رأي

ما وراء التصعيد في الخليج : صراع على الطاقة أم إعادة هندسة للعالم؟ (عماد عكوش)

 

بقلم د.عماد عكوش – الحوارنيوز

 

ما يجري بين واشنطن وطهران لا يمكن اختزاله في ملف نووي أو سباق نفوذ إقليمي . إنه صراعٌ على قواعد اللعبة ذاتها في منطقة الخليج ، التي تمثل عصب النظام الاقتصادي العالمي. هو صراعٌ على من يملك القدرة على تحديد مسارات الطاقة وأسعارها ، ومن يفرض شروط الأمن البحري في ممرات حيوية مثل مضيق هرمز ، ومن يمتلك أدوات الردع التي تمنحه وزناً في أي تسوية إقليمية مستقبلية.

الولايات المتحدة لا تخوض هذه المواجهة بدافع الهيبة وحدها ، بل لأن إيران تمثّل عائقا استراتيجياً على النموذج الأميركي لإدارة المنطقة. إيران بدورها ، لا تستطيع التراجع بسهولة ، لأن مشروعها السياسي قائم على الاستقلال ورفض الهيمنة ، وأي انكسار أمام الضغط الخارجي يُقرأ داخلياً كتهديد لشرعية النظام ذاته.

الاطماع الاميركية في ايران كبيرة جدا، فهي تمتلك موقعاً فريداً ، ثاني أكبر احتياطي غاز في العالم ، رابع أكبر احتياطي نفطي ، وإشراف جغرافي على مضيق هرمز الذي يمرّ عبره نحو ٢٠٪ من النفط العالمي. وهذا يمنحها أداة ضغط لا يستهان بها. لكن السلاح ذاته قد ينقلب عليها، فتعطيل الملاحة أو التصعيد في الخليج قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط ، ما يفيد روسيا وصادرات الطاقة الأميركية ، لكنه يضرب المستهلك العالمي ويرفع التضخم في أوروبا وأميركا نفسها. لذا، فإن أي استخدام لهذا السلاح يُخضع الطرفين لتكاليف فعلية ، وليس مجرد تهديدات نظرية.

من جهة ثانية لا يمكن إنكار أن إيران تمتلك قاعدة بشرية كبيرة ومتعلمة ، واقتصاداً متنوعاً نسبياً (خارج النفط) ، وقدرة على تطوير آليات مالية موازية (مثل العملات المشفرة، التبادل بالعملات المحلية، تجارة الذهب). لكن المؤشرات الحالية تكشف واقعاً مختلفاً. فهناك انهيار للعملة حيث تجاوز الدولار حاجز مليوني ريال ، والكتلة النقدية (M2) تواصل الارتفاع بوتيرة متسارعة، ما يضغط على التضخم ، التضخم تجاوز ٧٠٪ في المواد الغذائية ، مع توقعات بانكماش اقتصادي يتجاوز ٥٪ هذا العام ، والأصول المجمّدة تقدر بـ ١٠٠–١٢٠ مليار دولار، لكنها غير قابلة للاستخدام حالياً.

إذن، إيران قادرة على الصمود، لكن صمودها ليس غير نهائي ، خصوصاً في ظل عزلة مصرفية واستثمارية متزايدة. يبقى ان نقول ان المتغيّر الحاسم هو الصين وهو العامل الأكثر تأثيراً في نجاح العقوبات. الصين تستورد أكثر من ٨٠٪ من صادرات النفط الإيراني البحرية ، وبكين أعلنت صراحةً معارضتها للعقوبات الأحادية. التهديد الأميركي بفرض عقوبات ثانوية على الصين قد يُحدث شرخاً في العلاقة ، لكنه قد يدفع بكين أيضاً إلى تسريع آليات التداول بالعملات المحلية (اليوان، الروبل، الروبية) كبديل استراتيجي للدولار. وهنا تتحول المعركة من عقوبات على إيران إلى اختبار لقدرة واشنطن على فرض نظامها المالي على أكبر اقتصاد نامٍ في العالم.

إضافة الى ما تقدم فأن التداعيات الإقليمية لن تقتصر على إيران، لأن أي تصعيد في الخليج سيُحدث تأثيرات متسلسلة، منها على دول الخليج حيث ستواجه ارتفاعاً في أقساط التأمين البحري ، واضطراباً في صادراتها النفطية ، وتهديداً مباشراً لأمنها الاقتصادي. لبنان كدولة مستوردة للطاقة وتعاني أصلاً من أزمة مالية حادة، سيكون أكثر عرضة لموجة تضخمية جديدة نتيجة ارتفاع أسعار النفط والشحن. اما مصر والأردن، اللتان تعتمدان على استيراد النفط والغاز، ستشهدان ضغوطاً على ميزان المدفوعات. المنطقة ككل ستتحول إلى ساحة لاختبار مرونة اقتصاداتها في مواجهة صدمة طاقة محتملة ، وهو ما يتطلب استعدادات مسبقة على مستوى السياسات المالية والنقدية.

ان المعطيات حاليا تشير إلى أن السيناريو الأكثر واقعية ليس انتصاراً حاسماً لأي طرف ، بل مراحل متعاقبة من التصعيد والتهدئة ، حرب اقتصادية مفتوحة ، وعمليات سيبرانية ، وصراع بالوكالة ، ومحاولات تفاوضية مرحلية ، تهدف إلى إدارة الصراع لا حله. التسوية النهائية ستبقى صعبة ، لأن جوهر الصراع ليس أمنياً فقط ، بل وجودي من جهة ، وهيمني من جهة أخرى.

العقوبات الأميركية ليست مجرد أداة ضغط ، بل هي جزء من إعادة هندسة للنظام الاقتصادي الإقليمي. نجاحها أو فشلها لن يتحدد بقدرة واشنطن على فرضها ، بل بقدرتها على إقناع الصين بالالتزام بها ، أو على الأقل ، عدم التحايل عليها بشكل علني. أما إيران ، فستواصل تطوير آليات مالية موازية ، لكنها لن تستطيع تعويض العجز الهيكلي الناتج عن فقدان الإيرادات النفطية والتجميد المصرفي. وكما يظهر الواقع ، فإن المعركة ليست على من يملك القدرة على تدمير الآخر، بل على من يملك القدرة على تحمّل الكلفة الأطول ، في صراع قد يستمر لسنوات ، ويُعيد تشكيل المنطقة بأكملها ، ليس عسكرياً فحسب ، بل اقتصادياً وسياسياً واستراتيجياً.

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى