتدينين:

بعد هذا العرض الموجز لواقع وتحديات العَلمانية يتبادر سؤال: هل للعَلمانية مستقبل، وهل يمكن أن تطبق مبادئها في البلدان العربية والإسلامية؟

يستمر الصراع بين الداعين لبناء الدولة على أسس عَلمانية، والمناهضين للعَلمانية. ويستخدم المناهضون للعَلمانية مزاعم تفيد بأنّ العَلمانية تعني الإلحاد والكفر، وتدعو إلى إقصاء الدين من حياة المجتمع… ويردّ أنصار العَلمانية على هذه المزاعم بالتأكيد على أنّ العَلمانية، من الناحية النظرية، تعني أن القوانين، والقيم، والمعارف التي تنظم شؤون المجتمع السياسية والاقتصادية والقانونية ليست نابعة من الدين… كما تعني العَلمانية أيضاً، أنْ تساوي الدولة المدنية بين جميع الأديان، وأنْ تقف على مسافة واحدة منها جميعاً، وأنْ تتعامل مع الهيئات الممثلة لها على أسس المساواة، وهذا يضمن التعددية السياسية والدينية ويساهم في التنوع الذي يغني العملية الديمقراطية.

ويؤكد العَلمانيون أنّ العَلمانية ليست مناوئة ولا معادية للدين، بل حامية له.

لمّا كانت أهم غايات العَلمانية هي المحافظة على سلامة الإنسان، وتطور المجتمعات البشرية، وحماية السلطات الحاكمة من الوقوع في أي شكل من أشكال الاستبداد أو التطرف، وهي تنشد بناء السلطات على أسس عقلانية تأخذ بعين الاعتبار بينة كل مجتمع، وميوله العامة، وبما أنّ النظرة العقلانية لبنية أي مجتمع تبين أنّ الناس يتعاملون مع مختلف القضايا الاجتماعية انطلاقاً من نظرة أخلاقية، وتلك النظرة نابعة لدى كثيرين منهم من الدين، فالدين يتخلل مختلف جوانب الحياة العامة للمجتمع، والنظرة المنطقية والعقلانية التي يتميز العَلمانيون بها تجعلهم يرون هذا الجانب، ويحترمونه، وبالتالي أي زعم بأنّ العَلمانية تعني إقصاء الدين عن الحياة عموماً هو قول غير منطقي، ولا عقلاني، وغير عملي حيث يستحيل إقصاء الدين عن الحياة… فضلاً عن أنّه لا يجوز النظر إلى مفهوم العَلمانية كنمط أو نسق واحد نهائي، فهي تنشأ وتتطور بالانسجام مع المعطيات الاجتماعية السائدة في كل مجتمع، وتختلف باختلافها، أي إنّ خصائصها تختلف من بلد لآخر، فعلى سبيل المثال، إذا كانت قد نشأت العَلمانية (اللائكية) الفرنسية في تضاد مع الكنيسة بسبب تغول سلطات الكنيسة، وبسبب سلوك بعض رجالها، ووقوفهم ضد الثورة، ففي بريطانيا لم تدخل العَلمانية والدولة المدنية في صراع مع الكنيسة، حيث يظلّ الملك في بريطانيا رأساً للكنيسة رمزياً.

العَلماني المتنور يضع الدين في مكانة إنسانية ذاتية سامية، مع اعتقاده أنّ من المتعذر إدارة شؤون الحياة اليومية وفق التشريعات الدينية، ومواكبة متطلبات العصر بما تقتضي من تشريعات جديدة واستحداث قوانين تنظم شؤون الحياة اليومية التي لم تكن موجودة في النصوص الدينية، كتنظيم الإعمال التجارية والشركات، والمنظمات الاجتماعية، والجامعات التي تتصف بالدنيوية (العَلمانية) فضلاً عن سنّ القوانين العصرية الملائمة لحقوق الإنسان وفق المعايير الدولية الحديثة…

لقد أثبتت تجربة المجتمعات البشرية أنّ إقحام الدين في المجال السياسي أو العام، لا يترك أي فرصة للنشاط السياسي للفئات الأخرى من غير المتدينين، وبالتالي يفرض على من يريد العمل في الشأن السياسي أن ينخرط في الجماعات الدينية ويتخلى عن اعتقاداته، في حين لا تتطلب المبادئ العَلمانية من المتدينين أن يتخلوا عن اعتقاداتهم… فالعَلمانية والديمقراطية أضمن عوامل الرفاه الجماعي والاجتماعي – لأنّهما لا تفرضان شيئاً بلا مشاورة – فضلاً عن أنّ تطبيقهما هو أيضاً ضمانة مجربة من أجل حياة مجتمعية تُحترم فيها القناعات الروحية كما هي: إي كقناعات خاصة لا يسمح بفرضها على الآخرين. ويساعد تطبيق العَلمانية والديمقراطية في احترام وتفتح الدين ويحرره من أن يكون رهينة في يد السياسة…

لقد أثبتت التجربة أنّ تطبيق المبادئ العَلمانية ضروري لبناء الدولة على أسس حضارية سليمة، وهي تساعد في خلق البنى التي تعالج التناقضات في المجتمع، وتعالج الخلل في علاقة الفئات الاجتماعية في المجتمعات متنوعة الأعراق، والديانات، والمذاهب، والطوائف، والأحزاب، والطبقات، بضمانها العلاقة المتكافئة في المجتمعات التعددية…

ثمة أمر ينبغي التنبيه إليه بخصوص موقف جماعات المتدينين السياسيين من العَلمانية، ويتمثل ذلك الأمر في التعامل الانتهازي مع قضية العَلمانية بحسب الموقف الأيديولوجي وليس بناء على المبادئ الفكرية، ويتبين ذلك بوضوح من خلال رد فعل بعض الجماعات الدينية السياسية من العَلمانية في تركيا، حيث تؤيدها في العلن، لأنّ الحزب الحاكم في تركيا، الآن، قريب منها أيديولوجياً، بينما تصرح في محافلها السرية بأنّها ضد العَلمانية، وتسعى لإقامة الدولة الدينية… وتتجلى انتهازية هذه الجماعات في استغلال أي تهاون من قبل العَلمانيين لفرض شريعتها وقوانينها عليهم، مثال على ذلك التطور في مسألة قبول الحجاب في المدارس حتى يتم فرضه في نهاية المطاف، وهذا ما حصل على سبيل المثال مع النساء العَلمانيات اللواتي رضين بارتداء الحجاب في المظاهرات المناوئة للحكومات الاستبدادية، أو العميلة للاحتلال والاستعمار – رضين بذلك – كرمز لتحالف جميع القوى المناهضة للاحتلال والتبعية، من دون الأخذ بالاعتبار مخاطر الأصولية الدينية المنغلقة، فيستغل هؤلاء الأصوليون هذا التراجع ليتقدموا يوماً بعد يوم، وليفرضوا شريعتهم على النساء، وعلى المجتمع. وهكذا يدفع العَلمانيون ثمناً باهظاً لتنازلاتهم غير المدروسة… هذا لا يعني وجود قطيعة بين العَلمانيين والمتدينين في العمل لتحقيق ما يعلي شأن الوطن، إنما ينبغي التمييز بين المواطنين المتدينين من جهة، وبين الأصوليين المنغلقين المتزمتين أصحاب مشاريع بناء الدولة على أسس دينية مغلقة، من جهة أخرى… مع التنويه إلى أنّ العَلمانية حامية لكل فئات المجتمع من كل المشارب، والأعراق، والمذاهب، بمن فيهم المتدينين.

تطرح الحياة باستمرار أسئلة وتحديات متجددة أمام العَلمانية تحتاج إلى معالجة، منها على سبيل المثال، المسائل التي تتطلب أحياناً مفاضلة بين احترام مبدأ الحرية الفردية (بما فيها الدينية) من جهة وبين احترام مبادئ العَلمانية من جهة أخرى، فلأي طرف تميل الغلبة؟ ثمة آراء تغلب الحرية الفردية، وآراء أخرى تقول إنّ هذه المفاضلة تكون في صالح العَلمانية حينما تتحول ممارسة الحرية إلى ممارسة تعسفية، وتتناقض، أو تخالف القوانين المتفق عليها، وتنتهك مبادئ وأسس النظام العام.

يتواصل الصراع بين الأصوليين والعَلمانيين العقلانيين، وينبغي للعَلمانيين أن يقدموا المثل الأعلى الذي يبرر نفسه بالممارسة العملية، ولا تكتفي الدولة في البلد العَلماني بضمان معاملة متساوية وعادلة بين الأديان كلّها، وتحقيق عملية التجاوز الطائفي، بل ينبغي أن تضمن استمرار هذه العملية في المجتمع، وتطورها من داخل مؤسسات المجتمع ذاتها لخلق فضاء أكثر عقلانية دائماً، ذلك أنّ العقل وحده يتيح دفع القوانين نحو مزيد من العدالة والمساواة والحرية، أي ينبغي للعَلمانية أن تبدع ما يبررها ويحميها؛ كي تصبح مثالاً أعلى في الإبداع والحرية…

تُعَدُّ مسألة نشر الفكر العَلماني، والعمل على إنشاء المؤسسات العَلمانية في المجتمع، وبناء الدولة العَلمانية الحقيقية – وليس الخلبية التي يجري الترويج لها لأسباب سياسية وإعلامية دولية – مهمة كلّ مواطن غيور على وطنه… ومن يقف عائقاً أمام نشر الفكر العَلماني، وبناء مؤسساته، يقف عائقاً أمام بناء الدولة على أسس سليمة، وأمام معالجة التناقضات داخل المجتمع، ويعادي تحرر المرأة، ويقدم خدمة لاتجاهات وفئات التعصب الظلامية المتخلفة المنغلقة، لأنّه يحمي البيئة الفكرية التي تفرّخها، والحامية لها…

كلّ ذلك يبين ضرورة وأهمية الدفاع عن هذه الشعلة التي تكاد تخبو بفعل رياح التعصب الظلامية، وأخطاء أصوليي العلمانيين أنفسهم.

نعود ونؤكد أنّ الحضارات والدول لا تبنى إلا على أسس دنيوية (عَلمانية)، وقد بنى العرب المسلمون حضارتهم على أساسها، وإذا أردنا الآن بناء دولة متحضرة فمن الضروري الاستفادة من التجارب والأفكار الإبداعية في تلك الحضارة لبناء هذه الدولة العَلمانية والارتقاء بها إلى مستوى الدول المتحضرة.

  • كاتب وباحث سوري-ورقة ألقيت في ندوة أقيمت في مقر فرع طرطوس لاتحاد الكتاب، يوم الأحد 27/6/2021
الهوامش
(1) فجر العلم الحديث ـ عالم المعرفة ـ تأليف : توبي أ. هف ـ ترجمة د. محمد عصفور . ـ الكويت ـ العدد /260 التاريخ آب / أغسطس 2000م ص39 لمزيد من المعلومات انظر : Merton , in the Sociology of Science , p. 268-277
(2)) كامل عياد ـ مقالات مختارة ـ وزارة الثقافة ـ دمشق ـ 1994  ص478
(3) الأحاديث النبوية الصحيحة – شبكة الانترنت الدولية
(4) مايكل هارت “مائة رجل في التاريخ” – شبكة الانترنت الدولية
(5) حكم النبي محمد ـ ليف تلستوي ـ ترجمة سليم قبعين ـ تقديم وتعليق عبد المعين الملوحي ـ دار الملوحي للطباعة والنشر ـ دمشق سوريا ـ الطبعة الثانية ـ 1997 ـ ص22 ـ ص64)
(6) جورج طرابيشي – العَلمانية التراثية – شبكة الانترنت الدولية.
(7) جورج طرابيشي – الإسلام الحضاري – شبكة الانترنت الدولية.
(8) كارولين فوريست – فياميتا فينّر – العَلمانية على محك الأصوليات اليهودية والمسيحية والإسلامية – ترجمة: غازي أبو عقل – رابطة العقلانيين العرب – 2006
(9) المصدر السابق. ص243
(10) المصدر السابق. ص27
(11) المصدر السابق. ص29
(12) ترتوليانس – “في زينة النساء”. م. شاربانتييه الكتاب الثاني / 7 والكتاب الأول /1)
(13) كارولين فوريست – فياميتا فينّر – العَلمانية على محك الأصوليات اليهودية والمسيحية والإسلامية – ترجمة: غازي أبو عقل – رابطة العقلانيين العرب – 2006. ص146

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى