أمن لبنان الصحي في مرمى العقوبات (عماد عكوش)

كتب د.عماد عكوش – الحوارنيوز
أثار تعميم مصرف لبنان الداخلي ، القاضي بتعليق جميع الموافقات والتغطيات الاستشفائية لموظفيه والمستفيدين من صندوق تعاضدهم لدى مستشفى “الرسول الأعظم” والمركز الطبي اللبناني LMC) ) المرتبطين بالهيئة الصحية الإسلامية التابعة لحزب الله ، موجة واسعة من التساؤلات المشروعة حول أبعاده الحقيقية ومآلاته. ففي بلد يعيش أكثر من سبعين بالمئة من سكانه تحت خط الفقر متعدد الأبعاد ، وسط تآكل غير مسبوق في القدرة الشرائية بفعل الانهيار المالي والتضخم المتسارع ، لا يمكن قراءة أي إجراء مالي يمس القطاع الصحي كشأن إداري روتيني ، بل كمؤشر بنيوي بالغ الخطورة قد يدشن مساراً تصاعدياً لتقويض ما تبقى من منظومة الرعاية الاجتماعية.
استند مصرف لبنان في خطوته هذه إلى تدابير الامتثال الصارم Compliance) ) وتجنب الاحتكاك بقوانين العقوبات الدولية ، وتحديداً قرارات مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي OFAC) ) ، وقانون منع التمويل الدولي لحزب الله “حيفا” HIFPA) ) ، وموجبات معايير مجموعة العمل المالي FATF) ). ومع ذلك ، فإن توقيت القرار وسياقه السياسي يطرحان إشكالية بالغة الأهمية وهي هل هو مجرد إجراء احترازي ضيق ، أم بالون اختبار لمسار أوسع؟
في واقعه الراهن يظل الإجراء قراراً قطاعياً داخلياً ينطبق حصراً على التغطية الطبية الخاصة بموظفي المصرف المركزي ومتقاعديه ، دون أن يرقى حتى اللحظة إلى تعميم عام ملزم للقطاع المصرفي ككل أو للمؤسسات الرسمية الأخرى . غير أن المخاوف الجدية تنبع من احتمالية تدحرج “تأثير الدومينو” ، إذ قد يشكل هذا التعليق سابقة معيارية تشجع شركات التأمين الخاصة التي ترتبط مصالحها وشبكات إعادة تأمينها بأسواق غربية ودولارية على اتخاذ خطوات مماثلة لفك الارتباط مع هذه المستشفيات تجنباً للمخاطر المصرفية.
وتتعقد هذه الدائرة إذا ما امتدت الضغوط نحو الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ووزارة الصحة العامة ، حيث سيتحول المشهد حينها إلى أزمة دستورية وقانونية تمس التزام الدولة الصريح بكفالة الحق في الاستشفاء لجميع مواطنيها بصرف النظر عن الولاءات السياسية أو التموضع الجغرافي للمرافق الطبية المتعاقدة ، خصوصاً مع احتمال استخدام المساعدات والقروض الصحية الدولية الممنوحة من جهات كالبنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية كورقة ضغط مباشرة لدفع الوزارة نحو هذا الخيار.
ولفهم عمق الصدمة التي قد تنجم عن محاولات عزل هذه الصروح الطبية ، تبرز الحاجة الماسة إلى تقييم وزنها الميداني ومساهمتها الفعلية في الخريطة الاستشفائية ، فالأرقام تثبت أن مرافق مثل “الرسول الأعظم”، و”المركز الطبي اللبناني”، و”الشهيد راغب حرب”، ومستشفى “دار الحكمة” لا تمثل مجرد أذرع حزبية ، بل تشكل شبكة أمان صحي حيوية يستفيد منها طيف مجتمعي واسع يضم مواطنين لبنانيين ولاجئين فلسطينيين وسوريين دون اقتصارها على الموالين سياسياً . فهذه الشبكة تستحوذ على قدرة سريرية تشكل ما بين خمسة عشر إلى عشرين بالمئة من إجمالي الأسرة النوعية وأسرة العناية الفائقة خارج نطاق مستشفيات جبل لبنان وبيروت الخاصة التقليدية ، مشغلة أقساماً متقدمة للقلب وجراحة الأوعية والأورام والطوارئ بطاقة استيعابية تفوق سبعمئة سرير نشط.
ويتكامل هذا الحضور مع شبكة واسعة من مراكز الرعاية الأولية تفوق ثمانين مركزاً ومستوصفاً وصيدلية خيرية تابعة للهيئة الصحية الإسلامية موزعة عبر الضاحية والجنوب والبقاع ، لتؤمن شهرياً الفحوصات الأساسية وجلسات غسيل الكلى والاستشارات شبه المجانية لآلاف الأسر. كما تفرض هذه المؤسسات تعرفة علاجية تقل بنسبة تتراوح بين ثلاثين إلى خمسين بالمئة مقارنة بالمستشفيات الخاصة الكبرى من الفئة الأولى ، ما يجعلها صمام أمان لتقليص “الفروقات الاستشفائية” التي تفرضها المؤسسات الاستثمارية بالدولار النقدي الطازج ، فضلاً عن كونها خط الدفاع الإسعافي الأول في أوقات الكوارث والحروب عبر استقبال وإسعاف الجرحى والمصابين والنازحين بصرف النظر عن ملاءتهم المالية أو غطائهم التأميني.
إن تدحرج مفاعيل هذا الإقصاء لامكانية ان يشمل في المستقبل ولنفس الحجج التأمين الخاص والصناديق الضامنة ينذر بتداعيات هيكلية تضرب ما تبقى من استقرار مجتمعي. فالقطاع الاستشفائي الخاص تحكمه بنية قائمة على احتكار القلة ، وسحب صروح كبرى بهذا الحجم سيقود حتماً إلى انكماش حاد في المعروض من الأسرة التخصصية وخلق اختناقات شديدة في غرف العمليات والعنايات المركزة البديلة. هذا الغياب للمنافسة سيدفع المستشفيات الاستثمارية إلى رفع تسعيرتها بحرية وفرض تأمينات نقدية باهظة بالدولار كشرط للدخول ، ما يكرس الفرز الطبقي ويحرم السواد الأعظم من اللبنانيين من حق الاستشفاء. بالتوازي مع ذلك ، سيتعرض الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ، العاجز أصلاً عن تغطية سوى نزر يسير من كلفة العلاج ، لضربة قاضية ، إذ سيتحول إلى وثيقة شكلية لا تسمن ولا تغني حين يعجز المضمونون عن سداد الفوارق الهائلة المفروضة في المستشفيات الجامعية الكبرى بعد حرمانهم من المستشفيات ذات التعرفات المنخفضة. يضاف إلى ذلك خطر الفرز الجغرافي والسكاني عبر عزل مناطق برمتها في الضاحية والجنوب والبقاع ، وإجبار أصحاب الحالات الحرجة ومرضى غسيل الكلى على قطع مسافات طويلة تكبدهم أجور نقل وإسعاف باهظة ، وتضاعف مخاطر الوفاة على الطرقات قبل بلوغ سرير الرعاية.
إن إقحام المنظومة الصحية في أتون الحصار والاشتباك المالي يحمل أخطاراً وجودية تفوق أي حسابات مصرفية مجردة ، فالشعب اللبناني الذي استنزفته الانهيارات المعيشية المتلاحقة بات عاجزاً عن تحمل حرمان إضافي يطال حق البقاء الطبيعي. إن التوجه نحو تضييق الخناق على مستشفيات تؤمن الحد الأدنى من الرعاية للفقراء لن يطال تنظيماً سياسياً بقدر ما سيسحق المواطن البسيط ، معززاً نموذجاً استشفائياً نخبوياً ينجو فيه من يملك الدولار ويواجه فيه المحرومون مصيرهم القاتم على أبواب الطوارئ. وتبقى المعركة المقبلة مرهونة بمدى قدرة المؤسسات الدستورية ونقابات الأطباء والمستشفيات وإدارة الضمان على إقامة حد فاصل بين مقتضيات الامتثال المصرفي الخارجي ، وبين المسؤولية الوطنية والأخلاقية التي تفرض حماية الحق في الصحة والحياة دون مساومة ، ليظل التساؤل معلقاً حول قدرة هذه الهيئات على كبح ما يتهدد الأمن الصحي للبلاد.



