سياسةمحليات لبنانية

العلامة الخطيب في ندوة مركز الحضارة: الصراع مع الغرب واعوانه في المنطقة تاريخي.. والحرب يخوضها الاصيل بعدما فشل الوكيل 

 

الحوارنيوز – محليات

إستضاف “مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي” في مقره عصر الإثنين ،نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى العلامة الشيخ علي الخطيب في ندوة شاركت فيها نخبة من الشخصيات والفاعليات الروحية والفكرية والثقافية ،تخللها نقاش حول الشؤون الراهنة في لبنان والمنطقة.

بعد كلمة ترحيب وتقديم للدكتور قاسم قصير ، تحدث العلامة الخطيب فقال:

أولاً، أودّ أن أتوجّه بالشكر إلى مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي على استضافتي في هذا اللقاء الطيّب، الذي يأتي في مرحلة بالغة الأهمية من تاريخنا، وتاريخ شعبنا، وتاريخ المنطقة والعالم. كما أشكر الدكتور قاسم على هذا التقديم، وأشكركم جميعاً على حضوركم ومشاركتكم.

أريد أن أبدأ هذا اللقاء بالتأكيد على مسألة أراها ضرورية، وهي أن نفهم طبيعة الصراع الذي نخوضه. هل هو صراع على الأرض، وعلى امتلاك عناصر القوة والنفوذ، تماماً كما هي الحال في الصراعات الدائرة اليوم بين القوى الكبرى، كالولايات المتحدة الأميركية والصين وروسيا. ومن هذا المنطلق، ينبغي أن نفهم طبيعة المواجهة القائمة بيننا وبين الغرب.

هذه المواجهة ليست أمراً مستجداً، بل هي صراع تعود جذوره إلى بدايات الإسلام. وسأتناول في هذا السياق بعض القضايا المتصلة بالأديان الأخرى، أي اليهودية والمسيحية، اللتين نعترف بهما ديانتين إلهيتين، مع التمييز بين اليهود وغيرهم، وبين المسيحيين أنفسهم، إذ لا يجوز التعميم على الجميع.

منذ بداية الإسلام، لم يكن هذا الصراع، في جوانب أساسية منه، صراعاً فكرياً قائماً على البحث عن الحقيقة، أو نقاشاً موضوعياً حول ما جاء به الإسلام، وما إذا كان حقاً أم باطلاً. فنحن نؤمن بأن الإسلام امتداد لرسالات الله، انطلاقاً من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وننظر إلى الرسالات السماوية السابقة بوصفها حلقات في مسار الوحي الإلهي، الذي يقوم على التوحيد والنبوة والإيمان باليوم الآخر.

وقد اتّخذت المواجهة، منذ مراحلها الأولى، أشكالاً تتجاوز الحوار الديني والفكري. ففي ما يتعلّق ببعض المواقف التي واجه بها اليهود الدعوة الإسلامية، كان التركيز، بحسب هذه القراءة، على التشكيك في رسالة النبي محمد وتشويه صورته، واتهامه بالكذب والسحر، بدلاً من الدخول في حوار فكري جاد. وقد كانت لهذه المواقف تأثيراتها، في ظل المكانة التي كانت تحظى بها الديانتان اليهودية والمسيحية لدى العرب في الجزيرة العربية.

وإذا انتقلنا إلى المرحلة الحديثة، نجد أن العلاقة بين العالم الإسلامي والغرب اتّخذت مساراً مشابهاً، وإن اختلفت الظروف والأدوات. فعندما بدأ الغرب يتقدّم صناعياً ومادياً، انجذب كثير من العرب والمسلمين إلى تجربته، ورأوا فيها مخرجاً من واقع التخلف الذي عاشته مجتمعاتهم في أواخر العهد العثماني، وفي المراحل التي تلته.

لكن هذا الانجذاب لم ينشأ، في كثير من الحالات، عن حوار فكري متكافئ أو مراجعة نقدية عميقة للتجربة الغربية، بقدر ما كان نتيجة الانبهار بالتقدم المادي، والشعور بالحاجة إلى الخروج من واقع متراجع. وهكذا أصبح الغرب، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من النخب، نموذجاً يُحتذى في مختلف المجالات، من دون أن يقترن ذلك دائماً بنقاش جاد حول خلفيات هذه التجربة وأبعادها الفكرية والثقافية.

وقد برز هذا التوجّه خصوصاً لدى فئات من المثقفين والنخب المؤثرة في المجتمع، ممن درسوا في المؤسسات التعليمية الغربية أو تأثروا بمناهجها وتوجهاتها، وانخرط بعضهم في مشاريع ثقافية وتبشيرية. وفي المقابل، حافظت مراكز علمية ودينية عريقة على حضورها في مواجهة ما اعتبرته محاولات لفرض الهيمنة الفكرية الغربية، وفي مقدّمها النجف الأشرف والأزهر الشريف وجامع الزيتونة.

أما في قطاعات أخرى، فقد غلب الانبهار بالتجربة الغربية على النقاش النقدي، وأصبح كثيرون يسيرون مع التيار السائد، من دون التوقف بما يكفي عند الأسئلة المتعلقة بالهوية والدين والاستقلال الثقافي.

من التقدّم المادي إلى الهيمنة الثقافية

إنّ جوهر المسألة، في تقديري، هو أن التقدّم المادي تحوّل تدريجياً إلى أداة للهيمنة الثقافية. فقد ارتبط انتشار أنماط فكرية وفلسفية، كالإلحاد والليبرالية والرأسمالية، في بعض السياقات، بمحاولات لإعادة تشكيل وعي المجتمعات العربية والإسلامية، وإبعاد الدين عن دوره في الحياة العامة.

ولم تكن المدارس والجامعات، ولا سيما الجامعات وأساتذتها، بعيدة عن هذا المسار؛ إذ أصبحت المؤسسات التعليمية والثقافية منابر مؤثرة في نقل الأفكار والنماذج الغربية.

وفي إطار هذه المقاربة، جرى تحميل الإسلام والدين مسؤولية التخلف الذي أصاب العالم العربي، وتصوير الخروج من هذا الواقع على أنه يقتضي الابتعاد عن الدين والتخلّي عن مرتكزاته، والأخذ بالنموذج الغربي من دون تمييز بين ما يمكن الإفادة منه في مجالات العلم والتقدّم، وما يتصل بالخصوصيات الثقافية والحضارية للمجتمعات.

وقد أسهم هذا المسار، على مدى عقود، في إنتاج الواقع الذي نعيشه اليوم، حيث تعاظم النفوذ الغربي في المنطقة، وأخفقت نخب اعتقدت أن السير في هذا الاتجاه سيحوّل العالم العربي والإسلامي إلى نموذج مماثل لأوروبا في تقدّمه العلمي والثقافي والقانوني والاجتماعي.

لكن النتائج جاءت، في جوانب كثيرة، مخالفة للتوقعات التي رافقت هذا التوجّه.

المواجهة الراهنة: قراءة في موازين القوة

إنّ المعركة التي نشهدها اليوم، بحسب قراءتي، هي معركة تيار يواجه تراجعاً في نفوذه، وليس دليلاً على أن العالم العربي والإسلامي قد بلغ مرحلة الهزيمة النهائية. وما نشهده هو، في جانب منه، تراجع للمشروع الذي راهن على التغريب، وعلى إخضاع المنطقة سياسياً وثقافياً للغرب وإسرائيل.

لقد كانت القوى الغربية تعتمد، طوال مراحل طويلة، على أطراف محلية تتولى حماية مصالحها، وتعمل على نشر ثقافتها وتثبيت نفوذها في المنطقة. غير أنّ تطورات العقود الماضية، من قيام الثورة الإسلامية في إيران إلى تنامي المقاومة الفلسطينية ومقاومات شعوب المنطقة، أسهمت في تغيير معادلات المواجهة، وأظهرت أن قطاعات واسعة من شعوب المنطقة لم تعد تقبل بالبقاء في موقع الضعف والتبعية.

ومن هذا المنطلق، أرى أن لجوء الولايات المتحدة الأميركية والغرب إلى التدخل المباشر في المواجهة مع الفلسطينيين واللبنانيين واليمنيين وإيران يعكس، في قراءتنا، تراجع قدرة الأطراف التي اعتمدوا عليها سابقاً على إدارة الصراع نيابة عنهم. وبذلك انتقلت المواجهة، في جوانب أساسية منها، من مرحلة الاعتماد على الوكلاء إلى التدخل المباشر من جانب القوى الأصلية.

لذلك، لا أرى أننا أمام هزيمة نهائية للعالم العربي والإسلامي، بل أمام مرحلة تحوّل في مسار الصراع. وقد تطول هذه المرحلة أو تقصر، لكنني أؤمن بأن الشعوب، حين تتمسك بحقوقها وقضاياها، قادرة على تغيير موازين القوة، وأن الحق لا يفقد إمكان الانتصار بسبب ما يتعرّض له أصحابه من آلام وخسائر.

وقبل المواجهة مع إيران والعدوان على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، كانت هناك قوى سياسية، بينها قوى في السلطة اللبنانية، تنطلق من الاعتقاد بأن إيران لن تستطيع مواجهة الولايات المتحدة الأميركية، وأن المقاومة لن تتمكن من الصمود، وأنه يمكن القضاء عليها خلال أيام قليلة.

لكن الذين اختاروا المواجهة كانوا، وفق ما أعلنوه، يستندون إلى قناعة بحقهم في الدفاع عن أنفسهم وقضاياهم، وإلى اعتقاد بأن الغرب بلغ ذروة قوته ونفوذه، وأن بلوغ القمة يفتح، تاريخياً، الباب أمام التراجع.

لقد اعتقد البعض أن اتفاقات كامب ديفيد ووادي عربة تمثّل نهاية الصراع، وأن العرب والمسلمين قد استسلموا نهائياً لمسار التسوية. غير أن التطورات اللاحقة أظهرت أن هذا المسار لم ينهِ الصراع، وأن المقاومة بقيت حاضرة، وأن القضية الفلسطينية لم تُطوَ كما أراد لها البعض.

من الثورة الإسلامية إلى انتصار عام 2000

لقد تزامن هذا المسار مع نجاح الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني، وهو ما مثّل، في هذه القراءة، نقطة تحوّل أساسية في المنطقة. وفي المقابل، بدأ مشروع التسوية الذي روّج له باعتباره طريق الخلاص يواجه تحديات متزايدة، فيما واصلت المقاومة الفلسطينية واللبنانية حضورها، وحققت محطات بارزة في مسار المواجهة.

وكان الانتصار الذي تحقق في لبنان عام 2000، مع انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان من دون قيد أو شرط، محطة مفصلية وزلزالاً سياسياً ومعنوياً في المنطقة. فقد شكّل، وفق هذا التقييم، إنذاراً بأن موازين القوة قابلة للتغيّر، وأن إسرائيل ليست قوة لا يمكن مواجهتها أو إجبارها على الانسحاب.

وقد دفع ذلك، بحسب هذه القراءة، القوى الغربية وحلفاءها إلى البحث عن وسائل لوقف هذا المسار، سواء عبر الضغوط السياسية أو إثارة الانقسامات الداخلية والطائفية، أو من خلال الحروب العسكرية.

وشهد لبنان حروب عامي 1993 و1996، ثم حرب عام 2006، التي ألحقت بإسرائيل خسائر كبيرة، وخلّفت آثاراً سياسية واستراتيجية واسعة. وقد رأينا في هذه المحطات دليلاً على أن المواجهة لم تكن محصورة في الجانب العسكري، بل كانت مرتبطة أيضاً بالصراع على الإرادة والوعي والقدرة على الصمود.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل الآثار المدمّرة التي خلّفتها الانقسامات الطائفية والحروب الداخلية في سوريا والعراق وليبيا والسودان وغيرها من بلدان المنطقة. فهذه الأزمات أضعفت المجتمعات، واستنزفت قدراتها، وأبعدت الاهتمام عن القضايا المشتركة.

لقد استُخدمت الطائفية والكيانات الوطنية والانتماءات الضيقة، في أحيان كثيرة، أدواتٍ لتفتيت المجتمعات وإضعاف قدرتها على مواجهة التحديات الخارجية. وكان من أبرز مظاهر هذا المسار تصوير المقاومة في لبنان على أنها مشروع طائفي، بسبب حضور العنصر الشيعي فيها، في مقابل محاولة الفصل بينها وبين المقاومة الفلسطينية ذات الغالبية السنية.

إنّ هذا المنطق يتناقض مع ما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين المكوّنات الإسلامية والعربية؛ فالمطلوب هو أن تتنافس المدارس والتيارات على نصرة قضايا العرب والمسلمين، لا أن تتحوّل الاختلافات بينها إلى وسيلة لإضعاف الجميع، أو إلى ذريعة لاقتتال أبناء الأمة الواحدة.

وعلى الرغم من كل ما شهدته المنطقة من حروب وانقسامات، أرى أن مشاريع الفتنة الطائفية لم تحقق جميع أهدافها، وأن قوى المقاومة لم تتخلَّ عن قضاياها، وأن الشعوب ما زالت قادرة على تجاوز كثير من آثار هذه الانقسامات. وهذا لا يعني التقليل من حجم الأذى الذي أصاب سوريا والعراق ولبنان وسائر المنطقة، بل يعني التمييز بين الخسائر التي تكبّدتها الشعوب وبين النتائج السياسية والاستراتيجية الأوسع للصراع.

طوفان الأقصى وانكشاف حقيقة المواقف الغربية

خلال السنوات الثلاث التي أعقبت طوفان الأقصى، اتّخذت المواجهة أشكالاً بالغة القسوة، وبلغ القتل والتدمير مستويات هائلة، ولا سيما في غزة، حيث سقط عدد كبير من النساء والأطفال، وتعرّض المدنيون لدمار واسع وتهجير ومعاناة إنسانية عميقة.

وقد كشفت هذه الحرب، في رأيي، عن مدى استعداد القوى الكبرى لتجاوز المبادئ التي تعلن التمسك بها، وفي مقدّمها احترام القانون الدولي وحماية المدنيين. فقد كان يُفترض بالولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية أن تكون من أبرز الجهات المدافعة عن هذه المبادئ، لكن مواقفها من الحرب أثارت تساؤلات واسعة حول مدى التزامها بها حين تتعارض مع مصالحها السياسية والاستراتيجية.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا تخلّت هذه القوى عن الصورة التي سعت طويلاً إلى تقديمها للعالم؟

أعتقد أن أحد التفسيرات يكمن في شعورها بأن الأدوات التقليدية التي اعتمدت عليها لم تعد كافية لضمان نفوذها، وأنها باتت تلجأ بصورة مباشرة إلى القوة العسكرية، بما في ذلك ما يتعرّض له المدنيون من قتل ودمار، في محاولة لفرض إرادتها.

لقد كانت القوى الغربية تحرص، طوال مراحل سابقة، على الحفاظ على صورتها أمام الرأي العام العالمي، وتقدّم نفسها بوصفها مدافعة عن الحرية والديمقراطية والقانون الدولي. أما اليوم، فقد أدّت مشاهد الحرب في غزة، وما رافقها من مواقف سياسية وعسكرية، إلى تعميق الشكوك في صدقية هذه الصورة.

وأرى أن ما جرى منذ عام 2000، وما أعقبه من تطورات، يفسّر جانباً من هذه المواجهة. فقد أحدث الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان أثراً واسعاً في العالمين العربي والإسلامي، وأثبت أن موازين القوة ليست ثابتة. وحاولت إسرائيل وحلفاؤها لاحقاً الحد من تأثير هذا التحوّل، لكنهم لم يتمكنوا من محو دلالاته بالكامل.

ومن هنا، أعتبر أن المواجهة الراهنة لا تقتصر على نتائجها العسكرية المباشرة، بل تشمل أيضاً نتائجها الفكرية والإعلامية والحضارية.

أنا أقول إن الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل تكبّدتا خسارة استراتيجية وحضارية وإعلامية، حتى لو حققتا، في بعض المراحل، مكاسب عسكرية تكتيكية. وهذه قراءة سياسية للصراع، تقوم على التمييز بين السيطرة الميدانية الآنية وبين القدرة على تحقيق الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى.

وقد لا يدرك عموم الناس هذه الفوارق بسهولة، خصوصاً أولئك الذين دفعوا أثماناً باهظة من أبنائهم ومنازلهم وقراهم وممتلكاتهم. أما النخب التي تتابع التحولات السياسية والفكرية، فيمكنها أن تقرأ هذه النتائج في سياق أوسع، يتصل بمستقبل المنطقة، وبقدرة الشعوب على استعادة قرارها المستقل.

ومن هذا المنطلق، أرى أن ما يجري اليوم يمكن أن يكون مرحلة من مراحل تحوّل أكبر، لا نهاية المطاف. غير أن هذا التقييم لا يلغي حجم المأساة الإنسانية، ولا يقلّل من مسؤولية العمل على حماية المدنيين وإعادة إعمار ما دمّرته الحرب.

لبنان ووحدة المصير الوطني

إنّ ما يحصل في لبنان مؤسف، ولا سيما حين تتحوّل الخلافات الداخلية إلى عامل إضافي لإضعاف المجتمع، بدلاً من أن تكون مناسبة لإعادة التفكير في المصالح الوطنية المشتركة.

كان ينبغي أن تكون التطورات التي شهدتها المنطقة، وما رافقها من تضحيات وخسائر، دافعاً إلى توحيد اللبنانيين بمختلف أطيافهم، لا إلى زيادة الانقسام بينهم. فالخسارة ليست خسارة طائفة بعينها، كما أن الانتصار، إذا تحقق، لا يمكن اختزاله بانتصار طائفة على أخرى؛ بل ينبغي النظر إليه، في أبعاده الحضارية والإنسانية، بوصفه قضية تتصل بمستقبل العرب والمسلمين، بكل مكوّناتهم وطوائفهم.

ويحتل لبنان موقعاً مهماً في هذا السياق، نظراً إلى تأثيره في العالم العربي والإسلامي، وإلى دوره في تشكيل الروايات السياسية والإعلامية المتعلقة بالصراع. فمن لبنان يمكن أن تنطلق روايات الهزيمة أو الصمود والانتصار، ولهذا تكتسب مواقفه الداخلية والخارجية أهمية تتجاوز حدوده الجغرافية.

ومن هنا، نأسف لمواقف بعض القوى السياسية التي تدفع البلاد في اتجاه لا يخدم المصلحة الوطنية الجامعة، أو تحاول تقديم الصراع وكأنه مواجهة بين المسلمين والمسيحيين، أو بين طائفة وأخرى.

إنّ مسؤولية هذه المرحلة مشتركة، ولا يجوز تحميل مكوّن لبناني بعينه تبعات ما يجري، أو إعفاء مكوّن آخر من مسؤولياته. فالمسيحيون والمسلمون معنيون، جميعاً، بما يحصل في فلسطين ولبنان وسوريا والعراق وسائر المنطقة، لأن النتائج ستنعكس على الجميع، بصرف النظر عن الانتماءات الدينية والطائفية.

وهنا أريد أن أؤكد أن الإسلام، في فهمنا، ليس مشروعاً ضيقاً أو عنصرياً، ولا ينحصر في الدفاع عن المسلمين بمعزل عن سائر البشر. إنه دين يحمل أفقاً إنسانياً واسعاً، ويؤكد إمكان التقارب والتعاون بين أصحاب الإيمان والقيم المشتركة.

يقول الله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾. وهذه الآية تفتح أمامنا أفقاً واسعاً لفهم العلاقة مع المسيحيين، وتؤكد أن العلاقة بين أتباع الديانات لا ينبغي أن تُبنى على العداء المسبق أو الأحكام العامة.

إنّ المسيحيين جزء أصيل من مجتمعنا وتاريخنا، ولا يجوز النظر إليهم بوصفهم طرفاً غريباً عن قضايا المنطقة أو مستقبلها. كما أن الانتماءات الطائفية، سواء كانت شيعية أو سنية أو درزية أو مارونية أو أرثوذكسية أو كاثوليكية، لا ينبغي أن تتحوّل إلى حواجز تفصل بين أبناء الوطن الواحد.

لقد أسهمت التفسيرات الضيقة للدين، والممارسات السياسية القائمة على التجزئة الطائفية، في تشويه المعنى الإنساني والجامع للرسالات السماوية. والمسيحية، كما نفهم رسالتها الأصلية، ليست دعوة إلى الظلم أو الاستسلام، بل تحمل قيماً أخلاقية وإنسانية سامية. وكذلك الإسلام، الذي يدعو إلى العدل والكرامة ورفض الظلم.

وعندما أتحدث عن الإسلام في هذا السياق، فإنني لا أقصد الدفاع عن المسلمين بمعنى ضيق أو عصبي، بل أتحدث عن رؤية حضارية وإنسانية أوسع، يكون فيها الدفاع عن المظلومين والوقوف إلى جانب أصحاب الحقوق مسؤولية مشتركة.

وقد أكّد رسول الله محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، رفض العصبية، وجاء في الحديث: «لا عصبية في الإسلام». وحين سُئل عن معنى العصبية، نُقل عنه أن من صورها أن يرى المرء شرار قومه خيراً من خيار قوم آخرين.

والمغزى من هذا المعنى أن الخير والشر لا يرتبطان بانتماء ديني أو قومي على نحو مطلق؛ فقد يصدر الخطأ عن مسلم كما قد يصدر عن غيره، كما أن الخير يمكن أن يوجد في مختلف الجماعات والشعوب. وهذا هو الفهم الذي ينبغي أن يحكم علاقتنا بالآخرين، بعيداً عن التعصّب والتعميم.

إنّ ما أريد التأكيد عليه هو أن المعركة الراهنة، في قراءتي، ليست معركة المسلمين وحدهم، بل هي معركة تتصل بمستقبل مجتمعاتنا كلها، وبقدرتها على الحفاظ على كرامتها واستقلالها وتنوّعها. ومن الخطأ أن تتحوّل هذه المواجهة إلى سبب إضافي للانقسام الداخلي، فيما المطلوب أن تكون حافزاً إلى التضامن والتكامل.

الإمام موسى الصدر ووحدة اللبنانيين

وفي هذه المناسبة، لا بدّ من التوجّه بالشكر والتقدير إلى كل من أسهم في هذه المسيرة فكرياً وثقافياً وإعلامياً، وإلى قادة المقاومة الذين قدّموا نماذج في الصمود والتضحية، وأسهموا في ترسيخ قناعة لدى قطاعات واسعة من الناس بإمكان مواجهة الاحتلال والدفاع عن الحقوق.

وفي طليعة هذه الشخصيات الإمام السيد موسى الصدر، الذي أكّد أن «تعدّد الطوائف غنى وثروة للبنان يجب الحفاظ عليها». لقد كانت رؤيته قائمة على أن التنوع اللبناني ليس عبئاً ينبغي التخلّص منه، بل ثروة وطنية ينبغي صونها، وأن الوحدة لا تعني إلغاء الاختلاف، بل تحويله إلى مصدر قوة وتكامل.

وعندما لم تُؤخذ هذه الرؤية بما تستحقه من اهتمام، ودخل لبنان في دوامة الحروب والانقسامات الطائفية، برزت الحاجة إلى مقاومة الاحتلال الإسرائيلي والدفاع عن الوطن. وكان الإمام الصدر واضحاً في تحديد العدو الذي يهدّد لبنان والإنسانية، إذ قال إن العدو الإسرائيلي هو مصدر الخطر الذي ينبغي مواجهته.

ومن هنا، فإن استعادة فكر الإمام الصدر ليست مجرد استذكار لشخصية وطنية ودينية، بل هي استعادة لمشروع يقوم على الوحدة الوطنية، ورفض الطائفية، والدفاع عن لبنان، وصون كرامة الإنسان.

الشهادة والتضحيات ومسؤولية الداخل اللبناني

إنّ الأصوات التي ارتفعت في لبنان بعد استشهاد قادة المقاومة ورجالها، وبعد ما تعرّض له جنوب لبنان من غدر ودمار، أسهمت في تعميق الخلافات الداخلية، بدلاً من أن تفتح المجال أمام مراجعة وطنية شاملة.

وأرى أن ما حصل لا ينبغي اختزاله بمفهوم الهزيمة، بل يجب النظر إليه في سياق الصراع الأوسع، مع الإقرار بحجم الخسائر والتضحيات التي تكبّدها اللبنانيون. كما أن المسؤولية عن النتائج لا يمكن فصلها عن المواقف الداخلية، وعن دور السلطات والقوى السياسية في إدارة المواجهة وتداعياتها.

إنّ المطلوب اليوم هو التمييز بين الخسائر الميدانية والإنسانية، من جهة، وبين الأحكام السياسية والاستراتيجية المتعلقة بمآلات الصراع، من جهة أخرى. كما أن المرحلة تستدعي مراجعة جدية لكل ما من شأنه حماية لبنان، وصون وحدته، ومنع تحويل آلام اللبنانيين إلى وقود لمزيد من الانقسام.

فلسطين قضية الأمة ومصدر المقاومة

وفي هذه المناسبة، نحيّي جميع الشهداء، وفي مقدّمهم شهداء فلسطين، لأنها تبقى القضية المركزية في وجداننا، ولأن الصراع في جنوب لبنان يرتبط، في جذوره، باحتلال فلسطين واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية.

لقد نشأت المقاومة الفلسطينية من واقع الاحتلال والتهجير والحرمان من الحقوق، واستمرت على الرغم من كل ما تعرّض له الشعب الفلسطيني من قتل ودمار ونزوح. ولولا استمرار هذا الشعب في التمسك بقضيته، لما بقيت القضية الفلسطينية بهذا الحضور، ولما نشأت أشكال المقاومة الأخرى التي استلهمت من نضاله وإصراره على عدم الاستسلام.

وأقول إنّ المقاومة الفلسطينية كانت، وما زالت، مصدر إلهام للمقاومات الأخرى في المنطقة، بما فيها المقاومة في لبنان. فلو تراجعت القضية الفلسطينية أو غابت عن الوعي العربي والإسلامي، لما بقيت المبررات السياسية والأخلاقية التي أسهمت في نشوء كثير من أشكال المقاومة المرتبطة بمواجهة الاحتلال.

لذلك، نحيّي الشعب الفلسطيني، ونحيّي الأمهات الفلسطينيات الصابرات، ولا سيما أمهات الشهداء في غزة والضفة الغربية، اللواتي يتحمّلن آلام الفقد والتهجير والدمار، ويتمسكن بحقوق شعبهن رغم قسوة الظروف.

كما نحيّي ذكرى الشهيد السيد حسن نصرالله، والشهيد السيد هاشم صفي الدين، وجميع قادة المقاومة ومقاتليها وشهدائها، وكل الذين قدّموا حياتهم دفاعاً عن قضاياهم ومجتمعاتهم.

إنّ الوفاء للشهداء لا يكون بالخطابات وحدها، بل بالعمل على حماية الناس، وصون وحدتهم، والدفاع عن حقوقهم، ومنع استغلال تضحياتهم في الصراعات الداخلية أو الحسابات الضيقة.

خاتمة: الثبات والإيمان بالمستقبل

في الختام، أقول إننا نعيش مرحلة امتحان صعبة، تتطلب منا الثبات والوعي وعدم الاستسلام لليأس، كما تتطلب منا التمسك بوحدة المجتمع، ورفض الفتنة الطائفية، والعمل على حماية لبنان والمنطقة من مزيد من الدمار والانقسام.

إنّ الإيمان بالحق لا يعني تجاهل حجم الخسائر أو التقليل من معاناة الناس، بل يعني ألّا تتحوّل هذه الخسائر إلى سبب لفقدان الأمل، وألّا تدفعنا التحديات إلى التخلي عن حقوقنا أو عن مسؤولياتنا تجاه أجيالنا المقبلة.

ونحن نؤمن بأن الشعوب التي تتمسك بحقوقها وقيمها قادرة على مواصلة الطريق، مهما طال، وأن مآلات الصراع لا تُحسم دائماً بما يتحقق في الميدان في لحظة معينة، بل تتأثر أيضاً بقدرة المجتمعات على الصمود، والحفاظ على وحدتها، وصوغ مستقبلها بإرادتها.

لقد قال الله تعالى: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾.

وهذه الآية تعبّر عن الأمل الذي ينبغي أن يبقى حاضراً في نفوسنا، وعن ضرورة مواصلة العمل من أجل العدل والكرامة والحرية، والتمسك بحقوق الشعوب في أرضها ومستقبلها.

نسأل الله أن يحفظ لبنان وشعبه، وأن يرحم الشهداء، ويشفي الجرحى، ويعيد المهجّرين إلى بيوتهم، وأن يمنح شعوبنا القدرة على تجاوز المحن، وتحقيق السلام العادل القائم على الحق والكرامة، وأن يوفّقنا جميعاً لما فيه خير الإنسان والأوطان.

 

بعد ذلك جرى نقاش بين العلامة الخطيب والحضور فسئل عن الموقف من قوة دولية بديلة لليونفيل فقال: علينا أولا أن نعرف طبيعة مهمة هذه القوة .ولكن مبدئيا نحن نرفض أي قوة دولية من دون غطاء الأمم المتحدة ،لكننا في الخلاصة لا ندعو إلى المواجهة مع هذه القوة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى