رأي

ماركو روبيو يستفز إيران ويستذكر مقولة صدام الحضارات (أحمد حوماني )

 

د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

أثار صامويل هنتنغتون ضجة كبيرة في تسعينيات القرن الماضي عندما أصدر كتابه “صدام الحضارات”. كان هنتنغتون قد كتب مجموعة مقالات في الصحافة الأمريكية تتحدث عن رؤيته حول الصراعات العسكرية والسياسية في العالم، وخلص فيها إلى أن الصراع ليس سياسياً ولا دينياً، بل هو صراع بين الحضارات، بعدها ردّ عليه السيد محمد خاتمي رئيس الجمهورية في إيران بالتنظير لمفهوم معاكس وهو “حوار الحضارات”، ولاقت نظريته صدىً طيباً في كثير من عواصم العالم العربي والغربي.

لم يصل هنتنغتون إلى هذه المقولة من فراغ، ففي كتابه شرح موضوع نشوء الحضارات وانهيارها، وذكر الحضارات التي سادت ثم بادت ومن بقي منها، وخلاصة كتابه، أن الحضارة الغربية هي التي استطاعت الهيمنة منذ مئات السنين حتى ذلك اليوم، لكنه حذر من أنها بدأت تواجه منافسة قوية من الحضارة الصينية (الكونفوشيوسية) التي يبدو أنها ستصل إلى موقع تشكل فيه خطراً كبيراً على الحضارة الغربية.

كما بيّن أن الحضارة الإسلامية ما زالت تمتلك المقومات الأساسية لإعادة إنتاج نفسها من جديد، لكن تشتت دولها، وعدم وجود مركز أو دولة تقود هذه الحضارة، يجعل منافستها للحضارة الغربية أمراً صعباً في المدى المنظور والمتوسط.

من توصياته في مجال تثبيت وإطالة زمن هيمنة الحضارة الغربية على العالم، أن يتم حصار الحضارة الصينية في مهدها، بمعنى عدم السماح لها بالتوسع في دول العالم، وبذلك تبقى ضمن حدودها، لأنه يتخوف من أن الصدام معها قد يؤدي إلى خسارة جزء كبير من العالم الشرقي، ووقوعه تحت وصايتها المباشرة.أما بالنسبة للحضارة الإسلامية، فقد ركزت توصياته على إبقاء منطقة المركز فيها أي فلسطين وسوريا ولبنان والعراق وإيران ومصر والخليج، منطقة مقسمة، ومتناحرة، وتسودها الصراعات السياسية والعسكرية والدينية، لأن توحدها سيعيد إنتاج حضارتها بسرعة، بحيث لا يمكن السيطرة عليها من جديد، وستتوسع إلى أوروبا وأفريقيا وآسيا في غضون سنوات قليلة.

يمكن من خلال ما تقدم فهم ما يجري اليوم في العالم، سواء في شرق آسيا، ومحاولات أمريكا الدائمة لاحتواء الصين والسعي لعدم تمددها سياسياً واقتصادياً. وكذلك ما يجري في منطقتنا العربية والإسلامية من تغذية الصراعات والحروب، لتعميم الفقر والجهل، وإبقائها تحت الهيمنة الأمريكية والغربية، بالرغم من كل الثروات التي تمتلكها.

ما حصل مع إيران يأتي في هذا السياق، فأمريكا بما هي اليوم تمثل رأس هذه الحضارة الغربية، لم تستسغ وجود دولة قوية مستقلة، تمتلك مقومات التقدم والتطور العلمي، ولها حلفاء في المنطقة، ويمكن أن تكون نموذجاً يحتذى بين الدول العربية والإسلامية. لذا منذ فجر انتصارها على الشاه بدأ مسلسل الحصار والحروب المفروض عليها، وما زال مستمراً، ويبدو أن هناك من استعجل الحرب العسكرية عليها علّه يؤخّر مسار التقدم والتطور والاقتدار التي تسير فيه.

من هنا لم يكن مفاجئاً ما صرح به وزير خارجية أمريكا ماركو روبيو في زيارته الأخيرة إلى أثينا، حيث قال: “إن الحروب بين الإمبراطورية الأخمينية (الفارسية) واليونان في التاريخ القديم، تأتي في إطار مواجهة تاريخية بين إيران و”الحضارة الغربية”.

واستذكر روبيو بتفصيل أحداث عام 480 قبل الميلاد، مشيراً إلى التدمير الذي لحق بالمدينة على يد جيوش الملك الأخميني “خشايارشا”. بقوله: “لقد وقفت هذه الأرض شاهدة على غزو واسع النطاق. زحفت جيوش الإمبراطورية الفارسية نحو أثينا، ولم تكتفِ باحتلال المدينة، بل امتدت لتطال أقدس معالمها. لقد وصلوا إلى هنا، فنهبوا المعابد، وأضرموا النيران في الأضرحة، وسوّوا صرح الأكروبوليس العظيم بالأرض في محاولة لطمس معالم هذه الحضارة. والإيرانيون اليوم هم أخلاف هؤلاء”.

وأضاف: “إن هذه المبادئ تختلف اختلافاً جذرياً عما نراه – حتى في وقتنا الراهن – لدى متعصبين مثل الملالي المتطرفين في إيران، الذين تُقدِّس (ثقافة الموت) لديهم الانتحاريين من الأطفال وتعتبرهم أبطالاً قوميين، وتُصوِّر الاستشهاد على أنه غاية في حد ذاته”. وأكد روبيو على تفرّد هذه المفاهيم قائلاً: “هذه المبادئ التي نعتز بها اليوم ليست مفاهيم عالمية نشأت بالصدفة في كل مكان، بل هي ثمرة خالصة وتراث أصيل لحضارة غربية متميزة”.

استحضار روبيو لأحداث حروب تاريخية بين الحضارة الفارسية والحضارة اليونانية، ثم اعتبار أن الحضارة الغربية الحالية هي امتداد لتلك الحضارة اليونانية، مع وصفه لإيران الإسلام اليوم بأنها دولة تقدس ثقافة الموت، وحديثه عن حكم الملالي في إيران، يُشير إلى أنه يتبنى نظرية هنتنغتون في صدام الحضارات، وأن صراع الغرب مع إيران هو صراع بين الحضارة الغربية بكل تجلياتها مع الحضارة الفارسية الإسلامية على حد تعبيره.

تصريحات روبيو استفزت الساسة الإيرانيين الذين من الصعب استفزازهم في السياسة، لكن طالما أنه تحدث عن الحضارات وصراعها، فقد أتاه الرد سريعاً من أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني اللواء محسن رضائي: “استعدوا لتكرار الهزائم التاريخية أمام إيران… عندما يذهبون إلى أثينا بعد الهزيمة والإذلال أمام إيران، لمحاولة صياغة رواية حرب حضارية، فمن الأفضل لهم أن يقرأوا فصلاً مهمًا آخر من التاريخ: عندما ركع الإمبراطور الروماني أمام شابور الأول الساساني من يستحضر التاريخ؛ عليه أن يكون مستعداً لتكراره”.

وللركوع قصة تاريخية وهي واحدة من أشهر وأكثر اللحظات إذلالاً في تاريخ الإمبراطورية الرومانية، وتتعلق بالإمبراطور فاليريان أمام ملك الملوك الساساني شابور الأول. ففي عام 260م، في ذروة الصراع الروماني – الساساني على السيطرة على بلاد ما بين النهرين وأرمينيا، قاد الإمبراطور فاليريان جيشاً ضخماً يقدر بـ 70 ألف جندي لمواجهة شابور الأول. التقى الجيشان قرب مدينة الرها (أورفا الحالية في تركيا). حيث تم أسر الإمبراطور مع كبار ضباطه وحاشيته. وهي المرة الوحيدة في التاريخ الروماني التي يُؤسر فيها إمبراطور روماني حيّ على يد عدو أجنبي.

وقد خلد الإيرانيون هذه المعركة بمنحوتات عدة، لكن أشهرها منحوتة (نقش رستم) وهي الأشهر. وهي منحوتة ضخمة تُظهر شابور على حصان، والإمبراطور فاليريان راكع أمامه يتوسل، وبجانبه إمبراطور آخر واقف هو فيليب العربي الذي كان قد دفع الجزية لشابور سابقاً. هذه المنحوتة هي مصدر صورة “الركوع” الشهيرة.

في العقيدة الرومانية، الإمبراطور ليس مجرد حاكم، بل هو ممثل الآلهة على الأرض، وشخص مقدس. ركوعه أمام ملك أجنبي كان انهياراً للعقيدة الإمبراطورية نفسها. واضح أن محسن رضائي قصد استحضار هذه القصة بالتحديد، ليعطي إشارة واضحة أن الحرب الحالية لن تنتهي إلا بركوع (رضوخ) أمريكا للشروط الإيرانية.

أما رئيس البرلمان الإيراني فقال ردًا على وزير الخارجية الأمريكي بشأن الحضارة الإيرانية: “على مر التاريخ واجهنا من نصبوا أنفسهم سادة العالم وحاولوا محو الحضارات القديمة، جاؤوا بالنار واللهب لكنهم رحلوا بالغبار والذل”، في إشارة إلى إصرار إيران على طرد الأمريكيين من منطقة غرب آسيا.

فيما تماهى مستشار قائد الثورة الإسلامية علي أكبر ولايتي مع رؤية روبيو للصراع بقوله: “واشنطن لا تواجه الثورة الإسلامية فحسب، بل تعارض وجود حضارة إيرانية قوية ومستقلة، وأن روبيو يشيد بالمقاومة في اليونان القديمة بينما يصف صمود الشعب الإيراني بأوصاف تحقيرية. خاتماً بأن مَن ارتكب مآسي هيروشيما وفيتنام والعراق وأفغانستان لا يملك الحق في إلقاء دروس الأخلاق على الآخرين”.

الردود السريعة والمعبرة، ومن أبرز قادة إيران في هذه المرحلة، تؤكد أن إيران كما هي مستعدة عسكرياً للرد على الاعتداءات العسكرية، فهي أيضاً مستعدة سياسياً لخوض المعركة إلى نهايتها، وهي لا تغفل عن أن أمريكا وأوروبا تنظر إلى الحرب الحالية، كجزء من صراع أوسع وأعمق من كونه خلاف على مسألة تخصيب يورانيوم، أو فتح مضيق، إلى خلاف على إبقاء الهيمنة على منطقة غرب آسيا، واستمرار احتلالها السياسي والعسكري والثقافي والحضاري.

إيران اليوم تقود مشروعاً يسعى إلى بعث الحياة في الحضارة الإسلامية، التي كانت في يوم من الأيام مصدر نور وعلم وثقافة وتطور وتقدم لكل العالم، بعيداً عن استغلال ثروات الدول، وحاجات الناس. وأكثر التصاقاً باحترام معتقدات الآخر وحرية قراره وسيادة ثقافته الخاصة.

فهل يتعظ روبيو ورئيسه ترامب من قصة الإمبراطور فاليريان؟ وما حصل معه على يد الملك شابور الأول. أم أن التاريخ سيكرر نفسه برؤساء ووزراء من هذا الزمن.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى