إقتصاددوليات

الاقتصاد الاوروبي:أزمة بنيوية أبعد من كورونا وأكبر من أوكرانيا(طلال الإمام)

 

طلال الامام /السويد

يمكن القول انه حتى اكثر الناس تشاؤماً لم يكن يتوقع هذا الانهيار السريع والمريع لاقتصاد بلدان الاتحاد الاوربي الذي بدأت ارهاصاته تبرز منذ انكشاف عورة القطاع الصحي فيه خلال جائحة كورونا، ثم جاءت الحرب في اوكرانيا لتعريته كلياً .

لقد هبط اليورو، العملة الاوروبية الموحدة امام الدولار، ليصل سعره في الشهر الحالي لاقل من الدولار، وهو امر غير مسبوق منذ طرح تداوله رسمياً اواخر 2002.
سوف نتناول اقتصاد السويد نموذجاً لتدهور الاقتصاد الاوروبي المتدحرج وتجلياته ولا احد يعرف الى اين سيصل ومتى يتوقف .( علما ان السويد التي كان يطلق عليها حتى تسعينيات القرن الماضي مجتمع الرفاهية الزائدة مازالت افضل الاقتصادات الاوروبية ).
منذ بدء الحرب في اوكرانيا وانخراط السويد بشكل محموم في العقوبات على روسيا يعاني الاقتصاد السويدي ازمة خانقة تتمثل في انخفاض سعر الكرون السويدي امام اليورو والدولار ( صار الدولار الواحد يساوي اليوم اكثر من عشر كرونات بعد ان كان قبل الحرب الاوكرانية اي قبل بضعة اشهر حوالي ثمانية) .ترافق انهيار الكرون مع ارتفاع معدل التضخم وفق بيانات وكالة بلومبرغ من 7.2% في شهر مايو/ أيار إلى 8.5% في شهر يونيو/ حزيران الجاري ، وهو أعلى معدل تضخم منذ عام 1991.

تنبأت دراسة اقتصادية سويدية أعدّها بنك SBAB بزيادة نفقات الاسرة خلال العام الجاري 2022 المعيشية ويتمثل في ارتفاع سريع في اسعار الطعام ( خبز ،فواكه، لحوم وخضار ) ، البيوت ، التدفئة، المواصلات والالبسة ،بنسبة تجاوزت ال %20 مقابل زيادة في الاجور لاتتعدى ال %3.
لكن عوضاً عن قيام الحكومة بدراسة الاسباب الحقيقية لهذا التدهور الاقتصادي / المعيشي ووضع الحلول لمواجهته او التخفيف منه راحت تتحدث عما يتوجب على المواطن القيام به ، وكأن المواطن هو سبب الازمة وليس سياسة الحكومة التي تسير وفق اجندات لاعلاقة لها بمصالح السويد والسويديين ، وانما ارضاء للامريكان واحتكارات السلاح .
مثلا نشرت دراسة اجراها خبراء في الاقتصاد وتروجها الحكومة توجه نصائح الى المواطن الذي يكتوي بنار ارتفاع تكاليف المعيشة بشكل جنوني، للقيام بعدة اجراءات لتخفيف عبء الازمة منها :
– بدء الصرف من المدخرات .
– بدء التسوق الذكي ( ترشيد شراء الطعام واللباس ) مثلا البحث عن المتاجر التي تبيع باسعار مخفضة ، البدء بمقارنة الاسعار عند شراء اي سلعة ( لاتبحث عن الجودة وانما على السعر الافضل) تقليل شراء الالبسة و انواع معينة من اللحوم والاسماك الغالية الثمن .
– التوقف عن شراء الكماليات .
– استخدام وسائل النقل العام او محاولة ركوب دراجة او المشي عوضا عن السيارة لارتفاع اسعار الوقود .
– تقليل ميزانية الرفاهية المخصصة للانشطة مثل السياحة والسفر او دخول المطاعم .

يؤثر التضخم، ارتفاع الاسعار وتأكل الاجور بالدرجة الاولى على المتقاعدين ( يشكلون نسبة كبيرة من السكان في السويد ) الطلاب ، ذوي الدخل المحدود والعاطلين عن العمل والعائلات التي تعيش على المساعدات …بمعنى على شريحة واسعة من السكان .من جهة اخرى تحاول الحكومة ووسائل اعلامها رمي اسباب الازمة الاقتصادية وموجة الغلاء كلها على الحرب في اوكراني،متناسين عمدا ربما التصريح ان الركض وراء الانضمام للناتو سيكلّف السويد انفاق 3,2 مليار دولار كلفة وضع الدفاعات الأولية في جزيرة غوتلاند وتهيئة البنية التحتية فيها للاستخدام العسكري . كما بلغت ميزانية الدفاع مايقارب 67 مليار كرون (ثمة نية لزيادتها في الاعوام القادمة).

تدفع السويد ما بين 24 و47 مليار كرونة سنويا لصندوق الاتحاد الاوربي . لابد من الاشارة الى ان السويد بلد غني بثرواته الطبيعية ويحتل وفق بعض التقديرات المرتبة السادسة عالميا في بيع السلاح …. لكن المشكلة في النهج الاقتصادي النيو ليبرالي الذي بدأ منذ تسعينيات القرن الماضي، والى شكل توزيع الثروة التي تتحول اكثر واكثر الى ايدي حفنة من الشركات والرأسماليين الكبار والانخراط في اجندات خارجية لاعلاقة للسويد بها .هذا كله يؤدي الى تزايد الهوة الطبقية في المجتمع التي حاول ردمها بعد الحرب العالمية الثانية …كما و يترافق مع تصاعد النزعات العنصرية في المجتمع السويدي باشكال مختلفة .

ماذا يعني هذا ؟

ان وضع بلدان اوروبا من الناحية الاقتصادية يعاني ازمة بنيوية لايريد ساستها الاعتراف بها ،وتتفاقم هذه الازمة بسرعة منذ بدء فرض سياسة حصار مجنونة على روسيا ،سياسة الحقت ضررا بهذه البلدان مقابل تحسن الروبل لدرجة بدأنا نسمع تصريحات من بعض بلدان الاتحاد الاوربي تنتقد سياسة الحصار المفروضة على روسيا والتي تنعكس سلبا على شعوب وبلدان الاتحاد الاوربي الذي ينتظره شتاء بارد واضطرابات سياسية واحتجاجات جماهيرية . ( قال رئيس وزراء المجر : اعتقدت بداية أننا اطلقنا فقط رصاصة على قدمنا ، لكن الاقتصاد الاوروبي اطلق رصاصة على صدره واختنق مؤكدا انه سيستمر في استيراد الغاز الروسي ).

هناك من يقول ان المواطن الاوروبي سيثور عندما تصل الازمة الى طعامه ، مشربه ، عمله ومسكنه الى تآكل الامتيازات التي حصل عليها …اخيرا عندما تصل الى عدم تمكنه من السياحة كما كان يفعل ، ويبدو ان هذا الوضع صار على الابواب . اخيراً
ذكر رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، طوني بلير،  أنّ العالم مُقبل على تغيرات جيوسياسية، مشيراً إلى أنّ عصر الهيمنة الغربية يقترب من نهايته، ويسير نحو التعددية القطبية. وقال بلير، في محاضرةٍ ألقاها في ندوةٍ نظمتها مؤسسة “ديتشلي” البريطانية الأميركية أنّ “العالم سيصبح، على الأقل، ثنائي القطب، أو ربما متعدد الأقطاب، ونقترب من نهاية الهيمنة الغربية في السياسة والاقتصاد”.
وتابع: “لأول مرّة في التاريخ الحديث، يمكن للشرق أن يكون على قدم المساواة مع الغرب”.
فعلا السبب الحقيقي للازمة البنيوية التي يمر بها النظام النيوليبرالي ليس وباء الكورونا وليست الحرب في اوكرانيا ،وانما ان هذا النظام استنفذ فرصته التاريخية….لم يعد من الممكن ترقيعه مهما ارعد وازبد …عالم قديم يعاني سكرات الموت ومازال يشكل خطرا، على السلم العالمي واخر جديد يولد بصعوبة وألم .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى