رأيصحفمحليات لبنانية

التهديد بقطع التيار عن “الدولة”: طقوس هرطقة للعودة إلى سلف الخزينة وتعويم الفساد!(غسان بيضون)

 الحوارنيوز – صحافة

 

تحت هذا العنوان كتب غسان بيضون* في صحيفة الجمهورية:

 

تكرر مؤخراً تهديد كهرباء لبنان باللجوء إلى قطع التيار عن مرافق الدولة وإداراتها، إن لم يتم تسديد فواتيرها المتأخرة عن سنوات سابقة ضمن مهلة إنذارها الأخير. ولتقدير مدى جديّة هذا التهديد وجلاء خلفياته، لا بد من العودة إلى النصوص والأصول القانونية التي تحكم إمكانية الرضوخ لهذا التهديد، في ظل الفوضى المالية المتمادية التي أدخلتها إدارة المؤسسة إلى أوضاع مشتركيها، بمن فيهم إدارات الدولة ومرافقها الخدماتية والحيوية، والمواطن، ومختلف القطاعات الاقتصادية؛ وأدت إلى فقدان الثقة بالمؤسسة من جهة، وإلى عدم الرضى نتيجة التعسّف الذي مارسته المؤسسة والقيمين على القطاع من خلال قرار رفع التعرفة المتسرع المتخذ أواخر العام ٢٠٢٢، بتغطية حكومية تحت عنوان خطة الطوارئ الوطنية  لقطاع الكهرباء، حيث اقتصر هذا القرار على شطرين فقط.١٠ و ٢٧ سنت للكيلوات- ساعة الواحد، مع رسم ثابت للعداد مبالغ فيه، بحجة تأمين التوازن المالي للمؤسسة، وتحت شرط أن تسدد الدولة ثمن النفط العراقي والتهديد برفع التعرفة ١٠ سنت إضافية لتصل إلى ٣٧ سنت، في حال عدم تسديد إدارات الدولة فواتيرها.

وكان ذلك بتغطية من مجلس الوزراء في حينه، الذي، تجاوز صلاحياته بموافقته على فرض أعباء على الخزينة وتحميلها نفقات تستوجب صدور قانون يجيزها؛ هذا فضلاً عن التسلّط المتمثل بتحميل المشترك، الملتزم بدفع فواتيره، “خوّة” تغطي تكلفة عجز الموسسة عن ضبط شبكتها وحمايتها من التعدي والتعبيق والاستمداد غير الشرعي منها. هذا في وقت تتأخر فيه المؤسسة عن إصدار فواتيرها في مواعيدها، بحيث تتراكم على المشترك مبالغ تفوق قدرته على تسديدها من مدخول الشهر الذي تصدر خلاله،  وتكون في بعض الحالات مقتصرة على رسم العداد دون تغذية ودون استهلاك، بحيث ترتفع الكلفة الفعلية للكيلوواط الواحد إلى حدود تتجاوز تعرفة المولدات.

ماذا عن جدية التهديد بقطع التيار عن مرافق الدولة؟

ترتبط الإجابة على هذا السؤال بمدى قانونيه “قطع التيار” عن مرفق عام كالمطار والمرفأ ومؤسسات المياه وشبكات الاصالات، وتطرح التساؤل عن الجهة التي تتحمل المسؤولية عن نتائجه الخطيرة المحتملة وصولاً إلى التسبب بحوادث قاتلة، كما في حال الفوضى التي يمكن أن تترتب على حركة الطيران والمطار، على سبيل المثال؟.

هل هناك إمكانية في الواقع لتسديد الفواتير المتأخرة عن سنين سابقة؟

عملياً يستحيل على الموازنة العامة التي تشمل إدارات الدولة، كما على أي مؤسسة عامة، تسديد الفواتير المتأخرة دفعة واحدة مما تبقى من اعتمادات في موازنة العام 2026، وذلك لسبب بسيط وهو أن الاعتمادات الملحوظة في موازنة سنة معينة تكون محتسبة لتغطي فقط نفقات هذه السنة، أما نفقات السنوات السابقة فيجيز قانون المحاسبة العمومية تغطيتها من اعتمادات السنة الجارية وإنما بشرط أن تسمح اعتماداتها بذلك، فكيف يمكن أن يتحقق ذلك عندما تشمل المتأخرات إصدارات تعود لعدة سنوات سابقة وتشكل نسبة عالية من قيمة اعتمادات موازنات ٢٠٢٦، المعنية بالمطالبة بتسديد تلك المتأخرات، بحيث تؤدي الاستجابة لهذه المطالبة إلى استنزاف احتياطي موازنة ٢٠٢٦، مقابل تسديد جزء بسيط من قيمة فواتير السنوات السابقة؛ هذا في وقت تآكلت فيه هذه الاعتمادات بسبب تقديرها على أساس توفير تغذية من المؤسسة تغطي بين 8 و 10 ساعات، ولم يتوفر منها سوى ساعتين أو 4 معظم الفترة المنقضية من السنة؛ ناهيك عما أدى إليه نقل الاعتمادات من احتياطي ٢٠٢٦ نتيجة الارتفاع المستجد على قيمة فواتير المحروقات لزوم سيارات الدولة وآليات القوى الأمنية والعسكرية، والمازوت اللازم لتشغيل مولدات الإدارات واشتراكاتها لدى أصحاب مولدات المناطق، التي ارتفعت أسعارها بنسب هامة بسبب ازمة مضيق هرمز؛ فماذا لو أضفنا إلى كل ذلك كلفة إعفاء المناطق المتضررة بموجب قانون صادر عن مجلس النواب، دون تحديد قيمة فواتيرها ودون إمكانية التحقق من صحة احتسابها وبالتالي دون تصفيتها بصورة قانونية.

ماذا لو استجيب لرعونة التهديد بقطع التيار بدءاً من “مطار رفيق الحريري الدولي”؟!

أياً كانت صيغة المعالجة المحتملة، فهي من الوجهة المالية لا بد أن تحتاج إلى فتح اعتمادات إضافية في الموازنة العامة للعام ٢٠٢٦، وكذلك في موازنات المؤسسات والمرافق المعنية، لا سيما تلك التي تحصل على مساهمات من موازنة الدولة أو تضطر إلى زيادة رسومها في هذا الجو من الفوضى وعدم الانتظام، وفي ظروف يرزح خلالها  المواطن تحت أعباء فاتورة المولد وصهاريج المياه وثمن البنزين والغاز المنزليومازوت التدفئة، وفي ظروف اقتصادية صعبة، بعد فرض تعرفة الأمر الواقع، التي اقرّت خلافاً لأي اعتبارات نظامية موضوعية، وذهبت وعود توازنها المالي الوهمي مع الريح.

المعالجة تحتاج إلى قانون

لأنه لم يعد ممكناً اليوم تحميل الخزينة أعباء غير ملحوظة في موازنة 2026،  إلا بقانون؛ وتشير الوقائع إلى تعذر تكرار ما أقدمت عليه الحكومة السابقة بموافقتها على تحميل الخزينة ثمن النفط العراقي عند إقرارها خطة الطوارىء الوطنية لقطاع الكهرباء, التي بنيت على رفع التعرفة بموجب قرار حكومي كان مخالفاً للقانون.

إن قطع التيار عن المرافق العامة هو ممارسة عدائية تشجبه المواثيق الدولية خلال الحروب، وهو يرتقي إلى مستوى الجريمة؛ لا سيما وأن المؤسسة شريك في التخلف عن إصدار الفواتير وجبايتها في مواعيدها، وفي المسؤولة وعن الأزمة المترتبة عن هذا التأخير. ولا بد من التذكير أن المادة ١٣ من قانون موازنة ٢٠١٨ قد نصّت على وجوب برمجة تسديد سلفات الخزينة المتراكمة المتوجبة بذمة كهرباء لبنان. وقد تكررت أحكام هذه المادة لاحقاً؛ وصار يتم تسديد مجموع قيمة فواتير الإدارات الصادرة عن كهرباء لبنان بإجراء المقاصة بها مع رصيد سلف الخزينة المتوجب بذمتها. وقد استمر ذلك إلى أن قرر مجلس الوزراء العودة عن تطبيق القانون المذكور، بحيث بات يقتصر اقتطاع الخزينة على ٢٠ ٪؜ من قيمة الفواتير ، وتصدر حوالة لصالح كهرباء لبنان بقيمة الـ٨٠ ٪؜ الباقة.

 هذا ولم يقف تعاون الحكومة في هذا المجال عند هذه الحدود، وانما تعدتها إلى الاستجابة للتعويض عن إعفاء المناطق المتضررة من فواتير المياه والكهرباء بحيث تم دعم مؤسسات المياه بمبالغ لهذه الغاية. وهناك صيغ أخرى إيجابية مطروحة لمعالجة المشكلة الراهنة وتمكين المؤسسة من شراء المحروقات، وذلك إلى تتم معالجة الوضع بصورة نهائية، تجنباً للعتمة الشاملة التي دأبت المؤسسة على التهويل بها للحصول على مزيد من المال لتغطية عجزها المالي المزمن دون أن يطرح مسؤول، في أي من المواقع، السؤال عن حقيقة النتائج المالية الحقيقية لرفع التعرفة اعتباراً من شهر 11/ 2022.

  وجواباً على الدعوة إلى اعتماد تعرفة متحركة للكهرباء نذكّر بأن التعرفة الحالية هي متحركة بحكم نص قرار رفعها أواخر العام ٢٠٢٢، وأن المؤسسة لم تلتزم بموجب إعادة النظر بهذه التعرفة بموازاة انخفاض سعر برنت الذي بنيت عليه. الذي اقتضى اعادة النظر بالتعرفة دورياً كل شهر أو شهرين وفق تغير اسعار النفط، التي تراجعت من ١١٠ $ إلى حدود الـ ٧٠ $ ، بين ٢٠٢٢ وإلى ما قبل اندلاع أزمة مضيق هرمز، بحيث أدى عدم التزام كهرباء لبنان بتخفيض تعرفتها إلى تحقيقها إيرادات وأرباحاً إضافية دون وجه حق من خلال تضمين  فواتيرها بنسب تصاعدية وصلت إلى حوالي ٣٥٪؜ أعلى من قيمتها الصحيحة، وكان يمكن أن تصل هذه النسبة إلى أكثر من ذلك فيما لو التزمت المؤسسة بتطبيق أحكام نظام استثمارها، الذي يوجب تخفيض رسم العداد الثابت بنفس نسبة انقطاع التيار عن المشتركين.

أما السؤال الأهم في هذا المجال فهو: من يضمن إعادة التعرفة إلى ما كانت عليه عند عودة تكلفة المحروقات إلى ما كانت عليه قبل أزمة هرمز، لا سيما وأن ثقة المواطن المشترك بالمؤسسة مفقود، وليس في الواقع من يعمل على استعادتها.

 

إن كهرباء لبنان “بالوعة” مال لا تشبع، وتنطوي نفقاتها على الكثير من الفساد والمبالغة، لا سيما في عقودها بالدولار، مع متعهدي التشغيل والصيانة ومع شركات مقدمي خدمات التوزيع، التي تتفاوت أسعارها بين واحدة وأخرى؛ ناهيك عن الهدر على شبكاتها، الذي يتجاوز الـ ٥٠ ٪؜ من الطاقة الموضوعة عليها ويستمد منها دون  المرور بعدادات تسجلها، ولا تتم فوترتها بالنتيجة؛ فهل يمكن أن نكتفي بالرضوخ لتهديدات كهرباء لبنان دون معالجة هذه المشاكل على أهميتها، ليستمر الهدر فيها دون استئصال بؤر الفساد وسوء الإدارة المعشعش فيها؟.

إن التهديد بقطع التيار عن المرافق العامة ضجيج جعجعة وهرطقة، وتنفيذه جريمة، تحرّمها المواثيق الدولية لو مارسها عدو فكيف لو مارست هذا العمل العدواني على مرافق البلاد مؤسسة عامة.
كلام مستحيل تنفيذه، والحل يحتاج إلى قانون والبحث في حسابات وتلزيمات وعقود ونفقات كهرباء لبنان  وعلاقتها بالامتيازات والمحطات الخاصة وربما التواطؤ مع بعض المؤسسات والشركات على التلاعب بعداداتها ، وإخضاعها للتدقيق الجنائي؛

وحيث أن مطالبة كهرباء لبنان بتسديد المتأخر من فواتيرها هي نقطة حق في بحر باطل يسوده الفساد؛ وأن تسديد الإدارات والمرافق العامة المتأخرات من موازناتها للعام ٢٠٢٦ مستحيل، فإن خلفية التهديد بقطع الكهرباء عن مرافق الدولة تكون الدفع باتجاه العودة إلى سلف الخزينة و”أخواتها”،  من التدابير المتسرعة من فئة الطارئ المستعجل.

واستطراداً، هناك من يخشى أن تكون الغاية من الحملة والضجيج الذي نسمع هديره هي تعويم رأس الفساد في مؤسسة تواصل انهيارها على يديه، وتحت ادارته، على مدى ربع قرن، وستر فضيحة العجز عن مواجهته!

* مدير عام الاستثمار السابق في وزارة الطاقة والمياه، وخبير لدى المعهد اللبناني لدراسات السوق

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى