رأي

العقيدة الاستراتيجية الجديدة لإيران.. وإعادة رسم خريطة منطقة غرب آسيا (أحمد حوماني)

 

بقلم د أحمد حوماني – الحوارنيوز

 

غرب آسيا هو مصطلح كثيرًا ما كان يستخدمه الإمام الخامنئي ليُشير به إلى ما يعرف اليوم باسم الشرق الأوسط، وهو يرى أن المستعمر أراد بمصطلح (الشرق الأوسط) سلخ هذه المنطقة عن عمقها الجغرافي الممتد عبر إيران وأفغانستان وباكستان، والنظر إليها كمنطقة منفصلة بحد ذاتها، مع العلم أن دول هذه المنطقة هي مهد الحضارات والديانات السماوية ومهبط الأنبياء والمرسلين، وهي قلب العالم القديم والحديث، وتاريخيًا كانت مطمع كل الإمبراطوريات التي حكمت العالم: أولًا لموقعها الجغرافي المميز، وثانيًا لمكانتها الدينية، وثالثًا وحديثًا لخيراتها وثرواتها الاقتصادية.

لا ينفصل الصراع الحالي بين إيران ومحور المقاومة من جهة، وبين العدو الصهيوني والمشروع الأمريكي في هذه المنطقة من جهة أخرى عن هذه القراءة التاريخية، ويمكن تشبيه ما يحصل اليوم بما حصل في الحروب الصليبية ما بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر الميلادي. فيومها استغل أمراء وملوك أوروبا الكنسية المسيحية للترويج لإعادة السيطرة على القدس، وشنّوا عشرات الحملات التي عُرفت بالحملات الصليبية، واستمر حكمهم في هذه المنطقة لحوالي مائتي سنة. طبعًا كانت المنطقة تعاني يومها من حالات التمزق والضعف والصراع بين حكامها، ما سهّل عليهم احتلالها، لكن مع الوقت استعادت دول المنطقة عافيتها، وتمّ طرد الصليبيين منها، وللمصادفة فإن آخر قلاعهم التي سقطت هي قلعة عكا في فلسطين المحتلة حاليًا.

ولم يكن ما جرى بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية إلا جزءًا مكمّلًا لهذا الصراع، ويدل على ذلك ما قاله الجنرال الفرنسي هنري غورو عندما احتل جيشه سوريا ووصوله إلى قبر صلاح الدين الأيوبي في دمشق: “ها قد عدنا يا صلاح الدين”. فسقوط الدولة العثمانية كان إيذانًا بمرحلة جديدة في حكم هذه المنطقة وشعوبها، حدّدت معالمها اتفاقية سايكس-بيكو، وهي المعاهدة السرية التي وُقّعت عام 1916 بين فرنسا وبريطانيا (بمصادقة روسيا القيصرية)، والتي رسمت الحدود السياسية الحالية في هذه المنطقة. وقد سُمّيت المعاهدة نسبةً إلى الدبلوماسي الفرنسي “فرانسوا جورج بيكو”، والبريطاني “مارك سايكس”، وتمّ التفاوض عليها سرًا بين تشرين الثاني من العام 1915 وأيار من العام 1916. وقد احتلت فرنسا بموجبها ساحل سوريا ولبنان، بالإضافة إلى أجزاء من جنوب الأناضول ومنطقة الموصل في العراق، فيما احتلت بريطانيا وسط وجنوب العراق (ولايتي بغداد والبصرة)، والمناطق الممتدة حتى الخليج العربي، وتقرّر إخضاع فلسطين لإدارة دولية شكلية بسبب أهميتها الدينية كما قيل يومها، لكن الواقع أنها خضعت للاحتلال البريطاني تمهيدًا لاستكمال المشروع الصهيوني. وقد أدت هذه المعاهدة إلى رسم الخريطة الجيوسياسية للعديد من الدول العربية الحديثة، وتم الكشف عن تفاصيل المعاهدة السرية وإعلانها للعلن بعد الثورة البلشفية في روسيا أواخر عام 1917، وهو ما يتوافق مع تاريخ وعد بلفور للصهاينة الذي هو عبارة عن رسالة بعثها وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور إلى اللورد اليهودي روتشيلد، تعهدت فيها بريطانيا بإنشاء “وطن قومي لليهود” في فلسطين.

واستكمالًا لهذا المسار أيضًا جاءت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية مع حلفائها على العراق وأفغانستان، وتهديدهم سوريا وإيران، وهي حروب تعبّر عن هذا الصراع التاريخي. وليس أدلّ على ذلك ما قاله الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن عندما أثار موجة غضب واسعة في العالم الإسلامي باستخدام مصطلح “الحملة الصليبية” في أيلول من العام 2001 أثناء إعلانه عن حربه على الإرهاب، قائلًا: “هذه الحملة الصليبية، هذه الحرب على الإرهاب ستستغرق وقتًا”. ورغم تراجع البيت الأبيض لاحقًا عن استخدام الكلمة، إلا أنها رسّخت الانطباع بوجود بُعد ديني – تاريخي للصراع. واتبعت ذلك وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس عندما أطلقت تصريحها الشهير خلال حرب تموز 2006، معتبرة أن الدمار والمعارك هما “آلام مخاض لولادة شرق أوسط جديد”، وذلك في إطار رؤية الإدارة الأميركية لإعادة تشكيل المنطقة سياسيًا وأمنيًا، فيما كان نتنياهو أكثر وضوحًا عندما أعلن أثناء عدوانه على غزة ولبنان وإيران أنه بصدد تغيير الشرق الأوسط وإعادة رسم خريطة جديدة له.

هذا السعي الغربي لاحتلال هذه المنطقة واستعمارها، سواء كان سببه اقتصاديًا أو دينيًا، يدركه الإيرانيون بعمق، وهم يرون أن هذه الحروب وإن ظهر أن سببها المعلن كسر شوكة إيران ومحور المقاومة، إلا أنها تهدف إلى إخضاع المنطقة كلها والسيطرة على مقدراتها الاقتصادية بما فيها من نفط وغاز، وقطع الطريق على أي قوة اقتصادية أو سياسية تريد أن تجد لها مكانًا في هذه المنطقة. لذا؛ كان إعلان الإمام الخامنئي أن ثمن اغتيال قاسم سليماني هو خروج القوات الأمريكية من منطقة غرب آسيا، ولم يكن ضرب قاعدة عين الأسد يومها في العراق إلا إيذانًا بأن إيران قد تخلت عن الصمت الاستراتيجي الذي طالما وسمت سياستها الخارجية به، لتنتقل إلى العمل الدؤوب على إخراج أمريكا وأتباعها الأوروبيين من المنطقة.

بناءً على ذلك، أخذت إيران على عاتقها هذا الحمل الكبير بالسعي إلى مواجهة قوى الغرب الاستعمارية التي تحكّمت بدول غرب آسيا منذ مائة عام، معتمدة على تراثها الحضاري العظيم، وعلى تجاربها العسكرية والسياسية خلال مئات السنين، وعلى السنن التاريخية بأن المحتل سيزول عندما يجد من يواجهه بقوة وعناد وتضحية، وعلى معرفتها بأن دول غرب آسيا هي في الظاهر دول مستقلة لكنها في واقع الأمر دول تابعة للمنظومة الغربية، وهي تتحكم بشعوبها وتستغلهم لمصالح شخصية وعائلية. ودليلها أن كل حركات المقاومة التي قامت بوجه المستعمرين المحتلين أو كيانهم الصهيوني الغاصب كانت تتعرض للطعن في الظهر منهم، كما حصل مع جمال عبد الناصر وحافظ الأسد وغيرهم، فعمدت إلى مناصرة كل حركات التحرر خصوصًا تلك التي تواجه الكيان الصهيوني بشكل مباشر، سواء في لبنان أو فلسطين، أو التي تواجه الاحتلال الأمريكي كما في العراق أو في اليمن.

ولم تقتصر نصرتها على الدعم الكلامي فقط، فقد أمدّتها بالسلاح ودربتها، والأهم من ذلك أنها علمتها تصنيع أسلحتها وبناء أنفاقها وطرق مقاومتها، حتى لا تكون رهينة لأحد في المستقبل، وتستطيع القيام بمسؤولياتها بنفسها. فتحولت العلاقة بينهما من علاقة مدرّب ومتدرّب، وداعم ومدعوم، إلى علاقة تحالف على مستوى عالٍ من الوثاقة.

كانت عقيدة إيران العسكرية تقوم على الصبر الاستراتيجي، بمعنى أنها ستحاول دومًا ألّا تنجر إلى العمل العسكري، بل ستلجأ إلى الحلول الدبلوماسية ما أمكن ذلك. ومن جهة ثانية، وبالرغم من كل الضجة التي تُثار حول سعيها لامتلاك سلاح نووي، فإن عقيدتها العسكرية ابتعدت عن فكرة امتلاك ذلك السلاح. ومع ذلك يبدو أن السياسة الأمريكية والغربية والصهيونية لم تترك إيران وشأنها، بل سعت دومًا لإثارة القلاقل والمشاكل في داخل إيران سعيًا إلى تغيير النظام، وقد أفشلت القيادة الإيرانية كل تلك المحاولات. لكن ما تغيّر في السنوات الثلاث الماضية أن أمريكا والصهيونية قرأتا هذه العقيدة على أنها من نقاط الضعف في السياسات الإيرانية الخارجية. فبعد اغتيال قاسم سليماني، عاد العدو الصهيوني بموافقة من أمريكا إلى ضرب السفارة الإيرانية في دمشق، وبعدها العديد من عمليات الاغتيال في طهران، سواء لرئيس حركة حماس إسماعيل هنية، أو للكثير من علمائها خصوصًا النوويين منهم، وأخيرًا الهجوم على إيران في حزيران من العام الماضي، ثم الحرب المفروضة عليها منذ آذار الماضي، حيث تم اغتيال الإمام الخامنئي والعديد من قادة الصف الأول والثاني، وقصف الطيران الأمريكي والصهيوني للعديد من المواقع النووية والعسكرية والمدنية. وقد ردّت إيران بسرعة على ذلك، وأنزلت الخسائر الفادحة بالأمريكيين والصهاينة وقواعدهم في دول الخليج.

الحربان الأخيرتان جعلتا القادة الإيرانيين يُعيدون صياغة عقيدة عسكرية جديدة لإيران في التعامل مع الأخطار المحدقة بها. ولأول مرة تقوم القوة الجيوفضائية الإيرانية بقصف العمق الصهيوني ردًا على استهدافه للضاحية الجنوبية في بيروت، فكان هذا الأمر مفاجئًا للقادة العسكريين الصهاينة الذين لم يتوقعوا ذلك أبدًا. وهذا ما حدا برئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام صادق لاريجاني للقول: “الهجوم الإيراني دفاعًا عن لبنان إعلان رسمي عن عقيدة استراتيجية جديدة”. إذًا، دخلت إيران في عصر عقيدة استراتيجية تعتبر أن التعرض لأحد أضلاع محور المقاومة سيستتبع ردًا يتجاوز الحدود الجغرافية ويقلب المعادلات الإقليمية على حسب قوله. وهذا يعني سقوط الحدود التي رسمها الغرب في هذه المنطقة، وإعادة تشكيلها على أساس وحدة الموقف ووحدة الساحات ووحدة الهدف. وهو ما أشارت إليه صحيفة نيويورك تايمز عندما ذكرت في تقرير لمراسلتها إريكا سولومون: “أن القيادة الإيرانية الجديدة تبنّت عقيدة أكثر تشددًا”.

إن إصرار إيران على وضع بند وقف الحرب في لبنان، وبند ابتعاد القوات الأمريكية عن الخليج، وضرب العمق الصهيوني دفاعًا عن لبنان، والتهديد بإغلاق مضيقي هرمز وباب المندب، يؤكد أن إيران قد وضعت استراتيجية الصمت الاستراتيجي وراء ظهرها، وأن استراتيجية الهجوم العسكري ضد كل من يهدد أمنها وأمن حلفائها في المنطقة هي الحاكم في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ هذه المنطقة. فهل سنشهد تغييرًا في العقيدة النووية، خصوصًا إذا لم تُلبَّ مطالب إيران المحقة في مفاوضات باكستان، أم ستكون هذه الحرب هي بداية رسم خريطة جديدة لمنطقة غرب آسيا؟

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى