اليوم يطوي العراق صفحة التحالف الدولي : ترحيب عراقي إيراني وقلق كردي ..والتحدي في ملء الفراغ

الحوارنيوز – تقرير خاص
أنهى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية اليوم،في 30 أيلول/سبتمبر 2026، مهمته العسكرية في العراق، مسدلاً الستار على وجود عسكري استمر أكثر من عقدين منذ الغزو الأميركي عام 2003، في خطوة تُعد من أبرز التحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة. وقد غادرت آخر القوات الأميركية وقوات التحالف قواعدها في العراق تنفيذاً للاتفاق الذي أُبرم بين بغداد وواشنطن عام 2024، وسط تباين واضح في المواقف العراقية والإقليمية والدولية حيال تداعيات هذا الانسحاب.
نهاية حقبة عسكرية طويلة
مثّل التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” منذ تأسيسه عام 2014 أحد أهم أدوات الدعم العسكري والاستخباري للقوات العراقية في مواجهة التنظيم الذي سيطر في ذروة تمدده على مساحات واسعة من العراق وسوريا. وعلى الرغم من إعلان هزيمة “داعش” عسكرياً عام 2017، استمرت قوات التحالف في تقديم التدريب والاستشارات والدعم الجوي والاستخباري للقوات العراقية.
ومع اكتمال الانسحاب اليوم، تكون الولايات المتحدة قد أنهت رسمياً وجوداً عسكرياً بدأ بعد إسقاط نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين عام 2003، في حين أشارت تقارير غربية إلى انتقال عدد من العسكريين الأميركيين وقوات التحالف إلى قواعد في دول مجاورة، ولا سيما الأردن، لمواصلة مراقبة نشاط التنظيمات المتطرفة في المنطقة.

الحكومة العراقية: تأكيد السيادة الوطنية
في بغداد، اعتبر مسؤولون عراقيون أن انتهاء مهمة التحالف يمثل استكمالاً لمسار استعادة السيادة الوطنية وبناء القدرات الذاتية للمؤسسات الأمنية العراقية. ويؤكد المسؤولون أن الجيش العراقي والأجهزة الأمنية باتت تمتلك من الخبرة والإمكانات ما يؤهلها لتولي المسؤولية الكاملة عن حماية البلاد وملاحقة بقايا تنظيم “داعش”.
كما تراهن الحكومة العراقية على أن يؤدي غياب القوات الأجنبية إلى تخفيف حدة التوترات الأمنية والسياسية المرتبطة بالوجود العسكري الأميركي، وفتح المجال أمام ترتيبات أمنية داخلية أكثر استقراراً.
الفصائل الحليفة لإيران: “انتصار للمقاومة“
في المقابل، رحبت الفصائل المسلحة العراقية المتحالفة مع إيران بالانسحاب، واعتبرته تتويجاً لسنوات من الضغوط السياسية والعسكرية التي مارستها هذه الفصائل لإنهاء الوجود الأميركي في العراق.
ويرى محللون عراقيون أن تلك الفصائل ستسعى إلى استثمار هذا التطور سياسياً وشعبياً باعتباره “انتصاراً لمحور المقاومة”، وقد تستخدمه لتعزيز نفوذها داخل مؤسسات الدولة العراقية وفي مراكز صنع القرار الأمني والسياسي.
أما في طهران، فقد نُظر إلى الانسحاب على أنه مكسب استراتيجي كبير ينسجم مع الهدف الإيراني المعلن منذ سنوات والمتمثل في إخراج القوات الأميركية من المنطقة.
مخاوف أمنية من عودة “داعش“
في المقابل، برزت تحذيرات واسعة من احتمال نشوء فراغ أمني قد تستغله خلايا تنظيم “داعش” لإعادة تنظيم صفوفها.
ويشير خبراء أمنيون إلى أن التحالف الدولي كان يوفر قدرات استخبارية وتقنية متقدمة، خصوصاً في مجالات المراقبة الجوية والاستطلاع وجمع المعلومات، وهي قدرات قد يصعب تعويضها سريعاً. كما تحدثت تقارير عن ازدياد نشاط بعض الخلايا النائمة للتنظيم خلال الأشهر الأخيرة، ما أثار مخاوف من عودة الهجمات الإرهابية في بعض المناطق العراقية.
قلق كردي واضح
وكانت أبرز ردود الفعل السلبية قد صدرت عن إقليم كردستان العراق، حيث أعرب رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني عن معارضته للانسحاب، واصفاً القرار بأنه يترك الإقليم والعراق أمام تحديات أمنية متزايدة.
ويخشى المسؤولون الأكراد من أن يؤدي غياب القوات الأميركية إلى زيادة الضغوط الأمنية على الإقليم، سواء من جانب الجماعات المسلحة أو من خلال تنامي النفوذ الإقليمي في العراق. كما يستحضر كثيرون تجربة الانسحاب الأميركي عام 2011 التي أعقبها صعود تنظيم “داعش” وسيطرته على مناطق واسعة من البلاد بعد سنوات قليلة.
ماذا بعد الانسحاب؟
يرى مراقبون أن العراق يدخل اليوم مرحلة جديدة عنوانها اختبار قدرة مؤسساته الأمنية والسياسية على إدارة التوازنات الداخلية المعقدة بعيداً عن الوجود العسكري الأجنبي. فبينما تعتبر قوى عراقية عديدة أن الانسحاب يعزز السيادة الوطنية، تخشى أطراف أخرى من أن يؤدي إلى زيادة نفوذ الفصائل المسلحة أو إلى عودة التهديدات الإرهابية إذا لم تُستكمل خطط بناء القدرات الأمنية العراقية.
ويبقى السؤال الأساسي الذي سيحدد مستقبل العراق في المرحلة المقبلة: هل تستطيع الدولة العراقية ملء الفراغ الذي يتركه التحالف الدولي والحفاظ على التوازن بين الأمن والسيادة والاستقرار السياسي؟
الإجابة عن هذا السؤال ستتضح خلال الأشهر والسنوات المقبلة، مع بدء أول اختبار فعلي للعراق من دون وجود قوات التحالف على أراضيه.



