الجولة الخامسة من المفاوضات في واشنطن: عزّ نفسك تجدها.. يا فخامة الرئيس ! (أحمد حوماني)

د. أحمد موسى حوماني- الحوارنيوز
بداية الأسبوع المقبل موعد الجولة الخامسة من المفاوضات المباشرة بين لبنان والعدو الصهيوني في واشنطن، وذلك بعد أربع جولات بدأت في منتصف شهر نيسان الماضي، ومع ذلك لم يحصل فيها أي تقدم ولو بسيط، مع أن المطلب الأساسي كما يقول رئيس الجمهورية يتلخص في وقف إطلاق النار الدائم. وخلال هذين الشهرين احتل العدو الصهيوني مزيدًا من الأراضي، ودمر مئات المنازل والمباني، وقتل ما يزيد عن ألفي شخص، وجرح ما يزيد عن ستة آلاف، وهذا يُشير إلى أن العدو الصهيوني لم يحترم طلب رئيس الجمهورية في وقف إطلاق النار، بالرغم من أنه سار إلى جلسات المفاوضات رغمًا عن أكثر من نصف الشعب اللبناني، ورغم أنه شكّل الوفد بناء على رغبات أمريكا التي هي شريكة العدو الصهيوني في كل إجرامه واعتداءاته.
كما يُقال فالرسالة تُقرأ من عنوانها، فإن أبسط احترام لرئيس الجمهورية كان في إعطائه وقف إطلاق للنار، ليعلن أن المسار الذي اتخذه قد يوصل لما يحفظ كرامة وسيادة لبنان. لقد سنحت العديد من الفرص للعدو الصهيوني وأمريكا لحل المشكلة مع لبنان، أولى تلك الفرص كانت في تشرين الثاني ٢٠٢٤ مع إعلان وقف الاعتداءات بين لبنان والعدو الصهيوني، يومها كما يدّعي العدو الصهيوني وأمريكا من جهة، ورئيس الجمورية من جهة ثانية، أن المقاومة قد هُزمت وانتهت، يومها كان بالإمكان وبجولة تفاوض واحدة إعلان اتفاق أمني أو هدنة فعلية، فينسحب العدو الصهيوني من التلال الخمس التي احتلها، ويُعطي رئيس الجمهورية المنتخب حديثًا في أوائل العام ٢٠٢٥ دفعة معنوية كبيرة في بناء دولة قوية، وحصر السلاح الذي يطمعون به، لكن العدو الصهيوني لم يُعبّر أحدًا يومها، وكانت نشوة النصر عنده في أعلى مستوياتها، فذهبت هذه الفرصة هباء.
الفرصة الثانية كانت مع وقف إطلاق النار الأول في الحرب الحالية، بعد أربعين يومًا من بدايتها، وبالرغم من أن المقاومة كانت قد استعادت جزءًا من قوة ردعها، إلا أنها ضمن سياق الاتفاق الذي أبرم بين أمريكا وإيران، كانت موافقة على الالتزام بوقف تام لإطلاق النار، وبعد ذلك بأيام انطلقت جولة التفاوض الأولى المباشرة مع العدو الصهيوني، وكان يمكن لأمريكا والعدو استغلال هذه اللحظة، وإغلاق ملف لبنان وفصله عن ملف إيران، خصوصًا أن رئيس الجمهورية قد عمل المستحيل، وعارض الكثير للذهاب إلى هذه المفاوضات، ومع ذلك لم يقابله العدو الصهيوني بأي بادرة حسنه، ولو الالتزام الفعلي بوقف إطلاق النار، والشروع في مفاوضات مباشرة، ولكانت هذه ورقة قوية في يد رئيس الجمهورية، لكن مرّة ثانية خذلت أمريكا والعدو الصهيوني رئيس الجمهورية، ولم تبدِ أي احترام له، ولما بذله من أجل المفاوضات، ورغم ذهاب لبنان إلى المفاوضات في ثلاث جولات لاحقة، لكن الوفد اللبناني كان يعود بخفي حنين في كل مرة، ما يدل على تعنت العدو الصهيوني ورفضه تسهيل عملية التفاوض المباشرة.
الفرصة الثالثة التي كان من الممكن فيها فصل مسار لبنان عن المفاوضات مع إيران هو من خلال هذه الجولات اللاحقة، لكن ضعف المفاوض اللبناني، وتعنت العدو الصهيوني، وتخاذل الأمريكي وتواطؤه مع العدو، أفسح المجال أمام المفاوض الإيراني ليقتنص هذه الورقة اللبنانية، ويجعلها بندًا أولًا في التفاهم مع الأمريكي، وعليه فإن اللوم لا يقع على المفاوض الإيراني، بقدر ما يقع على ضعف موقف لبنان وفريقه المفاوض، الذي لم يستطع تحصيل ولو حد أدنى يحفظ لهم ماء وجوههم.
الفرصة الرابعة التي كان يُمكن للعدو الصهيوني تسليف ورقة مهمة للمفاوض اللبناني، كانت قبل الإعلان عن التفاهم بين إيران وأمريكا، فخلال الأيام الأخيرة للتفاوض كان يمكن للعدو الصهيوني – وهو يعلم أن إيران تسعى لوضع وقف إطلاق النار والانسحاب من الجنوب بندًا في التفاهم – كان يمكنه بالتنسيق مع الأمريكي إعلان انسحاب من شمالي نهر الليطاني والالتزام بوقف إطلاق النار، كبادرة منه تجاه رئيس الجمهورية ووفد التفاوض اللبناني، وجعله خطوة تمهيدية لمزيد من المفاوضات الجدية في أمريكا، ورافعة باتجاه زيارة الرئيس جوزيف عون إلى أمريكا ولقائه المرتقب مع نتنياهو، لكن كالعادة لم يُبدِ العدو الصهيوني أي احترام للرئيس ولا للوفد المفاوض، ومع عدم التزام العدو بوقف إطلاق النار المعلن بين أمريكا وإيران، إزداد تمسّك المفاوض الإيراني بورقة لبنان، ويوم الخميس الماضي أخّر الوفد الإيراني الذهاب إلى اللقاء الذي كان من المقرر أن يُعقد للبدء بالتفاوض إلى وقت لاحق لعدم التزام العدو بوقف إطلاق النار في لبنان.
عجبًا لهم جميعًا، يُريدون سحب ملف لبنان من التفاهم بين إيران وأمريكا، لكنهم في نفس الوقت لا يتقدّمون بأي خطوة اتجاه إيجاد حلول بين الدولة اللبنانية ممثلة برئيس الجمهورية، وبين العدو الصهيوني، ويوم الجمعة وبعد يوم من الخسائر العسكرية البشرية الكبيرة في صفوف العدو، وإجرامه الواسع قصفًا وقتلا، أعاد الأمريكي والإيراني التأكيد على وقف إطلاق النار في لبنان، ومع ذلك لم يستغل العدو هذه الفرصة لتمرير أي بادرة حسنة تجاه رئيس الجمهورية، كونه المفاوض الأول، وظهر جليًا أن المفاوض الإيراني هو من فرض هذا التراجع عن الذهاب إلى جنيف، وعقد لقاءات التفاوض مع الوفد الأمريكي.
الثلاثاء والأربعاء المقبلان يشهدان الجولة الخامسة من المفاوضات المباشرة في واشنطن، وبناء على تعامل العدو الصهيوني وأمريكا مع رئيس الجمهورية خلال كل المسار الماضي، سواء في المفاوضات المباشرة، التي جعلها العدو الاسرائيلي لزوم ما لا يلزم، أوالمفاوضات بين إيران وأمريكا، والتي جعلته آخر من يعلم، فإن إقتراحنا له أن يرفض إرسال الوفد المفاوض إلى واشنطن، إلا بعد صدور قرار أمريكي صهيوني بوقف إطلاق النار في لبنان، وانسحاب العدو من شمال نهر الليطاني، خصوصًا أن حزب الله قد أعلن التزامه بوقف إطلاق النار إذا التزم به العدو الصهيوني، عندها يذهب الوفد لمناقشة البنود اللاحقة سواء ما يُريده لبنان أو ما يُريده العدو من تطمينات. إن هذا الأمر هو أقل الواجب المفروض على العدو وأمريكا لإظهار الاحترام والتقدير لرئيس الجمهورية، ولا يجب عليه أن يتنازل عن ذلك، وهكذا يُمكن أن يستعيد لبنان ورقة المفاوضات من التفاهم الإيراني الأمريكي، وليس بالتهجم على إيران وقادتها، ولا بقطع العلاقة معها، ولا بالعداوة مع نصف الشعب اللبناني الذي يكن لها الاحترام والتقدير والمحبة.
لقد رسمنا سيناريو هو أقرب للخيال منه للواقع، فلا أمريكا والعدو الصهيوني سيعطونه ما ذكرنا، ولا هو يستطيع إتخاذ موقف كالذي ذكرناه، فهو غير قادر على فرض شروطه، بعدما تخلى عن أوراق قوته، وفي مقدمتها المقاومة وتأييد جمهورها الواسع.
أيام تفصلنا عن الجولة الخامسة في ظروف مُساعده للبنان ليُثبّت وقف إطلاق نار نهائي، وانسحاب أولي لجيش العدو من شمال نهر الليطاني من دون شروط تُفرض عليه، أما إذا لم يتمكن الوفد المفاوض من تحقيق ذلك، فلا أقل من الانسحاب من المفاوضات المباشرة أو الإستقالة يا فخامة الرئيس ، وكما يقول المثل: عزّ نفسك تجدها!



