
كتب أكرم بزي – الحوارنيوز
بخطوةٍ تعكس تحولاً جذرياً في موازين القوى، برز الموقف الايراني على لسان رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ليؤسس لمرحلة جديدة في المشهد اللبناني، حيث اعلن ان المحادثات التي جرت في سويسرا قد افضت الى تفاهمات تضمن وحدة الاراضي اللبنانية وسلامتها، مع الكشف عن الاتفاق على إنشاء مركز تنسيق خاص بلبنان يهدف الى تسهيل عودة المواطنين الى منازلهم ومواكبة انسحاب قوات الاحتلال الاسرائيلي من الاراضي اللبنانية.
واوضح قاليباف ان هذا المركز سيتولى ايضا متابعة اي خلافات او اشكالات تتصل بخرق وقف اطلاق النار والعمل على معالجتها ضمن الآليات المتفق عليها، بما يساهم في تثبيت الاستقرار ومنع تجدد التصعيد، وهو ما ترافق مع اتفاق على الافراج عن اصول مجمدة بمقدار 12 مليار دولار، والتوصل الى آليات مشتركة مع امريكا بشأن ضمان سيادة لبنان، والاتفاق على ايجاد مركز اتصال بشأن مضيق هرمز، مع رفع العقوبات على بيع النفط والبتروكيماويات بشكل مؤقت الى حين التوصل لاتفاق نهائي، والتنسيق لاجتماعات دورية لمتابعة بنود مذكرة التفاهم.
هذا التحول يشي بنهاية مرحلة وبداية اخرى اطاحت بكل هوامش المناورة الاسرائيلية، حيث نقل مفاعيل مذكرة تفاهم اسلام اباد الموقعة في 18 حزيران/يونيو من الشق النظري الى الاجراءات الزجرية الصارمة، فمعطيات الميدان الدبلوماسي والعسكري باتت تؤكد ان الادارة الامريكية، الواقعة تحت وطأة ضغوط الميدان وتطورات مضيق هرمز، قد انتقلت الى مرحلة فرض امر عمليات مباشر وقاس على تل ابيب، وفي المعلومات المؤكدة ان إيران استلمت مبلغ 24 مليار دولار قبل الذهاب الى جولة المفاوضات.
ويبدو ان مشهد التداعي الاسرائيلي قد تجسد في واقعة تسريب احد الصحافيين العبريين تهديدا مباشرا من ترامب لنتنياهو مفاده ان لديه 20 ثانية لايقاف الحرب على لبنان، وهو ما حصل بالفعل، الا ان المفاجأة تمثلت في ان الايرانيين قد فرضوا شروطا جوهرية بالنسبة للبنان بعدما تم التأكيد من قبل طهران على تشكيل لجنة من ايران وامريكا وقطر وباكستان للاشراف على عودة السكان النازحين الى قراهم، وهو ما جعل المحلل العسكري يوسي يهوشع يعلق بمرارة على ما اسماه اتفاق الاستسلام الامريكي امام ايران، معتبرا انه يدخل طهران رسميا الى آلية الرقابة والاشراف في لبنان، ما يشكل كارثة استراتيجية غير مسبوقة لاسرائيل.
وفي خضم هذه التطورات، تتبلور تفاصيل الخلية التقنية لفض النزاع وتثبيت وقف اطلاق النار الدائم والتي اظهرت عمق عزلة الكيان، حيث كشفت مصادر اعلامية ان الخلية التي تولدت في بورغنشتوك ومسار واشنطن الموسع تضم ايران والولايات المتحدة وقطر ولبنان دون اي دور للكيان الاسرائيلي، وتتولى واشنطن حصرا ابلاغ تل ابيب بالقرارات واجبارها على التنفيذ، فيما تلعب قطر دور صلة الوصل ومحرك صندوق الاعمار بالتنسيق مع السعودية، ولن تقتصر مهام الخلية على مراقبة الخروقات بل تشمل وضع آليات الانسحاب الاسرائيلي الشامل وانتشار الجيش اللبناني وعودة الاسرى والنازحين واطلاق خطة اعادة الاعمار، في تأكيد ايراني صلب على عدم التخلي عن لبنان حتى يصل الى سيادته الوطنية الكاملة.
ان المثير للسخرية في هذا المشهد هو اصرار السلطة اللبنانية على ترداد شعارات حول كون لبنان يفاوض عن نفسه، في وقت بات فيه واضحاً للقاصي والداني أن المفاوضات الأساسية قد حُسمت وقُضي الأمر، ما يكرس مقولة انفصال هذه السلطة عن الواقع، إذ إن ديدنها منذ تشكيلها كان ولا يزال الادمان على الاوهام والاصرار على ارتهان البلد للآخرين، وفي خطوة لمحاولة استيعاب التحولات المتسارعة، اجرى الرئيس جوزيف عون سلسلة اتصالات مع فانس وكوشنر والقيادة القطرية، معلناً مباركته لأي جهد يسهم في وقف إطلاق النار، لكنه حرص على إرسال رسائل سياسية لضبط المشهد الداخلي، مؤكداً أن الترحيب بالدعم الخارجي لا يعني التسليم بالتفاوض نيابة عن لبنان، وفي ظل غياب دعوة واضحة لزيارة واشنطن، تتجه الأنظار نحو تحركات الرئيس عون المرتقبة عبر جولة إقليمية تشمل السعودية وقطر وتركيا، في محاولة للتموضع ضمن التفاهمات الجارية وتفادي العزلة عن المسار الذي تهيمن عليه طهران وواشنطن، بالتوازي مع دعم التحركات التي يقوم بها مدير عام الأمن العام اللواء حسن شقير لردم الهوة بين المكونات اللبنانية ومحاولته الوصول الى قواسم مشتركة تسد الفجوات التي تراكمت نتيجة اداء السلطة السياسية.



