أزمة الانكماش وفجوة المصارف في ميزان الحلول (عماد عكوش)

بقلم د.عماد عكوش – الحوارنيوز
يمر الاقتصاد اللبناني بمفترق طرق حاسم يعيد صياغة مشهده المالي والنقدي ، إذ تتشابك تداعيات الانهيار الهيكلي الممتد منذ عام 2019 مع صدمات النزاعات والصراعات الإقليمية. ويبرز في طليعة الأحداث الاقتصادية الراهنة “تقرير ومؤشرات انكماش الناتج المحلي ومعركة إقرار قانون الانتظام المالي ومعالجة فجوة المصارف كأهم حدث محوري يختبر قدرة الدولة على الصمود وتأسيس مسار حقيقي للتعافي.
يتمثل الحدث الأبرز في التقارير الصادرة عن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ، والتقديرات الرسمية (بما فيها تصريحات وزارة المالية والاقتصاد)، والتي تشير إلى انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة تتراوح بين 6.4% و9% . جاء هذا الانكماش ليشكل انتكاسة دراماتيكية قضت على آمال تثبيت التعافي النسبي الذي شهده العام السابق (2025) والذي حقق نمواً قارب 4.2% . ويتزامن هذا التراجع الميداني والإنتاجي مع حراك تشريعي وتنفيذي مكثف للتوصل إلى تسوية نهائية بشأن تشريع قانون الفجوة المصرفية والانتظام المالي ، وسط مفاوضات مضنية مع المؤسسات الدولية لإعادة هيكلة القطاع المصرفي المأزوم.
تفرز هذه الصدمة الانكماشية حزمة من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية البالغة القسوة ، من أبرزها :
- تضخم الأسعار وصدمة الطاقة: أدى تدمير البنية التحتية وضغوط سلاسل الإمداد إلى صدمة طاقة حادة رفعت تكاليف المعيشة والإنتاج ، وأبقت معدلات التضخم في مستويات مرتفعة تلتهم القدرة الشرائية للأسر.
- تفاقم أعباء النزوح وإجهاد الخزينة العامة: أدى النزوح الواسع النطاق والضغط على الخدمات الأساسية (الصحة، الإيواء، والتعليم) إلى استنزاف مخصصات الخزينة وموارد الدولة المحدودة ، التي تصرف مبالغ طائلة سنوياً على الخدمات الاجتماعية.
- شلل الثقة واستمرار تجميد الودائع: البطء في إقرار قوانين الانتظام المالي يبقي أموال المودعين رهينة الجمود ، ويعيق عودة تدفقات رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية.
- تآكل فرص العمل: تراجع الأنشطة الإنتاجية والخدمية يرفع معدلات البطالة ويضغط باتجاه استمرار نزيف الكفاءات والأيدي العاملة الماهرة نحو الخارج.
للخروج من نفق الانكماش المفرغ ووضع الاقتصاد على سكة التعافي المستدام ، ترتكز الحلول العملية على محاور رئيسية تتطلب إرادة سياسية وتشريعية واضحة:
1. إقرار قانون الانتظام المالي والفجوة المصرفية:
- صياغة تشريع عادل وشفاف يوزع الخسائر بموضوعية وفق تراتبية واضحة للمطالبات (بحيث لا يتحمل المودعون الخسائر قبل المساهمين والدائنين)، مع إعطاء الأولوية لحماية صغار المودعين.
- استعادة الثقة الدولية والمحلية وتعبيد الطريق أمام اتفاق نهائي مع صندوق النقد الدولي.
2. إعادة هيكلة القطاع المصرفي والدين العام:
- تقييم ملاءة المصارف وتصحيح ميزانيات مصرف لبنان ، والشروع في مفاوضات منظمة لإعادة هيكلة الدين العام المحلي والخارجي لبناء قاعدة مالية صلبة.
3. تفعيل قطاعات الإنتاج الحيوي والطاقة البديلة:
- تقديم الحوافز لدعم القطاعات الإنتاجية (كالزراعة والصناعات الغذائية والتكنولوجيا)، وتسريع إصلاح قطاع الكهرباء وتطوير البنية التحتية لخفض كلفة الطاقة على الشركات والمواطنين.
4. توجيه الدعم الدولي وتحسين كفاءة الإنفاق:
- الاستفادة القصوى من برامج التمويل الدولي المخصصة لإعادة الإعمار والتحول الرقمي وشبكات الحماية الاجتماعية ، وترشيد الإنفاق الحكومي ، ومحاربة التهرب الضريبي لتحسين الإيرادات العامة.
إن الحدث الاقتصادي الراهن في لبنان يمثل جرس إنذار مصيري ، فإما المضي قدماً في إصلاحات هيكلية عميقة تعيد بناء النظام المالي على أسس سليمة ، أو الغرق أكثر في دوامة الانكماش وتآكل مقومات الدولة. إن عبور الأزمة مرهون بشفافية الإدارة وتكامل الجهود التشريعية والتنفيذية مع المجتمع الدولي لصياغة مستقبل اقتصادي قابل للحياة.



