سياسةمحليات لبنانية

الخيط الرفيع بين المغامرة والمؤامرة


       


منذ قيام دولة لبنان على أسس النظام  الطائفي والمذهبي وفق معادلة معقدة تهدف إلى إرساء توازنات اعتبرت في وقتها الضمانة الوحيدة لقيام واستمرارية دولة متعددة الطوائف والمذاهب ،  والوطن يشهد  أزمة كيان وتصدعات امتدت لعقود خلت  زادها تعقيدا قيام الكيان الإسرائيلي على أرض فلسطين ونزوح آلاف الفلسطينيين إلى لبنان .
دفع لبنان من بعدها ولعقود خلت ثمن موقعه الجيوستراتيجي في الدفاع عن القضية الفلسطينية بشرف  في الخطوط الامامية نيابة عن الأمة العربية بعد الهدنة على جبهة الجولان السوري المحتل وانسحاب مصر من المشهد العربي المقاوم  على صهوة كامب دافيد منفردة .
ازدادت الامور صعوبة مع ترسيخ مبدأ  المقاومة الفلسطينية المسلحة المشروعة عبر الحدود الجنوبية ،وذلك على حساب الخوف على كيان الوطن  والسلم الأهلي  لعدم توفر الإجماع الوطني انذاك  على موضوع المقاومة الفلسطينية المسلحة ، فكانت احد الاسباب للوصول المحتوم الى الحرب الأهلية التي أدت إلى ما أدت اليه من دمار البشر والحجر وتكريس الانقسام الطائفي .
كان وجود مقاومة فلسطينية مسلحة في الجنوب مصدر قلق للعدو الإسرائيلي . فقبل  الخوض بحرب مباشرة  واسعة كان لا بد من المؤامرة بتجهيز الأرضية المناسبة وخلق الشرخ بين البيئة الجنوبية الحاضنة والمقاومة الفلسطينية التي أفسدت عبر تفتيتها الى تنظيمات متنافرة واغدقت عليها الأموال العربية بسخاء لابعادها عن فكرها المقاوم والمناضل ، فوقعت في المحظور في تعاطيها مع البيئة الجنوبية التي تحولت من حاضنة مضحية الى ضحية المنظمات الفلسطينية، فاكتملت كل أركان المؤامرة على القضية الفلسطينية ولبنان ،وجاءت ساعة الصفر في حزيران ١٩٨٢ فكان الاجتياح الإسرائيلي الذي وصل إلى بيروت دون مقاومة جنوبية فعالة حيث لبست إسرائيل قناع المخلص من فوضى التنظيمات الفلسطينية، ولكن ما لبث أن اكتشف الجنوبيون أن طرد التنظيمات الفلسطينية ، التي كانت الخاسر الأكبر، لم يكن سوى حصان طروادة لدخول واحتلال الجنوب ، فانطلقت أفواج المقاومة اللبنانية ثم  المقاومة الإسلامية التي أدت إلى دحر العدو الإسرائيلي ذليلا دون اتفاقية في العام الفين وقلبت معها موازين القوى في المنطقة.

اليوم الادوار مختلفة في الشكل ،فالمؤامرة هدفت عبر سنين الى استغلال فساد الطبقة الحاكمة التي أهدرت ثروات الوطن وأدت إلى غرقه في الديون والانهيار الاقتصادي   وهجرة ابنائه بحثا عن لقمة العيش،   وادت الى خلق شرخ كبير بين الشعب " والدولة" بكافة أركانها،   تحمل مسؤوليته كل الطبقة السياسية دون استثناء ولو بدرجات مختلفة ، والتي انغمست في البحث عن مكاسبها دون حسيب أو رقيب  . اما المتآمر فهو  نفسه ينتظر ساعة الصفر ، ساعة ثورة الشعب المظلوم المحقة للانقضاض على الوطن في لحظة التفتت فيخسر الجميع . لا يحمل الشعب المنتفض وحده مسؤولية دخول المؤامرة على ثورته من الأعداء ،    المسؤولية الاكبر تقع على من شرع الابواب للمتآمرين من الخارج ،   على السياسيين في الداخل الذين سرقوا أموال وحلم اللبنانيين ، وعاثوا بالرضا فسادا ، وسلبوهم الثقة بنفسهم  وبزعمائهم .

ليست المقاربة والمقارنة مع الماضي مطابقة كليا ،لكن العبرة في أخذ  الدروس من التاريخ .فلو حصن الوطن من المؤامرات الخارجية، على كثرتها ،  بالوعي والإدراك  سلفا ، وتحصين المواطن بتوعيته بدل تجويعه وتجهيله  واغراقه في العصبيات البغيضة ، لما كنا بحاجة لخوض كل هذه المغامرات .
أليست الحياة  الكريمة والقيادة الحكيمة اهم السبل لصيانة الأوطان من المؤامرات ؟
أعطونا الحياة الكريمة والقيادة الحكيمة لنحمي ونبني معا وطنا نهائيا  للجميع .
اللهم اجعل هذا البلد آمنا .

.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى