الحروب بخواتيمها.. فهل تراجع السلطة مواقفها وقراراتها؟ (أحمد حوماني)

بقلم د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز
في كرة القدم كثيراً ما نرى ضغطاً وهجمات واستحواذاً على الكرة، وتسديدات على المرمى من فريق طوال شوطي المباراة، حتى لنظن في كل لحظة أن هذا الفريق قد انتصر وفاز في المباراة، لكن وعكس مجريات أحداثها وبهجمة مرتدة واحدة يسجل الفريق الآخر هدفاً ويفوز بالمباراة.
في الملاكمة يبدو المثال أوضح، فكم من مباريات بدا أنها ستنتهي بانتصار ملاكم على آخر، بفوزه بالعدد الأكبر من الجولات بالنقاط، لكن في إحدى الجولات الأخيرة يتلقى لكمة قوية، أو ما يسمى بالضربة القاضية، فيسقط خاسراً للمباراة، ولكل ما راكمه من نقاط عبر الجولات السابقة.
في مباراة لينوكس لويس ضد هاسيم رحمن عام 2001، كان لويس بطل العالم في الوزن الثقيل، يسيطر على النزال بكل سهولة ويسخر من خصمه في الحلبة. وفجأة في الجولة الخامسة، باغت رحمن لويس بلكمة يمينية مدمرة أسقطته أرضاً ليفوز بحزام البطولة في واحدة من أكبر المفاجآت.
وعليه، لا يعني الفوز بالنقاط في عدد من الجولات أن المباراة قد حُسمت، كذلك في الحروب العسكرية فلا يعني خسارة طرف ما معركة أو اثنتين، أنه قد خسر الحرب، فالأمور بخواتيمها كما يقول المثل.
ما نشهده من معارك في منطقة غرب آسيا ينطبق عليه هذا التوصيف، سواء في المعركة بين إيران من جهة وأمريكا والكيان الصهيوني من جهة أخرى. أو بين العدو والمقاومة في لبنان. أو حتى بين العدو وغزة. فطالما أن روح المقاومة لم تُهزم في إيران ولبنان وغزة فإن الحرب لم تنته، ولا يمكن التسليم بانتصار طرف على آخر.
لا شك بأن جولات المعارك العسكرية قد أدت إلى نتيجة، ظاهرها أن الكيان الصهيوني قد انتصر، لكن الحرب لم تنته وهي مستمرة بطرق عديدة، وما نشهده هذه الأيام من استمرار العدو الصهيوني بالقصف والقتل والتدمير في لبنان وغزة، والتوغلات والاعتقالات في سوريا، والتهديدات اليومية بقصف إيران، يعني أن العدو الصهيوني نفسه غير مقتنع بأنه قد انتصر في هذه الحروب. ويدل على ذلك أيضاً، التقارير شبه اليومية التي تصدر عن قادة العدو بأن حماس تعيد بناء نفسها، وأن المقاومة في لبنان ما زالت تشكل تهديداً قوياً للكيان الصهيوني.
وفي هذا السياق يأتي ما أشارت إليه تقارير الاستخبارات الصهيونية والقنوات العبرية، بأن حماس تعمل باستمرار على صيانة الأنفاق، وتسريع إعادة تأهيل جهازها العسكري، وتعزيز إمكاناتها الميدانية، على الرغم من الغارات والاغتيالات المستمرة. وما نقله مكتب نتنياهو بأن هناك تخوفاً من هجمات متعددة قد تحصل على الكيان في الفترة المقبلة.
وما القصف اليومي في جنوب لبنان، والتدمير الممنهج للقرى سواء في منطقة النبطية وجوارها، أو في المنطقة الساحلية في بيوت السياد والمنصوري ومجدل زون، إلا تأكيد على الخوف المسيطر على الجيش الصهيوني، بأنه في لحظة ما قد يتغير الوضع الأمني والعسكري، لنرى مشهداً مختلفاً عما هو عليه الآن. ولو كان العدو الصهيوني قد انتصر كما يدعي في حروبه، لما قام بكل هذا القتل والتدمير في لبنان، وتهديداته لإيران.
إذاً، ما زلنا في خضم الحرب ولم تنته جولاتها بعد باعتراف كل الأطراف، وما زلنا بعيدين عن نهايتها، ولا يمكن الحديث عن انتصار قبل أن تضع الحرب أوزارها.
إن المعارك التي تُخاض ليست بالضرورة عسكرية فقط، فالمعركة النفسية في الحروب العصرية لها دور كبير في تحقيق الانتصارات، وهي قد تحقق انتصاراً لطرف ما حتى لو لم يحقق ذلك في المعركة العسكرية، وهو ما سعت أمريكا والكيان الصهيوني لتثبيته على أرض الواقع، فأعلنتا انتصارهما على كل الجبهات، وضختا كماً هائلاً من المعلومات والمعطيات والتقارير عبر وكلائهما في وسائل الإعلام المأجورة ليثبتوا مقولة انتصارهما.
لن نتحدث عن جبهة إيران، فهي من أوضح الواضحات، فإيران لم تخسر عسكرياً، بل إنها حققت انتصارات عسكرية بضربها وتدميرها للقواعد الأمريكية في منطقة الخليج، وهي أغلقت أهم ممر عالمي للطاقة وهو مضيق هرمز، ومفاوضوها يقودون جولات من المفاوضات مع أمريكا باقتدار وعزة وقوة أذهلت حتى أعداءها.
في لبنان استطاع الضخ الإعلامي الأجنبي والمحلي والعربي تصوير المعركة كانتصار للعدو، وهزيمة للمقاومة، خصوصاً في الأيام الأولى للجولات المتعددة من المعارك مع العدو، ويبدو أن الجهد الذي يقوم به السفراء الأجانب والعرب، قد أقنع أركان بعض السلطة في لبنان أن العدو قد انتصر في الحرب، وأن المقاومة قد هُزمت، أو قد يكون أن بعضهم كان يتمنى ذلك، فتوهمه، وبنى سياساته عليه.
وفي هذا السياق يأتي استسلام السلطة أمام العدو في توقيع اتفاق الإطار، وهو اتفاق بين منتصر ومهزوم، وهؤلاء قد انهزمت نفوسهم قبل أي هزيمة أخرى، وجاءت كل تصريحاتهم لتعبر عن هذه الهزيمة النفسية، بل عمدوا إلى محاولة إقناع الناس بذلك، وبالرغم من أن هذا المسار لم يحقق لهم أي من أمانيهم، ولم يقدم لهم ولو الحد الأدنى من الاحترام، سواء من رعاتهم الأمريكيين، أو من قادة العدو الصهيوني، إلا أنهم ما زالوا مصرين على تعميم هزيمتهم النفسية على السلطة والشعب في لبنان.
في الجهة المقابلة، استطاعت المقاومة إثبات قدرتها على الصمود، وإعادة بناء قوتها تدريجياً، وتأكيد حضورها على الخطوط الأمامية، وما الطائرات المسيرة التي تضرب القوات الصهيونية إلا دليل على يقظة المقاومة ومرابطتها على الثغور – وهي التي التزمت بوقف إطلاق النار المعلن في اتفاق التفاهم الإيراني الأمريكي – لكنها تُظهر للعدو استعدادها للتصدي إذا حاول توسيع عدوانه واحتلاله.
يُحسب للمقاومة وقيادتها، أنها بالرغم من كل الجراح التي أصابتها لم تُهزم نفسياً، وهي أعادت ترميم هيكلياتها وقدراتها بالممكن في هذا الوقت القصير، وأنها ما زالت تقود جماهيرها نحو أهدافها المرجوة، وأن وسائل إعلامها من قنوات تلفزيونية، ومحطات إذاعية، ومواقع إلكترونية سياسية واجتماعية، وجمع كبير من المؤيدين لها إعلامياً، استطاعوا بإمكاناتهم البسيطة، ترسيخ فكرة أن المقاومة ما زالت في أرض المعركة، وهي قد تكون قد خسرت جولة من جولاتها، إلا أن الأيام ستثبت أن لديها القدرة على وقف عنجهية العدو، وإيلامه، وقد تسقطه بالضربة القاضية إذا ما وجدت مساندة لها من حلفائها في إيران واليمن وغيرهما.
إن صمود المقاومة العسكري، والسياسي، والإعلامي، والاجتماعي، أثبت ويثبت كل يوم أن مسار إعلان هزيمتها في الداخل اللبناني لم يكن صحيحاً، بل هو وهمٌ وسرابٌ، حاول البعض زرعه في نفوس اللبنانيين، لذا فعلى السلطة في لبنان إعادة قراءة الأحداث السياسية والعسكرية من جديد، والبناء على الواقع الفعلي، من صمود المقاومة وشعبها، وعليها مراجعة كل القرارات التي اتخذتها بناء على شعار الهزيمة التي تبنته، وصياغة سياسة تحفظ هذه المقاومة وشعبها، وتوقف مهزلة التفاوض الذي لم يحقق إلا مزيداً من الخزي والذل للبنان وسيادته واستقلاله.
إن نفس مطالبة العدو بنزع سلاح المقاومة، هو اعتراف بأنه لم يحقق أهدافه في لبنان، وإن حديثه عن قوتها واستمرار ترميم هذه القوة، هو إعلان عن فشل مشروعه بهزيمتها واستسلامها، فهل من يسمع ويعقل؟..



