رسالة الى صديق: هكذا ينهار العالم وهكذا نعيد ترميمه (علوية هاشم فياض)

كتبت علوية هاشم فياض – الحوارنيوز خاص
يا صديقي،
دعني أقولُ شيئاً قد يبدو لبعضهم ضرباً من المبالغة، بينما أراه من أبسط حقائق الوجود:
إنّ العالم لا ينهار حين يقلّ الخبز، بل حين يقلّ الإيمان.
فالخراب الحقيقي لا يبدأ من الحجر المهدّم، بل من الفكرة المهدّمة، ومن الكلمة التي فقدت نورها، ومن الإنسان الذي لم يعد يعرف لماذا ينبغي أن يكون إنساناً.
لهذا لا أستخفّ أبداً بدور المثقّف الواعي.
لا أقصد المثقّف الذي يملأ الرّفوف بالكتب، بل الذي يرمّم المعاني حين تتصدّع، ويعيد للأشياء أسماءها بعدما يعبث بها الخراب.
أنا أؤمن -بتواضع أهل العدم الذين يعرفون أنهم مجرّد أدوات – أن كلمةً واحدة قد تمنع حرباً كاملة من أن تستقرّ في روح طفل.
وأن فكرةً واحدة قد تنقذ جيلاً من عبادة الكراهية.
وأن إنساناً واحدا يعيد تعريف الحبّ أو الوطن أو الدّين أو الحرية تعريفاً صحيحا، قد يفعل ما لا تفعله جيوش بأكملها.
ألم يبدأ الخراب كلّه بفكرة؟
وألم تبدأ النًجاة دائما بفكرة؟
ما الذي أبقى سقراط حيّاً بعد موته؟
وما الذي جعل كلمات الرّومي تعبر سبعة قرون؟
وما الذي جعل غاندي الأعزل يهزم إمبراطورية لم يكن يغيب عنها السّلاح؟
ليست الأجساد.
بل المعنى حين يسكن جسداً.
ولذلك فإن الًذين يصلحون المعاني ليسوا أقلّ شأناً من الّذين يبنون الجسور أو يزرعون الحقول.
بل لعلّهم يصلحون التّربة الّتي تجعل الجسر ممكناً، والحقل قابلاً للإنبات.
من ينقذ الكون من الخراب؟
ليس الأقوياء وحدهم.
فالخراب نفسه كثيرًا ما كان من صنع الأقوياء.
وليس الأذكياء وحدهم.
فالذكاء بلا بصيرة قد يصبح آلة هدم.
إنما ينقذه أولئك الذين يحرسون المعنى.
الذين يرفضون أن يصبح القبح طبيعياً.
والكذب رأياً.
والقسوة ضرورة.
والحقد هوية.
هؤلاء، وإن بدوا قلّة، هم الحائط الأخير الذي يسند الروح الإنسانية.
لهذا حين أقول إنني أؤمن بأن بعض الناس أوتادٌ في الأرض، فلا أعني أنهم فوق الناس.
بل أعني أنهم تحتهم.
يحملون ما لا يُرى.
مثل الجذور التي لا يصفّق لها أحد، لكنها تمسك الشجّرة في وجه العاصفة.
أنا لا أبحث عمّن يشعل النّار.
النّار سهلة.
أنا أبحث عمّن يصلح الزّيت.
عمّن يعرف كيف يعيد النّور إلى مصدره.
فالعالم اليوم لا يعاني من نقص المشاعل بقدر ما يعاني من فساد الزّيت.
ولهذا أرى أن أعظم ما يمكن أن يفعله مثقّف واعٍ، أو مربٍّ، أو كاتب، أو قارئ للإنسان، هو أن يمنع روحا واحدة من التّصالح مع الخراب.
فإذا فعل ذلك، فقد فعل أكثر مما يبدو.
لأن التاريخ، في نهاية الأمر، لم يتغيّر بالكثرة.
بل بأشخاصٍ قلائل ظلّوا واقفين في أماكنهم، بينما كان كلّ شيءٍ آخر يتداعى.
ولعلّ الله لم يجعل “زمزم” تتفجّر في قلب الصحراء إلا ليقول لنا:
إن الحقيقة لا تحتاج إلى أرضٍ خصبة كي تولد.
يكفي أن يوجد قلبٌ واحدٌ لم يفقد يقينه بالماء



