سياسةمحليات لبنانية

الدولار يحاصر الحكومة.. والبحث جار عن حل يقنع الشارع قبل فتح المصارف

 

على مدى الأيام السبعة الماضية اعتباراً من انطلاق انتفاضة الغضب على الحكومة، تابعت الحراك وراقبت مستجداته يوماً بيوم، وأعترف بأن فهم العلاقة بين كل ما حصل لم يكن سهلاً مع تماوج مشاهد الحراك بين عدة صور تراوحت رؤيتها بين الـ "جلية" والـ "ضبابية"، وبدت في كثير من الأحيان متفاوتة إن لم نقل متعارضة إلى حد الشك بمصداقية خلفياتها، على وقع "الموسيقى بعد انتكاسة الليلة الأولى التي كاد أن يطيح بها تدخل القوى الأمنية والجيش، خلافاً لما كان يوحي به سياق التحرك في البداية، فتراوحت مشاعري بين الحزن والفرح، وتوقعاتي بين التفاؤل والتشاؤم، وموقفي بين التأييد والتردد في التشجيع على الاستمرار بعدما شهدناه من محاولات لتشويه سمعة الانتفاضة، من خلال ما شهدته بعض الساحات من مظاهر احتفالية أو انفعالات بدا فيها طابع الحقد والرغبة بالانتقام يتفوق على صدق المطالب المعيشية للطبقات المسحوقة والمحرومة المتروكة للمجهول، ويحرف زخم  الغضب عن الوجهة الصحيحة الموصلة إلى إحداث تغيير إيجابي فعلي يبشر باستعادة الدولة ويكف يد الفاسدين ويضع حداً لجشعهم وارتكاباتهم.
وقد لفتتني مجموعة اقتراحات قيّمة نشرها الصديق د. عصام نعمة اسماعيل تحاكي رؤيتي وقناعتي، وأحببت أن أضيف إليها مع فائق التقدير والاحترام والتأييد، مجموعة أولويات في طليعتها إلغاء "الإجراءات والتدابير الإصلاحية والاقتصادية والمالية" التي تقرر تنفيذها الإثنين الفائت، في آخر جلسة لمجلس الوزراء، حيث فاحت رائحة الصفقات وتقاسم ما تبقى من مرافق الدولة، وتجلت "منظومة الفساد" من خلالها بأوقح صورها، في أصعب ظرف تمر به دولة على شفير الانهيار على جميع المستويات، لاسيما وان هذه "الإصلاحات" تندرج في سياق استكمال نهب مرافق الدولة وأملاكها وإسقاط ما تبقى منها بأيدي من فاتهم قبض حصة "الطائفة" خلال دورة تسعينات القرن الماضي، ممن باشروا، بالتأسيس لبناء أمبراطورية مالية والتأسيس لحكم عائلة جديدة بموازاة الفساد المستشري، على إثر انقلاب الأوضاع بنتيجة أحداث 2005 !
الأولوية اليوم هي لإجهاض أكبر وأخطر عملية نهب جديدة في تاريخ لبنان، بعد أن التهم القطاع الخاص حصة كبيرة من إيرادات الخلوي والخدمات البريدية وعائدات عدادات الوقوف العابر وعائدات استثمار امتيازات الكهرباء والكازينو ومغارة جعيتا وغيرها من المغاور، وأضيفت إليها تكاليف وساطة المصارف وشركات تحويل الأموال في استيفاء وتحصيل الضرائب والرسوم وفواتير المؤسسات العامة، والتعويض على أصحاب المقالع والكسارات وتكاليف دعاوى التحكيم  وأعباء السياسة النقدية ورفع الفوائد وعجز الكهرباء وعمولة الفيول… وغيرها مما يجري حرمان الموازنة العامة منها أو إضافته إلى أعبائها فيرتفع عجزها وتستعصي مديونية الدولة، وتترجم بالنهاية أعباءً وزيادة على الضرائب والرسوم فجرت ثورة غضب عارم ملأت الشوارع؟!
الأولوية هي لاستئصال مصدر العلة من خلال خطة شاملة جدية ومقنعة واستثمار مستوى الوعي في تحصين شرعية المطالب وليتوقف استغلال اشتعال الساحات للانتقام، ولتكن لحظة للتغيير وليس للانتقام، ولنميز في التعبير في الشارع بين الحقد والغضب، ولنعترف بإلإيجابيات التي تحققت فعلياً على مستوى التنمية والمقاومة والتحرير ونحفظها.
الدولة اليوم هي في أضعف أحوالها وقدرتها على التفاوض مع قطاع خاص تحصن بمصالح السياسيين حتى بات شريكاً واقعياً في إدارة شؤون البلاد والعباد وله صوت راجح في قرارات الدولة المصيرية، فأين مصلحتها في الاستمرار بسياسة "الخصخصة" بصيغة وأسلوب تأكد فشلهما، بوجود وزراء منهم من عبر عن حقده على القطاع العام وانكشفت فضائحه مؤخراً وحاول تغطيتها بـ "فكرة العشرين سنت"، وآخر لم يجد تغطية لفشله في معالجة أزمة النفايات، سوى استبدال كيس النايلون بـ "حقيبة التسوق" وتحميل المواطن "عبئاً بسيطاً".
مع دخول الأوضاع المالية للدولة في العناية الفائقة، يبدو استمرار إقفال المصارف في مصلحة الحكومة علها تلتقط أنفاسها خلاله، ولأن هذا الإقفال لا يمكن أن يستمر أكثر تجنباً لمزيد من الاحتقان الذي يمكن أن يزيد من ضغط الانفجار وفقدان السيطرة على نتائجه، ولكي لا نبقى في إطار التحليل والتنظير نقول إن الحد الأدنى من الإجراءات والتدابير المطلوب من الحكومة اتخاذها اليوم قبل غد وفي اسرع وقت ممكن لتخفيف حصار الدولار الضاغط عليها، وإقناع الحراك بإخلاء الشوارع والساحات بسلام ورضى قبل إعادة فتح المصارف، هو :
أولاً، وقبل أي شيء، المبادرة فوراً إلى "تعديل التركيبة الحكومية"، عن طريق إخراج الرؤوس الحامية والاستفزازية والفاشلة منها وإلغاء الوزارات المستجدة وغير المجدية وإعادة وزارة مكافحة الفساد وتعيين وزير يكون خبيراً في هذه الشؤون وإعطائه وحده حق النقض على أي مقررات قد تنطوي على تواطؤ على المرافق العامة أو محاصصة أو مخالفة للقوانين،  وتغيير "فلسفة" العمل الحكومي بكافة أبعاده والتخلي عن نهج التحالفات الذي أوصل البلاد إلى هذا الإسفاف في الأداء، والعودة عن مقررات الاستيلاء على ما تبقى من مرافق الدولة، وعن بدعة "الأقوياء في طوائفهم" الذي حول مجلس الوزراء إلى هيئة ناظمة للفساد، وإخراج الوزراء والتيارات التي فشلت في إدارة المرافق العامة، وحماية الإدارة وتحصينها وتحريرها من تسلط "الوزير" ، ووضع خطة إصلاحية شاملة متوسطة المدى لمعالجة الأوضاع الاقتصادية والمالية والإدارية  وإعطاء الأولوية لمكافحة فساد الوزير قبل الموظف وضبط أدائه" ضمن حدود صلاحياته الدستورية تحت سقف القوانين والأنظمة، وإلزامه بالعودة الى مجلس الوزراء قبل تقيد الادارة بتنفيذ أوامره بالإصرار والتأكيد …. وتفعيل مساءلة الحكومة والوزراء. هذا فضلاً عن:
1. تفعيل الرقابة على الأموال العمومية وحساباتها وتحرير الأجهزة الرقابية من الوصاية السياسية.
2. توفير كل ما يلزم من حصانات ودعم لمكافحة جدية وفاعلة للفساد المستشري.
3. إعادة الاعتبار للقوانين وتطبيقها، لا سيما على مستوى صلاحيات الإدارة ودور الوظائف القيادية العليا، واستقلالية المؤسسات العامة على مستوى ومجالس الإدارة والتشدد في المحاسبة على قاعدة موازاة الصلاحية بالمسؤولية.
4. تعزيز النزاهة والشفافية ووضع آلية موحدة لتطبيق قانون الحق بالوصول إلى المعلومات.


 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى