آخر أوراق نتنياهو الانتخابية.. هل تسقطها رياح الخريف ؟ (أحمد حوماني)

كتب د.أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز
ينقل عن السياسي الإغريقي القديم ثيميستوكليس أنه كان يمازح ابنه الصغير، فقال له: “يا بني، أنت أقوى شخص في بلاد الإغريق كلها!” فأجابه الابن متعجباً: “وكيف ذلك يا أبي؟” فقال الأب: “أنا أحكم أثينا والإغريق قاطبة، وأمك تحكمني، وأنت تحكم أمك”، والسؤال المطروح اليوم هو من يحكم العالم حقيقة؟
وبما أن أمريكا هي القوة العظمى الوحيدة في العالم اليوم، فتصبح الإجابة هي أن ترامب يحكم العالم، بينما يعتقد البعض أن نتنياهو هو الذي يحكم العالم، وهو الذي أدخل ترامب في الحرب على إيران، فجرّ الفوضى إلى هذه المنطقة، وأربك اقتصادات العالم أجمع. ونتنياهو تباهى مراراً بأنه هو من أقنع ترامب بهذه الحرب، بل أشاع في وقت ما أنه يوجّه السياسة الأمريكية كيفما يشاء، حتى اختلط الأمر على كثير من المحللين والسياسيين، فمنهم من اعتبر أن نتنياهو هو من يوحي بالمسار الذي تنتهجه السياسة الأمريكية، خصوصاً مع التأييد الذي كان يحظى به في الكونغرس الأمريكي، ومن وزير الخارجية ووزير الحرب الأمريكيين. فيما آخرون اعتبروا أن ترامب هو من يدير السياسة الأمريكية، وإن تقاطعت المصالح الأمريكية والصهيونية في العديد من النقاط منها الحرب على إيران. فهل من يحكم العالم هو الابن المدلل للسياسة الأمريكية، أم الأب العطوف على الكيان الصهيوني ترامب، أم أن هناك جهة ثالثة تتحكم بمصير الاثنين معاً؟
هذا الأمر يفتح النقاش على سؤال أبعد من ذلك، وهو من هي الجهة التي تخطط وتأمر وتسيّر هذا العالم كما تشاء؟ وهنا تبرز إجابات مختلفة أيضاً، بين من يقول إن اللوبي الصهيوني العالمي هو من يفعل ذلك، وبين من يقول إن الدولة العميقة في أمريكا هي من يقوم بذلك، وبين من يذهب إلى وجود مجموعة من الأشخاص يملكون ثروات هذا العالم فيتحكمون بقراراته، بغض النظر عن كون هؤلاء يؤمنون بالصهيونية العالمية، أم هم جزء من الدولة الأمريكية العميقة.
البعض الآخر الذي يؤمن بالواقعية فيرى أن كل ذلك الحديث عن لوبيات وحكومات عميقة ومجموعات تحت عناوين مختلفة لا صحة له إطلاقاً، وأن الدول تسير وفق مصالح سياسية واقتصادية واجتماعية تفرضها الوقائع وتُتخذ القرارات وفقها.
نعود إلى الحروب في منطقتنا، وهذا التوحش الصهيوني الأمريكي في القتل والدمار، المخالف لكل الأعراف والقوانين والمعاهدات الدولية، والذي لا نهاية له حتى الساعة. يبدو أن هناك من اتخذ القرار بضرب إيران ومحور المقاومة مهما كلف الأمر، وإنهائه بشكل تام، وهذا القرار لا يمكن أن يتخذه نتنياهو منفرداً، وإن كان يتمناه. ولا يمكن أن يتخذه ترامب منفرداً، لأن إدخال المنطقة في حرب كبيرة يحتاج إلى تضافر جهود ودعم كبيرين من كل المنظومة الحاكمة في المنطقة وخارجها، وهم قد جربوا إيران سابقاً سواء في حرب حزيران الماضي، أم قبلها، عندما ردت إيران بقصف قواعد أمريكية في المنطقة.
لقد تم استخدام نتنياهو في سبيل تحقيق هذا الهدف الكبير، مع حاجته الشخصية إلى تحقيق انتصار يبقيه رئيساً للوزراء، ويبعد ملفات الفساد والمحاكمة عنه، وهذه نقطة ضعفه التي يبتزونه بها، لكن مع الفشل في تحقيق الأهداف المقررة، من إسقاط النظام في إيران، وإنهاء حماس وحزب الله، يظهر أن ورقة نتنياهو قد بدأت بالأفول.
الكيان الصهيوني هو رأس مشروع غربي في المنطقة، ولا يمكن النظر إلى الانتخابات الصهيونية بمعزل عن مصالح هذا المشروع، فرئيس الوزراء يُعبّر وينطق باسم أصحاب هذا المشروع، وقد أدى نتنياهو الدور كما يجب، لكن الفشل في تحقيق الأهداف وضعه في مرمى النيران الصديقة قبل العدوة.من هنا نقرأ مشاركة نتنياهو في الأمم المتحدة هذا العام، مشاركة بدت باهتة جداً، أينها من مشاركاته السابقة حيث كان العنوان الأول في الجمعية العامة، وكان طاووسها الذي يطلب الكل رضاه وصحبته. عشرات اللقاءات والمواعيد في مبنى الأمم المتحدة وخارجها. جلسات عمل مع الوزراء الأمريكيين ومع الرئيس ترامب.
هذا العام سافر متخفياً، وغير مسار رحلته عدة مرات، ووصل إلى مطار عسكري، ألقى كلمته وعاد مسرعاً إلى الكيان. قاطع كلمته أكثر من 77 بلداً، ولا لقاءات مع وزراء، ولا مع الرئيس ترامب، ولا حتى رؤساء وفود. قد يكون العدد الأكبر من دول أوروبا لم يقاطع كلمة نتنياهو، لكن تصريحات الكثير من سياسييها ووزرائها، باتوا يرفضون المسار الذي سلكه نتنياهو بالكيان منذ ثلاث سنوات، وقد لا يكون ذلك حباً بغزة ولبنان وسوريا وإيران، لكن الضغط الشعبي في بلدانهم خصوصاً في الجامعات، قد أصبح واضحاً وعلنياً، وانقلاب الرأي العام بمجمله بات قاب قوسين أو أدنى، لذا فإن كلمات رؤساء الدول أو رؤساء الوزراء في دول مهمة في العالم مثل إسبانيا وفرنسا وبريطانيا انتقدته مباشرة، وحملته مسؤولية كل ما يجري من حروب وقتل ودمار.
في الداخل الصهيوني إجماع المعارضة على أن يكون الهدف الأوحد هو إسقاط نتنياهو، وعدم السماح له بالحكم مجدداً، حديثه عن أنه لو خسر الانتخابات ولم يشكل حكومة فسيقود المعارضة، هو اعتراف بأن مستقبله محفوف بالمخاطر السياسية، ولو تم إجراء تصويت على أكثر شخص مكروه في العالم لفاز نتنياهو بكل تأكيد، فبالرغم من كل ادعاءاته بالانتصار على إيران ومحور المقاومة، إلا أن ذلك جعل الكيان دولة منبوذة على شاكلته. منبوذة اقتصادياً وعلمياً وسياسياً.
لكن مع كل ذلك ما زال يملك نتنياهو بعض الأوراق التي سيستخدمها حتى آخر لحظة، ويعطل بها مشروع إقصائه عن السلطة وما فيه من قضاء على حياته السياسية والاجتماعية، وهو يعتمد بذلك ليس على قوته، بل على تفرّق خصومه، فإذا ما استطاع وضع أسافين الخلاف بينهم، فلن تكون هناك حكومة جديدة خلال الأشهر المقبلة، وسيجلب على البلاد دوامة أزمة سياسية قاسية، وستبقى حكومته “حكومة تصريف أعمال”، وسيدخل الكيان في انتخابات مبكرة ثانية تضمن أيضاً بقاءه، وهذه اللعبة سبق أن فعلها نتنياهو بإيصال البلاد إلى انتخابات متعددة خلال مُدد قصيرة، فقد حدث ذلك في الأعوام 2019 و 2020 و 2021 و2022، أربع انتخابات حصلت كان نتنياهو دائماً هو المستفيد من ذلك، ولم تنتهِ هذه الأزمات الانتخابية إلا بعد أن تمكن هو شخصياً من تشكيل هذه الحكومة التي جرّت الويلات على الداخل الصهيوني قبل الأعداء الخارجيين كما يتفاخر دوماً.
سيصارع نتنياهو للبقاء في السلطة، ويظهر أنه اتخذ قرار المواجهة مع كل من يريد شطبه من المعادلة السياسية في الكيان الصهيوني، وبعد العزلة أمريكياً ودولياً وداخلياً، يبدو أن إدخال الكيان في أزمة انتخابية ستكون ورقة نتنياهو الأخيرة التي يتعلق بها، فهل تسقط مع اشتداد رياح الخريف؟



