دولياتسياسة

أفغانستان..مقبرة الامبراطوريات(محمد قجة)

محمد قجّة – الحوارنيوز

قبل عشرين سنة، وفي يوم 7/10/2001 دخلت قوات الغزو الأمريكية أفغانستان بحجة مطاردة عناصر “متطرفة” اتهمتها الولايات المتحدة بالتخطيط والتنفيذ لأحداث الحادي عشر من أيلول ، سبتمبر ، بتفجيرات نيويورك وواشنطن.

ولسنا في وارد البحث عن أي دليلٍ قانوني أو مادي على تلك الاتهامات، كانت عملية الغزو الأمريكية مهيأة وجاهزة سلفاً لاحتلال هذا البلد الذي يشكل سرّة القارة الآسيوية ومركزها الاستراتيجي الحيوي.

******

تتوسط أفغانستان مجموعة من الدول تحيط بها في حدود تزيد على 5500 كم، وهذه الدول بحسب طول الحدود المشتركة هي: باكستان، طاجيكستان، إيران، تركمانستان، أوزبكستان، الصين. وتبلغ مساحة أفغانستان حوالي /650/ ألف كم2. ويقترب سكانها من خمسة وثلاثين مليون نسمة. وعاصمتها “كابول” وهي أكبر مدنها. إلى جانب مدن أخرى هامة مثل: مزار شريف، قندهار، هرات، بلخ، جلال آباد.

والتركيب السكاني في أفغانستان متنوع حسب المناطق الجغرافية، ولهذا التنوع امتداده في دول الجوار. وتشكل قومية “الباشتو” أكبر تلك المكونات، يليها الطاجيك والأوزبك والهازار. وتتنوع اللغات بتنوع القوميات، فهناك لغات الباشتو والداري والفارسية والتركية. وتكتب كلها بالحرف العربي.

*****

وصل العرب المسلمون أفغانستان أيام الخليفة الراشدي عثمان بن عفان عام 32 هـ بقيادة أوس بن ثعلبة، وتبعه الأحنف بن قيس، واستمرت موجات الفتح العربي خلال العصر الأموي حتى أخذت شكلها النهائي على يد قتيبة بن مسلم الباهلي ، وأصبحت جزءاً هاماً من العالم الإسلامي، وأسهم كثير من رجالها في التراث الحضاري الذي نجد صداه في أسماء عشرات العلماء الذين يحملون لقب “البلخي” ومنهم جلال الدين الرومي البلخي المتصوف المشهور، ومنهم ابن سينا الطبيب والفيلسوف الاشهر وكانت اسرة ابيه من بلخ في افغانستان وامه من قرية قرب بخارى في اوزبكستان. قبل ان ينتقل الى مدينة همدان في فارس ويتوفى فيها . وسائر مؤلفاته باللغة العربية . ومنهم “الهروي” صاحب المقام المشهور في حلب. وكثيرون يحملون لقب البلخي أو الهروي.

*********

وقد تناوبت كثير من الدول في حكم تلك البلاد، كالدولة الغزنوية، والدولة الخوارزمية التي دمرها جنكيزخان المغولي في زحفه المدمّر على العالم الإسلامي. كما كانت موضع أخذ وردّ مع مراكز القوى في إيران والهند الإسلامية، وكانت تتوسع أو تتقلص حسب نفوذ تلك القوى. ومنذ القرن التاسع عشر دخلت أفغانستان في لعبة شدّ الحبل بين القوى الجديدة النافذة في المنطقة وهي: روسيا القيصرية في الشمال، وبريطانيا التي تحتل الهند في الشرق والجنوب، وذلك قبل أن تنشأ دولة باكستان في منتصف القرن العشرين.

******

وكانت روسيا القيصرية قد بدأت بالتمدد شرقاً وجنوباً، فاصطدمت بالنفوذ البريطاني الموجود بكثافة في القارة الآسيوية، وبخاصة في الهند التي كانت درّة المستعمرات الإنكليزية وراء البحار. وكانت بريطانيا الامبراطورية العظمى التي لا تغيب الشمس عن ممتلكاتها.

******

وهكذا رأينا بريطانيا تجتاح أفغانستان في عشرينيات القرن التاسع عشر وتحتل أكثر مدنها، ولكنها تصطدم بمقاومة عنيفة تخرجها من البلاد. وكانت تلك الغزوة الامبراطورية الأولى لبريطانيا لأفغانستان، وقد خرجت منها مهزومة.

وعاود الإنكليز الكرّة في سبعينيات القرن التاسع عشر، فاحتلوا أكثر المدن الأفغانية، ولكنهم تعرضوا لهزيمة مذلة، وأبيدت لهم قوة بأكملها في منطقة قندهار، فغادروا البلاد بموجب اتفاقية مع روسيا القيصرية لترسيم الحدود.

*****

وفي القرن العشرين انتصرت الثورة البلشفية في روسيا عام 1917 ونشأت دولة الاتحاد السوفياتي التي امتدت على الجمهوريات الآسيوية المحاذية لأفغانستان. وكان لا بد لهذا الامتداد الامبراطوري أن ينظر إلى جواره توسّعاً أو نفوذاً. وهكذا رأينا الغزو السوفياتي لأفغانستان أواخر سبعينيات القرن العشرين، وهو الغزو الذي استنفرت له الولايات المتحدة قواها، وجندت عشرات ألوف الشبان العرب ودرّبتهم وسلّحتهم بتمويلٍ عربي بدعوى محاربة ” الشيوعية الكافرة ” حتى كان الخروج المذلّ للجيش السوفياتي من أفغانستان، وكان هذا الدخول والخروج أحد الأسباب المباشرة في الانهيار السريع والمدوي للاتحاد السوفياتي ،وانكشاف هشاشة اقتصاده ، وعدمية منظمات المجتمع المدني فيه ، وكل ما كان يميزه هو القوة العسكرية والنووية الهائلة ، وهي لا تكفي لصنع مجتمع متطور ودولة عظمى عل كافة المستويات. 

وقد أفرزت عملية مقاومة الغزو السوفياتي قوى محلية وإقليمية من ترتيب الولايات المتحدة، كان من أبرزها “تسميات شتى تحت عنوان التطرف ” وهي التي كان قد أسهم رجالها بشكل فعّال في هزيمة الاتحاد السوفياتي ، ثم انقلب السحر على الساحر . وكان لا بد لهذه الحالات المفرزة أن تكون لها تشعباتها المحلية والإقليمية والعالمية، وبخاصة بعد الغزو الأمريكي الآخر للعراق عام 2003 تحت ذريعة كاذبة ، وتدمير الوجود البشري والحضاري والاقتصادي لهذا البلد العربي العريق، مما أدى إلى تغيير في المعادلات الإقليمية.

*****

وكما كانت أفغانستان مقبرةً للغزاة الآتين من الامبراطورية البريطانية، ثم مقبرةً للغزاة السوفييت، فها هي اليوم تقاوم أعتى قوة عسكرية عرفها التاريخ، وهي الولايات المتحدة، وليست وحدها، بل معها اكثر من أربعين دولة حليفة. هذه القوة العسكرية التي تتحرك بعقلية “رفض الآخر” وإلغائه، وإيجاد المبررات الزائفة لهذا الرفض وهذا الإلغاء.

بعد عشرين سنة من الحرب الأمريكية في أفغانستان -وهي أطول حربٍ في العصر الحديث- تقف تلك القوات الهائلة عاجزة عن إخضاع شعبٍ فقير يعيش في جباله ومدنه البائسة، ولكنه الشعب العصيّ على الإخضاع. وكل المقدمات تشير إلى أن الامبراطورية الأمريكية قد غرقت في الوحول الأفغانية، وهي تحاول إيجاد مخرج مشرّف لهزيمتها، ولم تستفد من الدمى المصطنعة التي اتخذتها من بعض الأفغان الذين لا يملكون أدنى درجات الاستقرار والأمن في حال خروج قوات الاحتلال الأمريكي والأطلسي كما لم يستفد الاتحاد السوفياتي سابقا من الدمى التي اصطنعها لحكم افغانستان . هذا الخروج الامريكي الذي يبحث عن عدو آخر كبير يتمثل في الصين العملاق الاقتصادي والعسكري والمجتمعي ، وهي لذلك تغير اولويات اهتماتها .. في وسط آسيا وفي الشرق الاوسط . 

ها هي أفغانستان تستعد لتكون المقبرة لثالث امبراطوريةٍ حاولت غزوها، ولكنها تحطمت أمام جبال أفغانستان العنيدة، وأمام سواعد أبنائها الذين يرفضون أي غزوٍ أو احتلال.

فهل سيكون الخروج الأمريكي من أفغانستان مقدمةً لزعزعة هيمنة القطب الواحد، وعودة البشرية إلى توازن القوى العالمية؟ وهل تترك القوى الاقليمية المتنافسة لافغانستان ان يقرر شعبها مصيره بلغة مسالمة متصالحة بعيدة عن العنف وعن رفض الآخرين. هذه القوى الإقليمية الصاعدة المجاورة : ايران غربا ، وباكستان جنوبا . الى جانب القوى الدولية الاخرى التي لا تفهم سوى لعبة مصالحها ولو على حساب الشعوب الأخرى . وتتمثل هذه القوى في روسيا والصين والهند الزاحفة حديثا لتكون قوة كبرى . ويبقى السؤال : من كات يمول ويسلح ويدعم القوى والتنظيمات في افغانستان خلال عشرين عاما ؟؟؟!!!

*****

الصورة المرفقة الاولى خارطة افغانستان وحدودها ، والثانية للتقسيمات الادارية فيها .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى