رأي

في عبقرية إبتداع الحلول (حيان حيدر)

 

 

بقلم حيّان سليم حيدر – الحوارنيوز

وحلّ عهد جديد.  وكالعادة، واجه المشاكل.  وبعد الدراسة والتحليل، إعتمد الحلول، ومنها:

     في الأمر المصيري، الحرب والسلم، كان “إتفاق الإطار” … ومندرجاته.  تامبا، روما، واشنطن، الـ 1701 بكامل مندرجاته، الإطار، مسار روبيو، القسطل، الأسطل.  ويذكّرني هذا الحلّ بطرفة “العصفور والبقرة والهرّ”.

” كان، يا ما كان .. عصفور، عنيد، قرّر من دون العصافير، الإمتناع من الهجرة إلى الجنوب في فصل الشتاء..  و سرعان ما أصبح الطقس باردًا جدًّا فسقط في حقل وهو على وشك أن يلفظ أنفاسه الأخيرة من شدّة البرد.

في هذه الأثناء توقفت بقرة بجوار العصفور وأفرغت ما في جوفها على الطائر الصغير .. ظنّ العصفور أنها النهاية.. ولكن سخونة روث البقرة أذابت الجليد عنه، ومنحه الشعور بالدفء سعادة بالغة لدرجة أخذ معها يزقزق وهو في كومة روث.

صوت الزقزقة هذا لفت إنتباه قطة ضالة كانت في الجوار فذهبت لاستطلاع الأمر… أزاحت  الروث ولدهشتها وجدت العصفور ما زال يزقزق فرحًا.. فالتهمته على الفور !

من العبر والدروس:

أولًا: إن كلّ من يلقي الروث عليك ليس بالضرورة عدوًّا لك !ّ

ثانيًا: إن كلّ من يزيح عنك الروث ليس بالضرورة صديقًا لك !

ثالثًا: إن كنت غارقًا في كومة من الروث فاخرس ولا تفتح فمك !

وقد قيل: ” إذا بُليتم بالمعاصي.. فاسْتَتِروا “.  وكفانا “زقزقة”.

قد يكون شعب لبنان عصفور الرواية، والدول المانحة البقرة، والدول الصديقة القطة.  أو قد يكون غير ذلك تمامًا !

     ثمّ تحوّلوا إلى مهمّة إعادة تنظيم خدمات الدولة وإدارتها (حوكمة، ترشيق، ترشيد) وتأمين الخدمات العامة ومصالح الناس فكان الحلّ:

” روى أحدهم أنّه كانت هناك حفرة عميقة على مدخل بلدة “عامرة” وكثيرًا ما كانت  تتحطّم فيها السيارات وتودي بالمصابين إلى مستشفى البلدة القابع في طرفها الآخر، وكان ازدحام السير يحول أحيانًا دون وصول ضحايا الحوادث في الوقت المناسب لأنقاذهم.

ومع تكرار الحوادث وتراكم الشكاوى، ما كان على المجلس البلدي إلّا الدعوة إلى إجتماع طارىء خصّصَه، بـ”جلسات مفتوحة”، لمعالجة الموضوع.  وبعد التداول “المتكرّر والمُعمّق والجدّي والطويل” طُرِحت خلاله حلول مختلفة من نوع ردم الحفرة، أو تحويل السير أو إعادة تأهيل الطريق، أو زيادة عدد سيارات الإسعاف أو نقل الحفرة إلى جانب المستشفى إختصارًا للمسافة والوقت وحفاظًا على حياة الناس،… إنقسم حولها الأعضاء.  وفي النهاية قرّر المجلس البلدي أن يبني مستشفىً جديدًا بجانب الحفرة !…

 

     أمّا في موضوع معالحة الأزمة المالية والإقتصادية (قوانين الـ “كَ. كَ.” و”الفجوة” و…) فالحلّ جاء على غرار ما شاع من تعليقات في الولايات المتحدة الأميركية:

     على أثر الإنهيار الإقتصادي والمالي الذي شهده العالم بعد أزمات العام 2008 وانهيار البورصات العالمية وإفلاس الصناديق والمؤسّسات المالية وحاملي الأسهم والسندات إلخ… شبّهت الصحافة الأميركية المعالجات المتخبّطة للأزمة بالطرفة الآتية:

” تفاقم الوضع الصحي في بلدات مقاطعة واسعة من البلاد لدرجة أنّه عجزت معها سلطات البلدات عن إدارة الأمور التي تمثّلت بتفاقم أزمة تصريف المياه المبتذلة في المدن والبلدات التابعة حيث وصلت “السوائل” القذرة إلى داخل الطوابق الأرضية من المباني بعدما كانت قد اجتاحت الطوايق السفلية منها.  أمام هذه المشكلة المعيشية والصحية الداهمة إجتمعت المجالس المعنية وتشاور أعضاؤها في الحلول ومنها إضافة محطات التكرير أو زيادة أنابيب الصرف الصحي أو…  وبعد إجتماعات بفيت مفتوحة على مدى أيام متواصلة… إتّخذ المسؤولون قرارًا بوجوب رفع جميع سقوف الطوابق في المباني بغية زيادة الطاقة الإستيعابية للمباني.  وتنعموا بالـ… !”

     وجاء دور مكافحة الفساد وتطبيق مبادئ المساءلة والمحاسبة والمعاقبة فلجأ المسؤولون إلى حلّ يحاكي ما يلي:

    ” رُوِيَ عن اكتشاف مُخْترِع لمادة لا مثيل لها في إبادة الحشرات فشاع صيت “بضاعته” في الأسواق.  ومن قراءة تعليمات إستعمال المبيد، وهو عبارة عن بودرة بيضاء اللون، “قاهر” كلّ أنواع الحشرات، الطائر منها والزاحف والمُرَفْرِف (وحتى دنيء النفس)، فما عليك إلّا أن: 1- الإمساك بالحشرة، 2- فتح فم الحشرة، 3- تنقيط غرام ونصف غرام من بودرة المُبيد في فمها، 4- إغلاق فم الحشرة على المبيد لمدة سبع دقائق ونصف دقيقة فقط، والنتيجة مضمونة، لا محال !  (ملاحظة: لم يلحظ ماذا تغعل بالحشرة بعد ذلك، وهل تتركها حرّة طليقة ؟).

    لقد شهد لبنان، عبر العصور، علاجات، لا تفيد بشيء، لهذه المشكلة أو تلك المعضلة.  لكن أن تُطَبّق علينا كلّ هذه “الحلول” مجتمعة، وبالتزامن، ودفعة واحدة في بداية عهد واحد؟  هذا ما يوصف بالتفوّق على الذات !

والأمر يؤكّد القول: ” لا يمكن صنع الجديد بأشخاص استهلكوا “(1)

معطوفًا على كلام الشاعر اليوناني هسيود (المعاصر لهوميروس، عام 650 – 750 قبل الميلاد) الذي نشد في أول قصيدة تعليمية عرفها التاريخ متكلّمًا فيها عن “عصر لا بُدْ آتٍ” وفيه:

” لن نحترم لا إيمان اليمين، ولا العدالة، ولا الفضيلة؛ سنفضّل تكريم الرجل الشرّير والوقح؛ لن نستخدم فيه العدل والتواضع؛ الأشرار سيُغْضِبون الأفاضل بالخِطَب الماكرة التي سيضيفون إليها الحنث باليمين “(2)

وأختم آسفًا بوصف قديم من تاريخ الحضارات:

” ثم ظهر نظام جديد للحكم، وهذه كانت سماته، لا اكتراث بالمبادئ، ولا بالقوانين، ولا بالحقوق، ولا اهتمام بالعدالة والحقيقة. لم يكن ثمة ما يشغل القائمين على الحكم سوى البحث عن الوسائل التي تكفل لهم النجاح في كل مناسبة. فكانوا يلجأون يومًا إلى الإفساد والرشوة، ويوظّفون يومًا آخر مشاعر الاعتزاز الوطني واستمالة الرأي العام، وباختصار، كان ذلك نظام حكم غارقًا في انعدام الأخلاق، غريبًا عن كل مذهب فكري، ومنقطع الصلة بكل حياة عامة قائمة على المبادئ.

وعلى الرغم من انعدام أخلاقيات هذا النظام، وعلى الرغم من استخفافه بالمبادئ والمصالح الحقيقية للوطن، فقد حظي في البداية بالقبول. غير أن لحظةً جاءت بلغ فيها الفساد، والتذلّل، واحتقار الحقوق والكرامة العامة حدًّا لم يعد معه الناس قادرين على الاستسلام للأمر الواقع.“
                             المصدر: تاريخ الحضارة في أوروبا – فرانسوا غيزو (1787–1874))(3)

رحم الله المسرحي والممثل الهزلي الأميركي ويل روجرز (Will Rogers) الذي أعقب تعليقاته الساخرة بالقول:                                        

” أنا لا أخترع النُكاتْ، أنا فقط أراقب أعمال الحكومة وأنقل المعلومات “.

بيروت، في 27 تشرين الأول 2026م.  

                                          

          حيّان سليم حيدر

                                                                    

  باحث، ما زال … عن حكم صالح

__________________________________________________________

On ne peut pas faire du neuf avec des personnes usées”“(1)

(2) “On ne respectera ni la foi des serments, ni la justice, ni la vertu ; on honorera de préférence l’homme vicieux et insolent ; l’équité et la pudeur ne seront plus en usage ; le méchant outragera le mortel vertueux par des discours pleins d’astuce auxquels il joindra la parjure, ».  Hésiode, poème didactique : « Les Travaux et Les Jours », V – VIIème – VIIIème siècle av. J.C.

(3)   Alors arriva un nouveau système de gouvernement, voici quel en fut le caractère : aucune inquiétude des principes, ni des lois, ni des droits, aucun souci de la justice et de la vérité.  On cherchait seulement quels étaient les moyens de réussir en toute occasion.  On tentait un jour la corruption, un autre jour on flattait l’esprit national, en un mot un gouvernement profondément immoral étranger à toute doctrine, à toute vie publique.

       Malgré son immoralité, malgré son dédain des principes et des intérêts véritables du Pays, ce gouvernement fut d’abord accepté.  Mais il arriva un moment où la corruption, la servilité, le mépris des droits et de l’honneur public furent poussés à un tel point que l’on cessa de se résigner.

                                                                                     Histoire de la Civilisation en Europe

                                                                                           François Guizot  ( 1787 – 1874 )

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى