التدخل العسكري السوري في لبنان بين الواقع والتمنيات (أحمد حوماني)

بقلم د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز
لم يكن سقوط النظام السوري السابق بقيادة الرئيس بشار الأسد مفاجئًا بعد حروب امتدّت لأكثر من أربعة عشر عامًا، لكن سرعة الانهيار هي التي فاجأت الجميع، ويظهر من ذلك أن كل الأفرقاء المتلاعبين بالداخل السوري قد تكتّلوا في لحظة ما لإسقاطه، فكان لا بد أن يسقط، وأقصد بذلك أمريكا والكيان الصهيوني وتركيا وروسيا والسعودية وقطر والإمارات وغيرهم، وكانت ساحة المعارضة أو الثورة السورية قد مُهّدت للجولاني، ليكون هو الرئيس المقبل لسوريا بعد أن تم القضاء على أغلب معارضيه والمناوئين له.
وبعد حوالي سنة ونصف السنة من حكمه لم يحدث تغيير كبير في سوريا، سواء تغييرات سياسية أم عسكرية، اللهم إلا تدمير العدو الصهيوني لكل المقومات العسكرية للجيش السوري، ومخازن أسلحته، والاجتياح الصهيوني للجنوب السوري من دون أي مقاومة تذكر، لا مقاومة عسكرية ولا سياسية، واقتصر الأمر على إدانات لا تُحرر أرضًا ولا تردع عدوًا.
قد يُقال إن ثمن إسقاط نظام بشار الأسد هو سكوت القيادة الجديدة عن الاحتلال الصهيوني، ومن ثم إقامة سلام وتطبيع معه، لكن مرور مدة طويلة من الزمن مع ما رافقها من جلسات المفاوضات التي حصلت بين سوريا والعدو الصهيوني دون الوصول إلى سلام أو معاهدة اتفاق، ينفي أن يكون هذا هو الثمن المطلوب، عدا عن أن الدول التي فتحت الطريق أمام الرئيس الشرع للوصول إلى الرئاسة، لكل منها مشروعه الخاص في سوريا، وقد يكون العدو الصهيوني اكتفى بما أنجزه على الساحة السورية من تدمير قوة سوريا العسكرية، واحتلال ما يريد من جنوب سوريا، خصوصًا مواقع جبل الشيخ الاستراتيجية. لكن أمريكا بالتأكيد لها مشروعها الخاص في سوريا، ويظهر ذلك من استضافة الرئيس الأمريكي ترامب للرئيس الشرع في واشنطن ، وهو لا يترك مناسبة إلا ويُشيد به وبقيادته “الحكيمة” لسوريا، وقد يكون مشروع أمريكا مرتبطًا بمصلحة صهيونية أمريكية مشتركة، أو مصلحة أمريكية خالصة.
نستعرض بعض الأحداث التي تحصل في المنطقة، ومن خلال الربط بينها يمكن الخلاص إلى معرفة الدور الذي يمكن أن تلعبه سوريا الجديدة بقيادة الشرع:
النقطة الأولى: ما يجري في العراق من هجمة لتسليم سلاح الحشد الشعبي والأحزاب العراقية تحت عنوان “حصر السلاح بيد الدولة”، فهل يُراد تكبيل قدرة الفصائل العراقية عن التدخل ضد سوريا في حال اشتعلت الحرب السورية على لبنان، علمًا أن بعض الفصائل العراقية كانت قد هدّدت بالتدخل في حال حدث ذلك، أم أن ذلك مرتبط بمشروع إعادة إحياء “داعش” في العراق؟
النقطة الثانية: ما يجري في لبنان تحت نفس العنوان: نزع سلاح حزب الله، وحصر السلاح بيد الدولة، وتبعًا لذلك أن يكون قرار السلم والحرب بيدها، لكن ما يُميز الأمر عما يجري في العراق، أنه في العراق يُعمل على دمج عناصر الفصائل في أجهزة الدولة، أو جزء منهم، وفي لبنان هذا الأمر مرفوض مطلقًا، كما أن السلطة اللبنانية تتقاطع مع العدو الصهيوني في نفس المهمة، ولا تفتأ تكرر نفس كلمات نتنياهو وكاتس وزامير، وقد أعطت الشرعية لكل ما يقوم به العدو الصهيوني من قتل وإجرام من خلال اتفاق الإطار الذي وقعته معه.
النقطة الثالثة: زيارة الرئيس الفرنسي إلى سوريا الأسبوع الماضي، مع العلم أن فرنسا لم يكن لها أي دور في كل ما حصل في سوريا خلال العقد الماضي، وهي كانت مُبعدة كليًا عن التدخل في شؤونها، فمن الذي أوحى لماكرون لزيارة سوريا في هذا الوقت؟ وماذا كان يحمل من رسائل؟ علمًا أن لا دور اقتصاديا لفرنسا في سوريا من دون الإذن الأمريكي، وللتذكير فإن دور فرنسا في عهد ماكرون هو دور التابع، والمؤدي لمهام تُحددها له الإدارة الأمريكية، ويشهد لذلك دورها في لبنان الذي لا تُحرك فيه ساكنًا إلا تحت الأمر الأمريكي والصهيوني أحيانًا، ولا يغشّنا إعلان فرنسا عن مؤتمرات دعم لبنان اقتصاديًا، أو مؤتمرات دعم الجيش اللبناني الذي لم ولن يرى النور.
النقطة الرابعة: دعوة الرئيس الشرع إلى قمة حلف شمال الأطلسي ولقائه مع ترامب، وإشادة ترامب به شخصيًا، والكلام الذي صدر عن ترامب تكرارًا حول إمكانية مساعدة سوريا بشأن موضوع حزب الله، وأنه أبلغ الشرع بأن الكونغرس سيجري الآن مراجعة لمدة 45 يومًا لجعل قرار إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب نهائيًا، وكان سبق ذلك رفع قانون عقوبات قيصر عن سوريا. لقد كان ترامب واضحًا في ما يُريده من سوريا، ويظهر أن زيارة ماكرون كانت لتأكيد تجاوب الشرع مع المشروع الأمريكي الجديد قبل أن يُحدّد له موعد للقاء ترامب، وما الانفجار الذي حصل في دمشق، إلا رسالة للشرع، وليس رسالة لماكرون، أو محاولة اغتيال له كما ذكر البعض.
النقطة الخامسة: هي الدور التركي الذي يتحكم بمفاصل النظام السوري الجديد، ولا يمكن القيام بأي عمل في سوريا من دون التنسيق معه، لذا كانت حصته أولًا شرف استضافة هذه القمة التي حضرها رؤساء ست وثلاثين دولة، وثانيًا تمرير صفقة الطائرات الأمريكية إف 35، وهنا أيضًا لا تغشّنا بعض الاعتراضات الصهيونية على هذا الموضوع، أو الشجار الكلامي بين القادة الأتراك والصهاينة، والحديث عن العداء بينهما، فإن النظام في تركيا هو أيضًا تابع للسياسة الأمريكية، ولا يحيد عنها قيد أنملة، ولسنوات صادف أنه كلّما ازداد العداء الكلامي بين تركيا والعدو الصهيوني، كلّما كان ذلك تغطية لمساعدات تركية للصهاينة، أو تمهيدًا لمشروع خيانة، يتطلب إظهار العداوة بينهما، وخير شاهد ما حصل في غزة من قتل وإجرام صهيوني، بينما جزء كبير من تسليح العدو الصهيوني ومؤونته الغذائية تمر عبر تركيا، وبقيت السفن التركية تنقل ما يحتاجه العدو الصهيوني طوال فترة الحرب على غزة. والكل يعلم أن تركيا تملك قدرات عسكرية جوية وبحرية وبرية أضعاف ما تملكه إيران، ومع ذلك لم تساند غزة، ولم تهدد باستخدام قوتها ضد الصهاينة، عدا عن أنها لم تقطع الدعم عنهم.
النقطة السادسة: هي دعوة بعض اللبنانيين الرئيس السوري لمساعدة لبنان، والحديث عن زيارات لنواب وقيادات لبنانية إلى سوريا للحصول على الدعم السياسي كما قيل، ونشير هنا إلى ما قاله رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حزب القوات شارل جبور: “إذا أراد الشرع أن يثبت للإدارة الأميركية أنه شريك إقليمي موثوق… فقد يعرض نفسه لإنجاز مهمة محددة تتعلق بإنهاء وجود حزب الله العسكري على الحدود الشرقية. فهو قد يقول للأميركيين: كما أسقطت نظام الأسد، أستطيع، إذا اقتضت الحاجة، أن أساهم في إنهاء نفوذ الحزب”، فهل هذه دعوة صريحة من القوات اللبنانية للتدخل السوري في لبنان؟
النقطة السابعة: ما هو موقف السلطة اللبنانية من ذلك إذا ما حدث؟ وهل سيعطي رئيس الجمهورية أمرًا بسحب الجيش اللبناني من البقاع؟ أم سيعطي أمرًا بالمواجهة؟ مع ما يستدعي ذلك من تنسيق عملي مع المقاومة والعشائر بما تمثله من حيثية شعبية كبيرة، وما هو موقف قيادة الجيش وهي ترى الاعتداءات على أرضها وأهلها، علمًا أن الجيش اللبناني يملك إمكان المواجهة العسكرية والدفاع عن أرضه، وهو العذر الذي استخدمه رئيس الجمهورية لعدم مواجهة الاحتلال الصهيوني لجنوب لبنان. وما هو موقف المسيحيين من أهل تلك القرى المتاخمة للحدود سواء في البقاع أم في الشمال؟ وهل ستضحي بهم القوات اللبنانية، كما ضحت بالمسيحيين في مناطق عديدة من لبنان؟
بعد عرض هذه النقاط يبدو أن هناك من يسعى إلى إنضاج طبخة التدخل السوري في لبنان، فالرئيس الأمريكي قالها بصراحة، وبعض اللبنانيين لم يخفوا ذلك، والعدو الصهيوني يُرحّب بأي جهة تساعده في القضاء على حزب الله والمقاومة، خصوصًا في منطقة البقاع التي يصعب عليه الوصول إليها. لكن من يضمن أن أي تدخل سيكون ناجحًا حتى لو ساندته الطائرات الصهيونية، فحزب الله والمقاومة ورجال العشائر البقاعية سوف يتصدون لأي اعتداء، وبالتأكيد سيكبدون العدو الخسائر الكبيرة، وهو ذاق بأسهم في السنوات السابقة، وهم سيدافعون بشراسة عن أرضهم وأهلهم. ومن سيضمن للرئيس الشرع عدم اهتزاز الداخل السوري الذي لم يستقر بشكل مطمئن، خصوصًا في الساحل السوري، والمناطق الجنوبية في السويداء وجوارها، كما في مناطق الأكراد في الشمال الشرقي.
النقطة المضيئة حتى الآن والتي تُبعد هذا السيناريو عن الواقع، هي تصريحات المسؤولين السوريين عن عدم رغبتهم في التدخل في الشؤون اللبنانية، وعدم تكرار تجارب الماضي. لكن الأيام والأسابيع المقبلة ستُظهر مدى صدق أقوال المسؤولين السوريين، ومدى إمكان رفضهم للمشروع الأمريكي الذي يُروّج له الرئيس ترامب، ويُصفق له الصهاينة، ويتمناه بعض اللبنانيين.



