دولياتسياسة

الشرق الأوسط والانتقال المتعثر من ترامب الى بايدن

 

كتب محمد هاني شقير
أعرب جون برينان، الرئيس الأسبق لوكالة الاستخبارات الأمريكية، عن قلقه مما قد يفعله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال الأيام الـ70 المقبلة حتى يوم تنصيب الرئيس المنتخب جو بايدن في الـ20 من يناير. ونقلت شبكة «سي إن إن» الإخبارية الأمريكية عنه قوله أنا قلق الآن مما يمكن أن يفعله هذا الرئيس الغاضب وإمكانية تهوره" .
إنها أيام حاسمة ربما تخبئ مفاجآت غير سارة، فهل سنشهد أحداثا غير متوقعة؟ أم ان كل ما يجري تداوله مجرد شائعات لا أساس لها من الصحة؟
لقد تغيرت أولويات الولايات المتحدة الاميركية، فأنظارها متجهةً أكثر نحو الصين، المارد الاقتصادي الصاعد بقوة، وما سيترتب عليها من تطورات اقتصادية وسياسية وتجارية. ولكن الرئيس دونالد ترامب خلّف ترِكةً ثقيلة ستواجه جو بايدن الآتي على صهوة معركةٍ انتخابية صاخبة. وبايدن هذا سيحارب، على جبهتي الدور والهوية؛ فدور اميركا على الصعيد العالمي لا يحتاج الى كثير شرح والقاصي والداني يعرفه ويعيش في ظل كوابيسه التي لا تنتهي، بينما الأمر المستجد يتمظهر بانفجار أزمة الهوية والانقسام العمودي الايديولوجي الايندو – باسيفيك، حيث حصلت أحداث وتطورات داخلية مهمة ،ولا سيما الانتفاضة على خلفية التمييز العنصري لتنعكس في صميم فكرة الانتماء، وهذه، يقول الخبير والمحلل العسكري العميد الياس حنا، "من أصعب التحديات التي تواجه السلطات في العالم، أي مسألة معالجة أزمة الهوية، لما تشكله من واجهة لا بل عنوان هذا البلد أو ذاك، وبخاصة قضية تعاضد وتنوع المجتمع في آن واحد. من هنا فمسألة الخيارات الخارجية ولا سيما الحرب، في أي بقعة من بقاع العالم وبخاصة الشرق الأوسط، ستكون معرضة لموانع كونغرسية".
لكن ماذا يمكن أن يجري في الوقت الضائع، والذي قد يكون ثمينًا جدًا لترامب وبايدن؟
في هذا السياق يرى الباحث السوري في شؤون الشرق الاوسط محمد صالح الفتيح، "أنّ مؤشرات قيام الولايات المتحدة الأميركية، بارتكاب عمل أمنيّ ما في منطقة الشرق الأوسط هي في أعلى مستوياتها بالمقارنة مع سنوات ولاية ترامب الأربع، والأمر مُتوقّف على نوعيّة التطورات التي ستحصل في ما تبقى من ولاية ترامب، التي تمنحه الفرصة لاستخدام الخيار العسكري. فعلى الرغم من كلّ صلاحياته الرئاسية، إلّا أنّ ترامب بحاجة لتقديم ذريعة لأيّ عمل عسكري يُخطط له، وكذلك ضمن البنتاغون هو بحاجة إلى تقديم تبرير على أيّ خيار عسكري قد يُقدم عليه.  ومهما عيّن من المقرّبين في مواقع المسؤولية، يشاركونه وجهات النظر تجاه الموقف من إيران وحزب الله، فهو في نهاية المطاف عليه أن يقدّم تبريرًا! كأن يشير الى وجود معلومات عن أنشطة نووية سرية تقوم بها إيران، كما قال عندما قام باغتيال الجنرال "قاسم سليماني"، بأنه كان يخطط لضرب السفارة الأميركية في بغداد. لكن سيكون نواب البنتاغون حريصين على مصداقية تلك المعلومات لأن هذا سيُعرضهم للاستجواب فيما بعد، بخاصة وأن العلاقة بين ترامب والبنتاغون معقدة جدًا، فقد رأينا كيف أحبط البنتاغون عدة خطوات كان ينوي ترامب اتخاذها في السياسة الخارجية. وترامب إذا ما قرر القيام بعمل عسكري ما فسيكون سريعًا جدًا ولن يتعدى الـ 24 ساعة، وخطوات إعاقته ضعيفة بسبب انقسام البنتاغون في ما يخص الملف الإيراني، لأن هناك شريحة كبيرة داخله ترى أنه من الواجب توجيه ضربة الى إيران بغية تصحيح ما يحسبونه معادلة الردع الحالية، سواء حصلت في مياه الخليج العربي أو على الأراضي الإيرانية نفسها".
ولا ننسى، يتابع الفتيح، "أن أي ضربة عسكرية سيكون لإسرائيل رأي فيها، وهذا ما سيتم بحثه بين وزير الخارجية الأميركي الذي سيزور المنطقة قريبًا والمسؤولين الإسرائيليين، وذلك بحسب مصلحتهم التي يعمل وفقها ترامب، الذي يقع بين توازنين لا يمكن التكهن بأرجحية أحدهما على الآخر، بانتظار طبيعة التطورات التي ستحصل في الشهرين المقبلين".
ويعتقد بأنّ ترامب ربما يفكر في توريط "بايدن" في تعقيدات إضافية من شأنها التأثير على سياسته في خلال السنوات الأربع المقبلة. ويضيف "أنّ ربط التعديلات التي يجريها ترامب في أجهزة الأمن الأميركية بانسحاب الجيش الأميركي من المنطقة، لهي مجرد أفكار لا تعدو أن تكون تمنيّات أكثر منها تحليلات تستند الى معطيات دقيقة؛ فخطوة الانسحاب معقدة جدًا وتحتاج الى تعاون واسع، ولا تقتصر على قيادة الجيش الأميركي المركزية في قطر، ومعظم من حلّوا مكان المُقالين منذ أيام لم يشيروا الى مثل هذه المعلومات، ولهدف عدم تحقيق الانسحاب، قد يقدمون الكثير من الحجج التي من شأنها أن تمنع حصوله. لهذا، فباستثناء أفغانستان التي وقع ترامب مع طالبان اتفاقاً في شباط/فبراير ينص على سحب القوات الأميركية، من المستبعد حصول تغيير في باقي خارطة الانتشار العسكري".
ويؤكد "أنّ سحب القوات الأميركية من الخارج لم يكن ضمن قضايا النقاش خلال السباق الانتخابي. كما أنه من مصلحة ترامب أن يُبقي تلك القوات في هذه المناطق بغية الضغط على بايدن في أثناء توليه السلطة، باتهامه أنه لم يسحب القوات الأميركية من تلك المناطق. وهكذا سيدّعي ترامب حينها، أنه حاول سحب جيوشه، إلا أنّه مُنع من ذلك. غير أنّه وصحبه يركزون على ملف السلاح النووي الإيراني، وهم، يؤشرون بوضوح، الى أن إدارتهم ستستغل الأسابيع المتبقية من ولايته لإصدار دفعات جديدة من العقوبات على إيران وحلفائها، ولسوف تساعد هذه العقوبات الموقف الإيراني وتحصّنه في وجه أي محاولة اختراق من جو بايدن".
وهذا الأخير بحسب العميد حنا يحتاج الى سنة كاملة لإعادة ترميم البيت الداخلي الذي فككه ترامب  دبلوماسيًا أو بشريًا أو على صعيد تشكيل الوسائل البشرية المتخصصة بالإدارة الاميركية نفسها(وزارة الخارجية، وزير الدفاع، رئيس مجلس الامن القومي فضلاً عن الأماكن الشاغرة بينها سفارات)والتحديات الداخلية الاميركية ليست سهلة، وهي تقوم على مواجهة جائحة كورونا من جهة وإعادة النهوض بالعجلة الاقتصادية من جهةٍ ثانية، وكلا التحديين يتناقضان، لذلك سيضع بايدن نصب عينيه تأمين اللقاح الذي من شأنه أن يشكل اللبنة الأولى في النهوض الاقتصادي نظرًا للمليارات التي سيرفد اللقاح بها خزينة الولايات المتحدة، وهكذا يرتبط موضوع النهوض الاقتصادي بإنتاج لقاح لجائحة كورونا.
ويضيف أن منطقة الشرق الأوسط ليست أولوية أميركية وهي ستكون منخفضة لدى إدارة بايدن، والاتفاق النووي مع إيران لن يكون كما كان مع أوباما وليس كما هو حاليًا مع ترامب. لذلك سيتم إرضاء الحلفاء الخمسة الشركاء في الاتفاق. كما ستعمل اميركا على تشغيل المسلك الممتد من اسرائيل مرورًا بدول الخليج فباب المندب حتى تايوان، لضرب طريق الحرير الصيني.
وعن التأثير الذي سيلحق بدول الخليج سلبًا أو إيجابًا نتيجة فوز "جو بايدن"، يقول الفتيح: أعتقد أنّ دول الخليج استعدت للتغيير عبر التوجه للتطبيع، فلولا إدراكها ترجيح احتمالية خسارة ترامب، لما حصل التطبيع الإماراتي والبحريني والسعودي على الطريق. هناك خسائر بطبيعة الحال ولكن محاولات الاستباق كانت ناجحة وبايدن ليس أوباما. وما دامت العلاقات الأميركية التركية سيئة جدًا، واحتمال إطلاق الملف النووي الإيراني غير كبير، ولا توجد مؤشرات على عودة الدعم الأميركي للإخوان المسلمين أو للتغيير السياسي في المنطقة، فإن التفاصيل المُقلقة لدول الخليج محدودة.
ويُضيف: هناك طبعًا، ملفات عديدة لهذه الدول ولكل منها وضعها الخاص في المنطقة وفي العلاقات مع الولايات المتحدة. لهذا من الصعب تلخيص الموضوع بجيد أو سيء.
يبقى أن نشير إلى أنّ أميركا في عهد ترامب لم تهتم بحلٍّ سياسي في اليمن، ولكنّها، أيضًا، لم تتدخل بشكل عسكريّ لصالح الخليج، فالانخراط في التفاوض في عهد "بايدن"، سيخفّف من ضغوطات الكونغرس على السعودية، على خلفيّة حرب اليمن.
يختم محمد صالح الفتي 

ما نعرفه عما تملك اسرائيل ليس هو ما يعرفه حزب الله عنها، وما نعرفه عما يملك حزب الله ليس هو ما تعرفه اسرائيل. فالحزب واسرائيل تعلما من تجربتهما في حرب تموز، حيث خسرت اسرائيل تلك الحرب لأنها لم تربح والمقاومة انتصرت لان اسرائيل لم تحقق أهدافها.
وهنا، يشير العميد حنا، الى أن "كل طرف يده على الزناد، ولكن لكل منه حساباته؛ وهذه اسرائيل تسعى للتمدد عربيًا بغية تأمين الطريق الداخلي عدا عن السوق الخليجي، وبشائرها أصبحت معلومة، وبالتالي ليس هناك من يعترض هذه المسيرة، وعليه فحساب الحرب والسلم، بالنسبة لإسرائيل يقوم على هذه المعادلة، كما يقوم على حالة الخصم الداخلية، فهي تنظر بسرور لكل ما يشهده لبنان! فأي سعادة تتوقعها اسرائيل أفضل مما تمارسه طبقةٍ سياسية لبنانية لم تتعلم من كل ما جرى ويجري لبنانيًا؟! وهذه الطبقة نائمة في غيبوبةٍ مريبة، تدفعك، كلبناني، للتساؤل عن مصير هذا الوطن مع لا مبالين يتفاكرون فقط في مصالحهم حتى لو كانت تقود لنهاية وطن".. يختم العميد الياس حنا.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى