دولياتسياسة

الأبعاد الاستراتيجيه لطرد المدمرة الاميركيه من بحر الصين الجنوبي

 

محمد صادق الحسيني
صحيح ان عمليات اختراق الاجواء او المياه الاقليميه لدولة ما ، من قبل تشكيلات جويه او بحريه تابعة لدولة اخرى ، ليست نادرة الحدوث ، خاصة من قبل قوات حلف الشمال الاطلسي والقوات الاميركيه .
لكن قيام المدمره الامريكيه : يو إس إس باري USS Barry باختراق المياه الاقليميه الصينيه ، في محيط جزر شيشا Xisha ( وهي الجزر التي تسميها الدول الغربيه : جزر باراسيل Paracel ) والواقعه في بحر الصين الجنوبي ، قبالة سواحل مقاطعة هاينان Hainan ، وتبعد عن سواحلها حوالي ٢٦٠ كم ، لم يكن حدثاً لا عادياً ولا مقبولاً وانما ذو اهمية استراتيجية عاليةًجداً ، وذلك للاسباب التاليه :

1. قيام قيادة " مسرح العمليات الجنوبي " في الجيش الشعبي الصيني بإصدار الاوامر الفوريه ، للوحدات البحريه والجويه الصينيه ، المسؤوله عن تأمين تلك المنطقه من بحر الصين الجنوبي ، باتخاذ الاجراءات الصارمة ، لتنفيذ مهامها والاضطلاع بمسؤولياتها الوطنيه ، ومن ثم قيام تلك الوحدات بمحاصرة المدمره الاميركيه ، بحرا وجواً ، وإصدار الاوامر الصارمة لها بمغادرة المياه الاقليميه الصينيه حالاً ، حسب ما أعلنه العقيد : لي هوآمين Colonel : Li Huamin يوم الثلاثاء ٢٨/٤/٢٠٢٠ .حيث قامت الوحدات الصينيه بمرافقة المدمره الصاروخيه الاميركيه ( مزوده بصواريخ موجهه شديدة الدقه ) الى خارج المياه الاقليميه الصينيه .

وهذا يعني ان القيادة الصينيه كانت صارمة في الرد على العدوان الاميركي على سيادتها و مياهها الاقليميه ، وأنها لن تسمح مطلقاً باستغلال اية ظروف لخرق هذه السيادة ، وبالتالي هو اعلان عن استعداد جمهورية الصين الشعبيه للدفاع عن مصالحها في بحار الصين وغيرها من البحار المجاورة وصولاً الى غرب المحيط الهادئ ( جزيرة غوام ) .
2. ان قيام هذه المدمره بعملية الخرق ، المذكوره اعلاه ، لم يكن الاول وانما الثاني خلال الاثنين وسبعين ساعة الماضيه . وهو ما يدل على رغبة جامحة للولايات المتحده بان ترسل إشارات الى جمهورية الصين الشعبيه بانها تعمل على الحفاظ على وجودها ( الولايات المتحده ) في غرب المحيط الهادئ وبحار آسيا . وبكلمات اخرى فانها تحاول عبثاً الإيحاء بانها قادرة على المحافظة على هذا الوجود . حيث اثبت الجيش الصيني ، من خلال عملية طرد المدمره الاميركيه ، انه كامل الاستعداد ويتمتع بقدرات عالية جداً ، لمنع اي اعتداء على سيادة الصين .
3. الا ان تصريح الناطق باسم مسرح العمليات الجنوبي ، في الجيش الشعبي الصيني ، العقيد لي هوآيمين COL. Li Huamin ، قد وضع النقاط على الحروف وحدد الخطوط الصينيه الحمراء ، امام القوات البحريه والجويه الاميركيه ، عندما قال : ان التحركات ، البحريه والجويه الاميركيه ، تهدد الامن والاستقرار في البحار الصينيه وفي آسيا ، وان القوات الصينيه سوف تؤدي واجبها وتحافظ على السيادة الصينيه وامن المنطقه وكذلك على السلام والاستقرار في بحر الصين الجنوبي .
وكلامه هذا يعني بكل وضوح : ان اليد العليا ، في تلك البحار ، هي للجيش الشعبي الصيني وليست للأساطيل الاميركيه . كما ان مسؤولية السلم والاستقرار وحماية الملاحه هي من مسؤوليات الصين وليس غيرها وان ايّام عربدة الاساطيل الاميركيه في بحار العالم قد ولّت الى غير رجعه .
4. ان ما أضافه الناطق باسم قيادة مسرح العمليات الجنوبي ، في الجيش الصيني ، في تصريحه من ان الصين تحث الولايات المتحده ، التركيز على مقاومة وباء كورونا والتصدي له في الولايات المتحده ، والمساهمة في التصدي لهذا الوباء ، على الصعيد العالمي ، والتوقف الفوري عن هذه العمليات ( العسكريه / التحرشات ) ، ضد الامن الإقليمي والسلام والاستقرار ( في جنوب شرق آسيا ) .
وهذا كلام يعكس مدى الاستعداد الصيني لمواجهة العربده البحريه والجويه الاميركيه . فعندما يقول الناطق ان على الولايات المتحده التوقف الفوري عن استفزازاتها فانه ، من الناحية العملية يصدر أمراً تحذيرياً للقطع البحريه الاميركيه ويقول لها ان الجيش الصيني مستعد لاتخاذ الاجراءات الضروريه لوضع حد لخروقاتها اذا لم تلتزم هي بهذا الامر . وهو دليل آخر على جدية الصين ، في هذه المواجهه ، وعلى تآكل الهيمنه البحريه والجويه الاميركيه في تلك المنطقه .
5. وفِي نفس الاطار تأتي أقوال الخبير العسكري الصيني ، في معهد الابحاث والدراسات العسكريه البحريه في الجيش الشعبي الصيني ، شانغ جونشي Zhang Junshe ، التي ادلى بها لصحيفة غلوبال تايمز الصينيه بتاريخ ٢٨/٤/٢٠٢٠ ، ونصح فيها الولايات المتحده بالتخلي عن عقلية الحرب البارده والالتفات لحياة جنودها ومعالجتهم من وباء الكورونا بدلاً من مواصلة هذه التحرشات .
ففي ذلك رسالة جديدة لواشنطن بان القعقعة بالصواريخ الاميركيه لم تعد تخيف احداً ، خاصة في ظل وجود صواريخ صينيه مضاده للسفن ، سرعتها خمسة أضعاف سرعة الصوت ، وتطلق من الارض ومن البحر وقادرة على تدمير اية حاملة طائرات اميركيه في ضربة واحدة .
6. اما ما يعزز تراجع القدرات الاميركيه ، وبالتالي الدور الاميركي ، في غرب المحيط الهادئ وبحار الصين فهو قيام القياده الاستراتيجيه الاميركيه ، يوم ١٦/٤/٢٠٢٠ ، بسحب قاذفات القنابل الخمسه من طراز / B 52 / ، من القاعدة الجويه الاميركيه في جزيرة غوام ، وإعادتها الى الولايات المتحده ، بعد انتشارها هناك لمدة ١٦ عاماً متواصلة ، وذلك بسبب وجود القاعده في مدى الصواريخ الروسية والصينية والكورية الشماليه ، حسب ما صرحت به كيت أناستاسوف ، الناطقة باسم القياده الاستراتيجيه الاميركيه ، لموقع ديفينس نيوز Defense News الاميركي بتاريخ ١٦/٤/٢٠٢٠ .
اذاً فإن السيدة ، المذكوره اعلاه ، تعترف بان زمن الهيمنة الاميركيه قد ولى وان التفوق التكنولوجي ، سواء العسكري او المعلوماتي والفيزيائي ( الاسلحه الكهرومغناطيسيه ) ، لكل من روسيا والصين وقريباً ايران ، على مستوى التسلح الاميركي ،قد اصبح عاملاً فاعلاً في افراغ عمليات الحشد الاستراتيجي الاميركي ، ضد الصين وروسيا ، من محتواها . كما ان أقوال الناطقه باسم القياده الاستراتيجيه الاميركيه ، عن ان القاذفات المذكوره اعلاه ، سوف تقوم بمهماتها انطلاقاً من بحار اخرى لا يلغي ان البحار والأجواء أخذت تضيق ، امام العدوان الاميركي ، وان سياسة الصين ، في انشاء مناطق ( 2 A ) او أنتي أكسيس Anti Access ، وهي المناطق الممنوع الدخول اليها . وكذلك مناطق ( AD ) او إيريا دينايال Area Denail ، اي المناطق المحظوره ، قد اثبتت فعاليتها الشديده وأنها بدأت تطبق حرفياً في مسارح العمليات المختلفه ،. الامر الذي يجب ان يوضع في اطار كونه الخطوة الأساسيه في اخراج القوات والقواعد ، البحرية والجوية ، من كل بلدان وبحار العالم ، بما في ذلك منطقة الخليج والجزيرة العربيه واعادة هذه الاسلحه والجيوش الى الولايات المتحده في سبيل المساهمة في الحد من الانفاق العسكري الاميركي واستثمار هذه الاموال في تطوير البنى التحتيه الاميركيه ووضع حد للسياسة العدوانية الاميركيه المتوحشة والتي اثبتت انها سياسة فاشلة غير قادرة على تأمين ادنى مستلزمات الرعاية الصحيه ، لا للجيش الاميركي ولا للشعب الاميركي نفسه ، في ظل الوباء الذي يجتاح الولايات المتحدة . هذا علاوة على انها وقفت عاجزة امام هذا الوباء ، على الصعيد الدولي ، وأصبحت دولة تنتظر المساعدات الطبيه من كل حدب وصوب وهي اقرب الى وضع الدولة الفاشله من وضع الدولة العظمى .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى