إقتصاد

اقتصاد لبنان بين أنقاض الانهيار ووعود التعافي (عماد عكوش)

 

كتب د.عماد عكوش – الحوارنيوز

 

في عام 2025، سجّل الاقتصاد اللبناني أول نمو حقيقي له منذ 2017 بنسبة 3،5% ، وبدا وكأن البلاد تلتقط أنفاسها بعد سنوات من الانهيار المتواصل ، لكن هذا التعافي الهش لم يدم طويلاً ، إذ سرعان ما عادت الحرب في آذار\مارس 2026 لتعيد لبنان إلى مربع الأزمة ، محوّلةً “اقتصاد التعافي” إلى “اقتصاد بقاء” تديره السياسات النقدية والمساعدات الإنسانية بدل الاستثمار والإنتاج ،

والسؤال الأكثر إلحاحاً اليوم هو كيف وصل لبنان إلى هذا القعر ، ولماذا فشلت كل الوعود بالتعافي؟

لا يمكن فهم عمق الأزمة اللبنانية دون النظر إلى حجم الخسائر المتراكمة، القطاع المصرفي وحده يحمل خسائر متراكمة تتجاوز 72 مليار دولار ، بينما كان بلغ الدين العام 176،5% من الناتج المحلي الإجمالي قبل الازمة ، وقد قدّرت بعض المؤسسات أن الحربين الإسرائيليتين الأخيرتين كلفتا لبنان أكثر من 20 مليار دولار ، مع تحوّل الاقتصاد من نمو بنسبة 4،2% إلى انكماش مقدّر بنسبة 6،4% في عام 2026، وتشير تقديرات معهد التمويل الدولي إلى أن الانكماش قد يصل إلى 16% في السيناريو الأسوأ،

الأزمة ليست أرقاماً فقط ، أكثر من مليون شخص نزحوا منذ اذار 2026 ، والفقر يطال حوالي 36% من السكان ، بينما تراجع الأمن الغذائي بشكل حاد 0 لبنان اليوم يعيش على المساعدات الإنسانية والتحويلات الخارجية ، وهو نموذج اقتصادي هشّ لا يستطيع الصمود طويلاً.

جذور الانهيار لا تعود إلى الحرب وحدها، بل إلى نموذج اقتصادي قام على تراكم الديون وتمويل الدولة عبر القطاع المصرفي اي عبر ودائع المواطنين ، وهو نموذج لم يكن قابلاً للاستدامة منذ البداية  وقد وصف البنك الدولي الأزمة اللبنانية بأنها من بين أشد الأزمات الاقتصادية عالمياً منذ منتصف القرن التاسع عشر ، ما يضعها في خانة الانهيارات الهيكلية العميقة وليس الأزمات الدورية العابرة

الاقتصاد اللبناني ظلّ لعقود رهينة رأسمالية ريعية تقوم على الربح السريع والصفقات والسمسرات والمضاربات العقارية ، بدلاً من الإنتاج والتصنيع  وقد أتاح النظام الطائفي للنخب الحاكمة ، في غياب الحوكمة ، وسائل شتى لتكديس الثروات على حساب السواد الأعظم من السكان ، مع تواطؤ دائم على ترسيخ مبدأ المحاصصة لحماية امتيازاتها وحماية احتكاراتهم ووكالاتهم الحصرية

لم تستمر الامور طويلا وانهار القطاع المصرفي في أواخر 2019 ، ماحياً مدخرات المودعين ومدفوعاً بانهيار اقتصادي أوصل حوالي نصف سكان لبنان البالغ عددهم 65 مليون نسمة إلى الفقر ، بعد عقود من الفساد والهدر وسوء الإدارة  تراجع رأس مال القطاع المصرفي من حوالي 21 مليار دولار إلى 48 مليار دولار فقط واليوم ، بعد سبع سنوات على الانهيار ، لا يزال القطاع المصرفي يعاني اختلالات عميقة وفقاً للبنك الدولي  وقد أقرّ مجلس النواب تعديلات على قانون إعادة هيكلة المصارف في أغسطس 2026 ، لكن السؤال المركزي لم يُجب عليه بعد وهو من سيدفع ثمن الانهيار؟ ويبدو أن صندوق النقد الدولي نفسه فقد الثقة بمجالس إدارات المصارف الحالية ، إذ يطالب بتعيين مديرين موقتين على جميع المصارف اللبنانية ، برسالة واضحة وهي من أدار المصارف خلال الانهيار لا يراه الصندوق مؤهلاً لإدارة عملية إنقاذها.

انهيار القطاع المصرفي ترافق مع انهيار يعتبر من أعنف انهيارات العملات في التاريخ الاقتصادي الحديث ، الى ان استقر سعر الصرف قرب 89,500 ليرة للدولار ، لكن هذا الاستقرار لم يولد من تعافٍ اقتصادي أو عودة ثقة ، بل من سياسات انكماشية استثنائية قيّدت الإنفاق وامتصّت السيولة ودفعت الاقتصاد إلى حالة من الشلل المالي  وقد حذّر البنك الدولي من أن هذا الاستقرار هشّ بطبيعته ، وأن استدامته مشروطة بإصلاحات مالية ومصرفية عميقة وتوحيد سعر الصرف ، وإلا فإنه قد يتحول إلى محطة مؤقتة تسبق خفضاً ثانياً وأكثر إيلاماً في قيمة العملة.

ترافق هذا الانهيار مع انهيار في القيمة الاسمية والفعلية للدين العام ، وقد بلغ الدين العام 1765% من الناتج المحلي الإجمالي قبل بدء الازمة ، ولا تزال مفاوضات إعادة هيكلته لم تبدأ بعد  وتخلّف لبنان عن سداد سندات “اليوروبوند” بقيمة 41 مليار دولار والتي انخفضت قيمتها السوقية الى اقل من 20 بالمئة من قيمتها الاسمية ، بالإضافة إلى فروقات الصرف المستحقة لمصرف لبنان والبالغة 16 مليار دولار  والأخطر أن موازنة 2026 لا تلحظ خدمة الدين العام في ظل عدم الشروع في إعادة الهيكلة ، ما يعني أن العجز الفعلي للموازنة سلبي حتى لو بدا العجز الدفتري صفراً

اسباب الازمة ما زالت مستمرة ومستدامة ومنها الفساد ، والفساد ليس مجرد آفة عرضية في لبنان ، بل هو نظام اقتصادي موازٍ  أكثر من 40 مليار دولار صُرفت على قطاع الكهرباء لتكون النتيجة اقل من 4 ساعات تغذية بالحد الأقصى  وفي ايار 2026 ، كشف أمن الدولة عن اختفاء نحو 500 طن من النحاس من مستودعات شركة كهرباء لبنان ، في فضيحة وُصفت بـ”اقتصاد ظلّ داخل الدولة” ، فيما مغارة التلزيمات الحكومية مازالت تبتلع المال العام

فشل القطاع العام هو سبب اخر ، ولا يمكن الحديث عن فشل القطاع العام دون الحديث عن التمييز الطائفي الوظيفي الذي أصاب الوظيفة العامة في الصميم  فالمادة 95 من الدستور اللبناني تنص على إلغاء قاعدة التمثيل الطائفي واعتماد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة ، لكن هذا النص لم يُنفَّذ منذ أكثر من ثلاثة عقود  ويقرّ رئيس الوزراء سلام نفسه بأن تبوء الوظائف العامة الرئيسية ، السياسية والإدارية ، يخضع في الممارسة لنظام توزيع طائفي يتعارض مع ما ورد في المادة السابعة من الدستور ، مشيراً إلى أن الطوائف الأصغر طريقها إلى الوظائف العامة يكاد يكون مغلقاً بالكامل

هذا النظام الإداري الطائفي أنتج إدارة عامة ضعيفة ، غير قادرة على التخطيط أو التنفيذ أو الاستجابة للأزمات ، وأتاح تمدّد الفساد والمحسوبية ، وأفضى إلى اتساع فجوات عدم المساواة  والنتيجة هي دولة عاجزة عن تحصيل الضرائب بشكل عادل ، وعن تقديم خدمات أساسية ، وعن احتكار السلطة الشرعية على كامل أراضيها

لقد فشلت كل الوعود بالتعافي والاصلاح والتي قطعتها كل الحكومات منذ عام 2019 ، كما انه ومنذ توقيع الاتفاق الأولي مع صندوق النقد الدولي ، لم تنجح هذه الحكومات في تنفيذ الإصلاحات البنيوية والمالية التي تعهدت بها ، فلا إعادة هيكلة فعلية للقطاع المصرفي ، ولا توزيع واضح وعادل للخسائر المالية ، ولا إصلاح جدي لقطاع الكهرباء ، ولا تحديث للإدارة العامة  والأدهى أن 18 قانوناً إصلاحياً أُقرّ منذ عام 2008 ولم يُطبَّق أي منها بسبب غياب الإرادة السياسية والتعطيل المؤسساتي

السبب الجوهري لهذا الفشل المتكرر ليس تقنياً أو مالياً ، بل سياسي ودستوري.  فالنظام الطائفي التوافقي ، كما ترسّخ بعد اتفاق الطائف ، أنتج نظاماً يحمي مصالح قوى النظام الطائفي الزبائني ، ويضع مسؤولية فكرية لتفكيك الجذور التاريخية لهذا الاستعصاء  وقدّر البنك الدولي الكلفة السنوية للخلل الناجم عن الحكم الطائفي بـ 9% من الناتج المحلي الإجمالي،  والأخطر أن وثيقة الطائف نفسها جاءت لتؤسس لدستور لبناني بنظام للدولة بمثابة تلغيم لهذه الدولة من الداخل ، تلغيم قابل للانفجار في أية لحظة

هنا يؤكد رئيس الوزراء الحالي نواف سلام أن أمام حكومته فرصة حقيقية لتغيير مسار لبنان ، مشدداً على أنه لا اقتصاد من دون استقرار ، ولا استثمار من دون دولة  ويتحدث عن إقرار إصلاحات مالية أساسية ومواصلة مسار الانتظام المالي واستعادة الودائع من خلال مشروع قانون الفجوة المالية ، والعمل على التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي  كما تضع الحكومة الحالية عملها على ثلاثة مسارات ، الإغاثة ، وإعادة الإعمار ، وتوفير شروط التعافي والإنماء.

لكن التجربة تقول إن الوعود وحدها لا تكفي  فحتى الآن ، لم يُقرّ من الإجراءات المسبقة الثمانية المطلوبة من صندوق النقد الدولي سوى تعديل واحد يتعلق بالسرية المصرفية  والمسار إلى برنامج صندوق النقد مشروط بسلام لم يتحقق بعد  والأهم أن الحكومة الحالية تواجه المعادلة نفسها التي واجهتها الحكومات السابقة وهي كيف يمكن تنفيذ إصلاحات حقيقية في ظل نظام محاصصة طائفية يمنح كل طرف حق النقض (الفيتو) على أي إصلاح يمسّ امتيازاته؟

لبنان اليوم أمام مفترق طرق وجودي.  الانهيار ليس مجرد أزمة مالية أو نقدية ، بل هو أزمة دولة ونظام  فالدستور الطائفي ، الذي وُلد كتسوية سياسية ، تحوّل إلى آلية لإنتاج الأزمات بدلاً من حلها ، وإلى نظام لتعطيل الإصلاحات بدلاً من إنجازها  وحتى الحرب ، بكل دمارها ، لن تكون سوى فصل إضافي في سلسلة طويلة من الانهيارات إذا لم يتم معالجة اساس المشكلة ، والتي هي وجود نظام حكم يضع مصالح الطوائف والنخب فوق مصالح المواطنين والدولة

إذا أراد لبنان فعلاً أن يخرج من أنقاض الانهيار ، فالمطلوب ليس فقط خطة اقتصادية أو اتفاقاً مع صندوق النقد ، بل إرادة سياسية حقيقية لتفكيك نظام المحاصصة ، وتنفيذ المادة 95 من الدستور التي تُلغي التمثيل الطائفي في الوظائف العامة ، وبناء دولة مدنية يكون فيها الاختصاص والكفاءة ، لا الانتماء الطائفي ، هما معيار تولّي المسؤولية . بدون ذلك ، ستبقى كل وعود التعافي مجرد وعود.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى