ثقافة

إطلاق “أبجدية الجنوب” في حضور ثقافي لبنان وعربي: قصائد في الأرض والحب والحرية

 

كتبت علوية هاشم فياض – الحوارنيوز

 

ذهبت إلى حفل إطلاق كتاب “أبجدية الجنوب” في مدينة صور لأجد نفسي على موعد مع الجنوب.

ذلك الجنوب الذي كلما ظننّاه غارقًا في الرّماد، خرج إلينا من بين الجمر حاملاً باقةً من القصائد. الجنوب الذي يرفض أن يُقرأ في نشرات الأخبار فقط، ويصرّ أن يُقرأ أيضاً في دواوين الشّعر، وفي دفاتر العشاق، وفي أعين الأمهات اللّواتي يخبّئن الوطن في الدّموع كما تُخبّئ السّنابل القمح في قلب التّراب.

في قاعة الجامعة الإسلامية في صور، لم يكن الحضور مجتمعاً حول كتاب، بل حول معجزة صغيرة اسمها: كيف تستطيع اللّغة أن تُنقذ ما تعجز الحروب عن فهمه؟

هناك، وبرعاية اتحاد الكتّاب اللبنانيين ممثلًا برئيسه الدكتور أحمد نزال، الذي ما توانى يوماً عن الإصغاء إلى نبض الجنوب كلًما ناداه، وُلد “أبجدية الجنوب”، لا كتاباً فحسب، بل وثيقة عشقٍ جماعية كتبتها أرواح تعرف أن الأوطان لا تُحفظ بالسّلاح وحده، بل بالحرف أيضاً.

أمّا الفكرة، فقد خرجت من رحم الحرب نفسها.

كأنّ الجنوب، وهو يرزح تحت أهوال النّار، قرّر أن يخبئ وردةً في خاصرة الدّخان.

التقطها الكاتب الأستاذ مهدي زلزلي بعين الصحافي وقلب الشاعر. كان يؤدي مهمّته بين الأخبار الثقيلة والمشاهد القاسية، حين لمعت في العتمة قريةٌ جنوبية كنجمةٍ نجت من سقوط السماء. كتب عنها. ولم يكن يدري أن القرية التي دخلت مقالاً ستخرج قصيدة، وأن القصيدة التي خرجت من قلبه ستعود إليه كتاباً كاملا، كأنّ الجنوب حين يُحبّ لا يكتفي بحرف، بل يطالب بأبجدية كاملة.

وأنا أصغي إلى المتحدثين والشّعراء، راودني شعور غريب:

هل نحن الذين نحب الجنوب؟

أم أنّ الجنوب هو الذي يحبنا بهذا الإفراط حتى يجعلنا شعراء من حيث لا ندري؟

ما هذا السّر الذي يجعل القرى هناك تبدو كأسماء حبيباتٍ قديمات؟

ولماذا تُلفظ بنت جبيل كما تُلفظ كلمة شوق؟

ولماذا تشبه صور أمًّا تنتظر أبناءها على شرفة البحر؟

ولماذا تبدو الخيام ومارون والناقورة وعيتا وكفركلا وأنصار كأنّها ليست أماكن، بل مقاطع من قصيدة لم يكتمل إنشادها بعد؟

ثمة أمكنة تسكن الجغرافيا.

أما الجنوب، فيسكن اللغة.

وحين يسكن المكان اللغة يصبح عصياً على الموت.

لهذا لا يموت الجنوب.

لا لأن بيوته لا تُهدم، فقد هُدمت.

ولا لأن أبناءه لا يستشهدون، فقد ارتقوا أفواجاً من الضوء.

ولا لأن الحروب تفشل دائماً في الوصول إليه، بل لأنها تفشل في اقتلاعه من المعنى.

والمعنى لا يُقصف.

المعنى لا يُحتل.

المعنى لا يُهجّر.

كل ما يستطيع الخراب أن يفعله هو أن يضيف صفحةً جديدة إلى كتاب الصمود.

وها نحن، بعد كل هذا الوجع، ما زلنا نكتب.

نكتب كأن الكتابة شكلٌ من أشكال إعادة الإعمار.

نكتب لأن الحرف حجرٌ آخر في بناء الوطن.

نكتب لأن القصيدة أحياناً تكون سقفاً يحتمي به القلب حين تتهاوى الأسقف.

سنحفظ أسماء القرى كما يحفظ المؤمن أسماء أنبيائه.

سنروي الحكايات كما لو أننا نمنع النسيان من ارتكاب جريمته.

سندفن شهداءنا بدموعٍ تليق بهم، ثم نعود لنزرع مكان كل قبر سنبلة، ومكان كل دمعة قصيدة، ومكان كل رصاصة معنى.

ففي الجنوب، حتى الجرح لا يكتفي بأن يكون جرحا.

يتحول إلى أغنية.

ويتحوّل إلى ذاكرة.

ويتحوّل إلى أدب.

ويتحوّل إلى وطن.

ولهذا، حين انتهى اللّقاء، لم أشعر أنني أغادر قاعةً في الجامعة الإسلامية في صور،

شعرت أنني أخرج من قلب الجنوب نفسه.

من ذلك القلب الذي ما زال، رغم كل ما مرّ عليه، يخفق بالحبر بدل الدم أحياناً، وبالقصائد بدل الأنين.

وما دامت أنفاس عشاقه تخرج أبياتا، وما دام في هذه الأرض شاعر واحد قادر على أن يرى في قريةٍ صغيرة كوناً كاملاً من الجمال، فإن الجنوب سيبقى أكبر من الحرب، وأطول عمرا من الخراب، وأعمق من الجغرافيا.

سيبقى قصيدةً مفتوحة على الأبد.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى