ثقافةسياسة

الخلفية التاريخية للحركة الصهيونية(محمد قجّة)

 

محمد قجّة* – الحوارنيوز

يقول المؤرخ اليهودي سايمون دوبنوف: “هناك أمثلة عديدة في التاريخ عن أمم اختفت من الوجود بعد أن فقدت أرضها وتفرقت بين شتى الأمم، ولكن ليس لدينا سوى حالة وحيدة فقط لشعب أمكنه أن يستمر على قيد الحياة لآلاف السنين رغم تشتته وضياع وطنه، وهذا الشعب الفريد هو شعب إسرائيل”.

تلخص هذه الكلمات الزعم الأسطوري الذي تقوم عليه الحركة الصهيونية، والذي يرتكز على عنصرين:

أ‌) أن الأرض المفقودة والموعودة لليهود هي أرض فلسطين.

ب‌) أن اليهود هم الشعب المختار الذي لا يمكن أن يذوب رغم عوامل الزمان والمكان.

وقد انبثقت عن هذين العنصرين مقولة (الشتات اليهودي) الذي فرضته الظروف والأحداث على اليهود، وهو في نظرهم لا بد أن ينتهي كما تعدهم بذلك أساطير التوراة والتلمود. ربط المنظرون للفكر الصهيوني بين موضوع الشتات وأسطورة الميعاد، واعتمد البرنامج الصهيوني الذي نضج خلال القرنين الأخيرين على تطور ظروف مادية وفكرية في المجتمعات الأوروبية تركت أثرها في الأقليات اليهودية. وهذه الظروف يمكن اختصارها فيما يلي:

1- التطور الرأسمالي والثورة الصناعية في أوروبا:

 

وذلك منذ مطالع ما يسمى عصر النهضة حتى القرن التاسع عشر، مروراً بالكشوف العلمية والجغرافية، والمركنتلية الرأسمالية، والثورة الفرنسية، والتكنولوجيا، وغيرها. وقد غيرت هذه العوامل بيئة المجتمعات الأوروبية من إقطاعية إلى رأسمالية اهتزت معها أوضاع الأقليات اليهودية التي كانت تحتكر التجارة في أوروبا خلال أعمال السمسرة والوساطات.

 

وكان لا بد من أن يظهر لذلك ما أطلق عليه “المسألة اليهودية” وهي ظاهرة اجتماعية أفرزتها دورة الاقتصاد الأوربي بتحوله الرأسمالي والصناعي الذي أدى إلى تقليص دور اليهود التجاري وتهميشه وحشره أكثر فأكثر في نطاق “الغيتو Guitto” وتقديمه كيهودي قذر مكروه منعزل في هذا الغيتو. وأدى هذا التطور الرأسمالي الهائل إلى نشوء الاستعمار والجيوش الحديثة للسيطرة على مصادر المواد الخام، واتخاذ الأسواق لتصريف البضائع. وأدى ذلك إلى الحروب الطاحنة في أوربا وبخاصة: 1800-1870– 1914– 1939.

 

كان عدد اليهود في فلسطين منتصف القرن التاسع عشر لا يزيد على خمسة آلاف. وخلال الحرب العالمية الأولى وقبل وعد بلفور كان العدد لا يزيد على 25 ألف يهودي. ولكن فكرة “الوطن اليهودي” كانت قد تبلورت من خلال عدد من الرواد الصهاينة، مثل: “هسّ” و”كاوتسكي” و”هرتزل”. ورغم الخلافات حول مكان هذا الوطن: الأرجنتين– مدغشقر– فلسطين، فإن فكرة فلسطين تغلبت. وبعد هرتزل تولى حاييم وايزمان الجانب العملي في تشجيع الهجرات اليهودية إلى فلسطين. وقد وصف هرتزل الوطن اليهودي الموعود بأنه سوف يكون “إنكلترا الصغرى”.

 

واستطاعت الحركة الصهيونية أن تركب موجة العنصرية الأوربية القائلة بالتفوق الأوربي والمستندة إلى التوسع الاستعماري، فهذه الحركة الصهيونية تعتقد أساساً أنها مشروع من مشاريع الرجل الأوربي الأبيض ضد المنطقة المتخلفة شرقي المتوسط. وحينما بدأت العنصرية الأوربية تتجه ضد اليهود كما اتجهت ضد أسيا وأفريقيا والعالم الإسلامي، اخترع اليهود موضوع العداء للسامية، ورأوا أنَّ الحل هو ضرورة التشبث بوطن قومي ينهي مشكلة الشتات.

 

وحينما انعقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بال السويسرية يوم 29/8/1897 كانت الحركة الصهيونية قد تبلورت في مطالبتها بأرض فلسطين وطناً قومياً لليهود.

2- البعد السياسي للخطر الصهيوني

 

حاول هرتزل أن يلعب على جميع الحبال السياسية الممكنة، فاتصل بكافة القوى السياسية الفاعلة أواخر القرن الماضي، ومنها الدولة العثمانية، محاولاً انتزاع وعد بالسماح لليهود بإقامة دولة لهم في فلسطين. وحينما زار الإمبراطور الألماني (ويلهالم) القدس عام 1898 كان هرتزل في طليعة مستقبليه، وكان الرهان الصهيوني على أنَّ ألمانيا هي القوة التي يمكن أن تحقق لليهود حلمهم السياسي.

 

وعندما جاء حاييم وايزمان إلى رئاسة الحركة الصهيونية لعب الورقة البريطانية بعد رجوح كفة الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، وتم إعلان وعد بلفور الذي يعتبر النقطة الثانية الهامة بعد المؤتمر الصهيوني، وبين الحدثين عشرون سنة تماماً. وقد أعطت بريطانيا ثلاثة وعود حول فلسطين تمثل أولها بوعدها للشريف حسين على أنّ فلسطين ستكون جزءاً من مملكته العربية المستقلة، والثاني من خلال اتفاقية سايكس بيكو بأن تكون فلسطين تحت إدارة دولية، والثالث لليهود، وهو الوعد الذي صدقت به وكذبت بالوعدين الآخرين.

ولعب الزعيم الصهيوني “بن غوريون” الورقة الأمريكية بعد صعود نجم الولايات المتحدة خلال الحلاب العالمية الثانية وما بعدها، وإنّ الزعماء الصهاينة لا يخفون أنَّ الدولة اليهودية إنما هي وجود استراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط.

 

وكان وايزمن يؤكد، ومن بعده بن غوريون، أن فلسطين يجب أن تتسع لـ 15 مليون يهودي موزعين في العالم، وبمقدار ما يأتي من يهود إلى فلسطين يجب أن تتسع حدودها بحيث يمكن أن تتجاوز الأردن إلى خط حديد دمشق المدينة، وكل منابع نهر الأردن وروافده ومنابع الليطاني، بل إن حلم إسرائيل الكبرى يصل إلى النيل والفرات لاستيعاب العدد الأقصى من اليهود الموزعين في الشتات العالمي. ولا تزال الزعامة الصهيونية ترفض فكرة الحدود الواضحة لدولة “إسرائيل”، ونتنياهو يعلن بوقاحة أنَّ حدود إسرائيل هي حيث يصل أي مستوطن يهودي.

 

ومن جهة ثانية يعتبر “الحلم الصهيوني” أنَّ الأرض العربية من المحيط إلى الخليج هي مسرح للنفوذ السياسي الصهيوني، ويجب أن تبقى في حالة من الضعف والتفكك والتشرذم وسطحية القرار لتسمح للنفوذ الصهيوني بالهيمنة وفرض قراراته بشكل فظ ومهين.

 

قام الإدعاء الصهيوني على أن فلسطين أرض بلا شعب وأن اليهود شعب بلا أرض، وبالتالي يمارس اليهود حقهم التاريخي المزعوم بالعودة إلى وطنهم. ورغم كل الضغوطات وممارسات شراء الأراضي واغتصابها بكافة الطرق فإن الأرض التي كانت بحوزة اليهود عام 1947 تعادل سبعة بالمئة من مساحة فلسطين. وجاء تقرير اللجنة البريطانية لعام 1930: (إنَّ الأرض أصبحت أرضاً خاصةً باليهود ولم تعد أرضا يمكن للعربي أن يجني منها أي فائدة الآن أو في المستقبل).

 

تلعب إسرائيل منذ قيامها، وبالتعاون مع القوى العالمية التي تساندها، دور الدولة الاستيطانية التي تعتمد على التفوق العسكري والاستراتيجي ومحاولة المحافظة على هذا التفوق بالتنسيق مع مراكز الدعم الاستعماري وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية. ولضمان هذا التفوق واستمراره تلجأ إسرائيل ومعها تلك القوى إلى تفكيك أقطار الوطن العربي وترسيخ الفكر الإقليمي فيها، وإثارة النزاعات العرقية والطائفية بهدف استنزاف تلك الأقطار وإلهائها بقضايا هامشية وداخلية.

 

وإننا نجد أصابع إسرائيل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في كل الأحداث الدامية والمؤسفة في لبنان، وحرب الخليج الأولى والثانية، واحتلال العراق وأفغانستان، والتمرد في السودان، ومتاعب مصر والجزائر, ومحاولة الامتداد لضرب إيران وباكستان كقوتين إسلاميتين قد تشكلان خطراً على الوجود الإسرائيلي. والتنسيق مع القوى المحلية المعادية للعرب في كل مكان، ونظام أرتيريا الجاحد، واختراق الصف العربي بالاتفاقيات الثنائية، والاستفراد بالجبهات العربية واحدة بعد أخرى : اتفاق كامب ديفيد ، اتفاق أوسلو ، اتفاق وادي عربة.

 

3- البعد الاقتصادي للخطر الصهيوني:

 

إنَّ أي حديث عن سلام فعلي مع إسرائيل إنما هو نوع من الوهم والخداع، فإسرائيل تريد سلاماً بشروطها وضمن مشروع الهيمنة السياسية والاقتصادية على المنطقة العربية بأسرها. وفي كتاب شمعون بيريز “الشرق الأوسط الجديد” بسطٌ واضح للأفكار الصهيونية التي تعتبر أن الثروات العربية واليد العاملة العربية رخيصة يجب أن يقودها ويتحكم فيها العقل الإسرائيلي المتطور والمتقدّم، وأن إسرائيل هي الشريك الصغير الهام للإمبريالية الأمريكية، التي تسعى للسيطرة على الاقتصاد العالمي، تحت مظلة ما يسمى “العولمة”، وتأتي “الشرق أوسطية” ثمرة إسرائيلية للعولمة الأمريكية.

 

إنَّ البعد الاقتصادي في المواجهة العربية الإسرائيلية يمكن قراءته من خلال أرقام معينة، فالسكان اليهود في فلسطين المحتلة يشكلون أقل من 2% من سكان الوطن العربي، ولكن الناتج القومي للفرد في إسرائيل يفوق متوسط الناتج القومي للمواطن العربي، بما في ذلك دول الخليج، أكثر من ثلاث مرات. ويتصرف اليهود في إسرائيل كتلة واحدة، بينما يبقى القرار العربي متشرذماً ومتعادياً ومتصادماً، مما يخدم المصالح الإسرائيلية في نهاية المطاف.

 

وتستند إسرائيل إلى الدعم الأمريكي المطلق سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وتكنولوجياً واستراتيجياً، وهي تخطط بفظاظة ووقاحة لضرب المصالح الاقتصادية العربية وإفقار المجتمعات العربية، ومحاصرتها بمشاكل المياه: النيل- الفرات- دجلة، واستخدام هذه المشاكل ورقة ضغط، بالتنسيق مع القوى المعادية، مثل أثيوبيا، وتمويل إقامة سدود في هذه الدول، في سياق حرب المياه المفروضة على الدول العربية.

إلى ذلك تعمل إسرائيل على إغراق الأسواق العربية بالمنتجات الزراعية والصناعية والاستهلاكية، عن طريق مباشر أو غير مباشر، أو بالتهريب، وفرض الاتفاقات والمؤتمرات التي تكرّس الهيمنة الإسرائيلية الشرق أوسطية، في إطار العولمة الأمريكية، وفرض ما يسمى بالتطبيع الاقتصادي الذي هو في الواقع فرض سيطرة إسرائيلية تمزق المصالح العربية.

 

ومن هنا فإنَّ موقف العرب الهادف إلى إفشال المساعي المؤدي إلى إضعاف الاقتصاد العربي، إنّما هو موقف قومي ينطلق من زاوية حقيقية للمصالح العربية، ورؤية دقيقة للتضادّ العنيف بين المشروع العربي والمشروع الإسرائيلي، واستحالة لقائهما أو تطبيعهما تحت أي ظرف من الظروف. فالمشروع الإسرائيلي واضح جلي في سعيه لإلغاء فاعلية الدور العربي وتهميشه، وتحويل الوطن العربي إلى سوق استهلاكية وأماكن ترفيهية ويد عاملة رخيصة، في إطار السيطرة المطلقة للمصالح الإسرائيلية، ومن خلفها المؤسسات الاقتصادية العالمية، التي تدور في إطار العولمة الاستعمارية، كالصندوق الدولي، والبنك الدولي، والشركات متعددة الجنسيات.

 

ويجب أن يهدف المشروع العربي إلى إقامة حد أدنى من التنسيق والتكامل على مستوى اقتصاديات الوطن العربي، وعدم السماح لإسرائيل باختراق المنظومة الاقتصادية العربية وتمزيقها وفرض القرارات الفاسدة عليها.

 

4- البعد الاجتماعي والثقافي للخطر الصهيوني:

موشي دايان

ذات يوم قال موشي دايان: ((إننا لا نحسب حساباً للعرب، لأنهم شعب لا يقرأ)).

تقوم سياسة إسرائيل على رسم صورة للمواطن العربي كإنسان متخلف إرهابي عدواني. وهذه الصورة تستند إلى تراكم تاريخي أوروبي يعتمد الكراهية والتجني، وتقديم صورة مغرضة مشوهة عن العربي وعن التاريخ الإسلامي. وهذه الصورة إنّما هي انعكاس لمراكز صنع القرار الإعلامي في العالم الغربي الذي يسيطر فيه اليهود على الصحافة وأجهزة الإعلام والتلفزيون ودور النشر، ويفرضون على تلك المؤسسات الإعلامية والثقافية وجهة نظرهم، علماً بأنّ اليهود لا يشكلون إلا أقل من 2% من السكان في الولايات المتحدة وفي فرنسا.

والمثال الصارخ على هذه السيطرة كتاب المفكر الفرنسي “غارودي” حول الأساطير الإسرائيلية، والذي لم يستطع نشره في فرنسا أو غيرها بفضل الضغط اليهودي المنظم.

 

إن بؤرة الاهتمام الصهيونية بالمجتمعات العربية ترمي إلى ما يلي:

– ضرب البنى الفكرية والثوابت الأخلاقية، وتشويه القيم الإنسانية في تلك المجتمعات.

– زعزعة الثقة، والحرص على إنشاء أجيال تافهة سطحية لا تهتم بقضايا وطنها.

– عدم السماح بتدريس التاريخ العربي وسير الأعلام العرب، وحظر ذلك في الاتفاقيات الثنائية: كامب ديفيد، أوسلو، وادي عربة.

– تشجيع تجارة المخدرات وانتشارها وإدمانها، وبخاصة بين فئات الشباب في المجتمعات العربية (مصر والخليج خاصة).

– الحرص على نشر الإباحية والخلاعة عن طريق استخدام أجهزة الإعلام المختلفة، وعناصر الموساد (مصر، الأردن).

– الغزو الثقافي المبرمج في نطاق التطبيع الثقافي والعولمة الثقافية، وإلغاء الشخصية المحلية في نطاق النموذج الأمريكي العالمي.

– التسلل إلى مراكز القرار الثقافي والإعلامي في المؤسسات العربية، بالخديعة والمكر والرشوة والضغط، وصرف هذا القرار عن مساره السليم.

– تشجيع الفساد الاجتماعي؛ من رشوة وانحلال وانحراف وجريمة.

 

5- البعد السكاني الاستيطاني في الخطر الصهيوني:

 

– ضرورة تحقيق نظرية (أرض بلا شعب)، عن طريق تفريغ فلسطين من سكانها العرب، بطردهم أو إبادتهم أو الضغط عليهم لإجبارهم على النزوح والهجرة.

– خلق الظروف المناسبة للهجرة اليهودية إلى فلسطين التي مرت بمراحل هامة:

o الهجرة خلال الانتداب البريطاني على فلسطين 1918-1947م.

o الهجرة بعد قيام دولة إسرائيل.

o الهجرة بعد عام 1967م.

o الهجرة اليهودية السوفييتية أوائل التسعينيات.

– تنظيم الحركات الإرهابية الصهيونية المتطرفة: شتيرن، هاغاناه… لقتل السكان العرب وطردهم: دير ياسين، قبية، بحر البقر، قانا، صبرا وشاتيلا، غزة..

– التواطؤ البريطاني وتسهيل هجرة اليهود من أوروبا إلى فلسطين خلال فترة الانتداب.

– المستوطنات وخطرها الرهيب على الأرض العربية والسكان العرب.

– قضية القدس كرمز عربي وإسلامي وعالمي، ومحاولة تهويدها.

– محاولة إسرائيل نقل أكبر عدد من يهود العالم، بقصد التوسع على حساب جيرانها العرب

* مؤرخ وباحث- سورية

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى